قراءة في ديوان ايهاب عقل تراتيل المساء .بقلم خالد عرار

img
شعر 0 syef salem

يُحاولُ الشّاعرُ في كلِّ نصٍّ من نصوصِهِ أنْ ينتصرَ على الحروفِ التي تٌشكِّلُ في مجموعِها دولةً من الأخريات اللواتي يحاولنَ محوَ اسم الشّاعر من قائمة الباحثينَ عن البصيصِ المنتشرِ بينَ سطورِ السُّهولِ المزروعةِ بآمالِ وآلامِ الشَّاعرِ ، فينقضُّ على المجاز المُبتذلِ ، ويهزُّ جدرانَ الصّمت كلّما استسلمَتِ الدّواةُ لاستعارةٍ راحلةٍ في فضاءٍ ملبّدٍ بالتراتيل .
ليسَ الشّاعرُ بمأمنٍ طالما تركَ نافذة الخوفِ مشرعةً أمامَ العواصفِ التي تنتهزُ فرصةَ غياب الوشم عن راحة القصيدة ، فتعوي رياحُ الشّؤم إذا صمّمَ على الرّحيل نحو مجهولٍ لا تعلمهُ كنايةٌ تُرشدُ العابرين عن مكان إخصاب الحرف ، وتُكسرُ السّاريةُ الحاملةُ همومَ السفينة المبحرةِ في البحر اللّجيِّ ، وهيَ تجابِهُ الأفكار المأجورة . لذلك وجبَ على الشّاعر أتّباعُ الخطِّ المستقيم الذي يوصلُ الجزيرة المليئة بالبجع بالجزيرة التي تتعطّشُ لزائرٍ يُنسيها سِنيِّ الوحدة .
يذهبُ الشّاعرُ إيهاب عقل إلى المكان الأكثر شيوعاً في عالم الشّعر ، إلى العيون التي تقبضُ على لغة الشّفق ، فتذرفَ القصيدةُ دمعاتِها الحرَّى على جذعٍ زُرِعَ في الهناك ؛ فربَّما يُثمرُ حبّاً تتلقّفهُ القلوبُ المكتويةُ بلهيبِ البُعد . فقد طرقَ الحزنُ قلبَ الشّاعرِ من الوهلة الأولى التي تُرجِمَ فيها صمتُ المآل ، وعاثت المِقصلةُ في النَّحرِ الضّائع بينَ الظّنِّ والسّؤالِ ، فسارَ خلفَ أزهارٍ فاحتْ ألمَاً .
يقولُ شاعرُنا في قصيدة ( لغةُ الشَّفق ) :
الدّموعُ النّازفةُ صمتُ المآل
وبكاءٌ فوقَ صوتِ الاحتمال
لونُ مِقصلةٍ وذكرى لا تجيء
واغترابٌ في سماءٍ .
وانتقال الشّكِ في ظنِّ السُّؤال
إلى دهاليز اليقين .
فنجدُ الشّاعرَ يعشقُ التيه الذي بدوره يُفرّقُ بين الخلِّ وخليله ، عندما يُهاجمُهُ الشُّؤمُ المتواري خلف مخالبِ اللحظاتِ الخدّاعاتِ ، فيلجئونَ لعذابِ النَّفسِ بالنَّفس ،عندما تُسدلُ الستارةُ عن المولود الاسم فقط . يقولُ الشّاعرُ في قصيدة ( أدويةُ الليل ) :
وحدي أعاقرُ هذا الليلَ كي أشفى
وجعٌ يقلّبني
لا ينأى ولا يَخفى .
فالشّاعرُ يدرك معنى كونِهِ وحيداً في أرضٍ مرَّ منها الفرزدقُ عندما قسّم الزَّاد بينَهُ وبينَ عسَّالِ الليلِ المتخفّي وراءَ ابتسامتِهِ المزيفة ، فيعترفُ أمامَ مفرداتِهِ أنّهُ المدائنُ المحجوبة في أغلالِها ، والشّوارعُ التي لا تصحو ولا تغفو ، وهو مؤرجَحٌ بين ذي كفنٍ وذي صخبٍ .. إنَّ شاعرَنا أسرفَ في بثِّ الوجعِ بين السُّنبلات التي تنتظرُ راحةَ الفلاحِ ومنجلُهُ ؛ لتعزفَ معَ العصافير أغنية الحصاد التي تنتظرُها القلوبُ كلَّ عامٍ بفارغ الحبِّ ؛ لكنّه فضَّلَ اللجوءَ إلى الإغراق في العَنت .
ولا بُدَّ من تساؤلٍ .. فما الذي يدفعُ الشّاعرَ إلى البحثِ عن الوهم ؟ أهوَ انتصارُ اللحظاتِ الجارحة على أبجديات المنطقِ المتسربل ثوبَ الهزيمة في مكمَنِهِ ؟ أم هو البعدُ عن خريطةٍ رُسِمَتْ خطوطُها بدماءِ العاشقينَ بصيصَ حرّيةٍ ؟ أم هو الدّفءُ المتّقدُ داخلَ قلبٍ امتلأ بعلاماتِ التّعجُّبِ القابضة على زنادِ الألم ؟ نعم سيدي القارئ ، إنّهُ كلُّ ما ذُكِر . فلو نظرنا إلى قولِهِ في قصيدة ( أُنثى الأرق ) وهو ينظرُ إلى أحلامه الحزينة :
كيفَ قذفني الوهمُ إلى احتمالاتِ المدينة
والأحمر القاني أتلفَ أحلامي الحزينة
قطتي تشبهني في هذا الحِداد
لكنّها تُدمنُ السَّهر تلبسُ السَّواد
وفي قصيدة ( مناجاة ) :
يا حاملَ الهمِّ والصّحراء مرتعه
غرّر بحزنك
في رؤياكَ فاردعه
حاور بشعركَ إنساناً به ضررٌ
جُذُوعاً ذا قلبٍ
الهمُّ واقعه .
إنَّ من حقِّ القارئِ كلماتِ الشّاعر أنْ يسألَ عن سببَ سيرِه على طريقِ الوهم ، والألم ، والتشاؤم ، الذي باتَ قوتُهُ في رحلة شِعرِه . فالهمُّ واقعٌ مفروضٌ على الشّاعر ؛ لأنَّ أصحابَ الراياتِ الملطّخة بأشواقِ الذين تعلّقتْ قلوبُهم بالغد باتوا يُغيّرونَ الأحلامَ ، ويعبثونَ بتفاصيل الحكايات التي كان هدفُها رفعَ الهمِّةِ إلى حيثُ تصل طيورُ النوارسِ ، لكنّها لغةُ السوط الذي من شأنه كتم الصَّوت ولو في حُلُمٍ مسافرٍ خلف أسراب الطيور التي احتار دليلُها ، فاغرورقت دروبها بالأنين ، وخُضِّبت أحلامها بالصّمت .
ونراهُ لا يفتأُ يستجدي التيه من مكامنه ، حتى ـنّه عنوَنَ قصائده بـِ ( خريطة التيه ، وتيه الأسف ، وليل الخطايا ، وطفلةُ العبث ، وعرسٌ مظلمٌ ، حلمٌ غائرٌ ، ووووووو ) وكأَنَّ الشّاعر يتعمدُ الابتعاد عن الصبّحِ المنطلق من بين ثنايا الظلمة . واللافتُ للانتباه هو المبالغة في الذّهاب إلى الصحراء التي تقتلُ الإبداع ؛ لشُحذِ إمدادات الأنا فيها ، وهذا أيضاً نعزوه إلى الحالة التي مرّت به دقات قلم الشّاعر قبل دقات قلبه . وهو شعورٌ يكادُ يكونُ منتشراً بين ربوع الشّعراء العالقين بين بعض الحروف ، ونظرةٍ من سوسنةٍ في فضاءٍ ملبّدٍ بحالةٍ من سُكْرِ الاستعارات .
لكنّه وكادت الشّعراء لا بُدَّ يعودُ إلى أصل رسالته ، وهيَ بثُّ الأمل بين البتلات التي تتطلّعُ لغدٍ مُشرق ، فيذهبُ إلى الحضن الذي ينتظرُ الزائرَ لاحتضانه . يقولُ في قصيدة ( شُمُوخ) :
الشّامخونَ هم القادرونَ على الارتقابِ
في وحشة المطر
في آخر الصّحراء ظِلّي
والتُّوتُ فوقَ التّلّ لي
واللّوزُ والياقوتُ لي .
نعم سيدي الشّاعر .. هذه هيَ رسالةُ الشّاعر ، وهذا هو كبرياء الحروف في مقارعة الصحراء التي تنتشرُ فيها الأفاعي القادرة على بثّ السّم بأقصى سرعةٍ ؛ لكنَّ القصيدة الشّامخة وحدَها تطاردُ الغُبنَ المتخفي خلف الرّمال الخادعة .
لم يذكر الشّاعرُ التوتَ ، واللوز ، والظلَّ ليملأ فراغَ أسطُرِهِ ؛ بلْ جعل ظلّهُ معادلاً موضوعياً للرديف الذي يُكملُ مشوار القصيدة المنافحة ، وجعل اللوز إشارة الفرح لمن تجرّعوا ويلاتِ القهر سنيّ عمرهم ، والتوتَ معادلاً موضوعيَّاً للعطاء الذي يجعلُ الأمكنة أكثر أماناً في ظلِّ احتوائها المسافرين من البعيد إلى البعيد .
وها هو يعودُ لِأوّلِ ما بدأ ، ففي قصيدة ( انزواء ) يطلبُ الشّاعرُ من الأرق أنْ يقتلَهُ ، وأن يغمسَهُ
في هذا التيه ، كي تنزفَ عينُهُ سوادها ! يقولُ :
موتٌ عارضٌ فوق أجنحة السَّلام
ونحيبٌ على بياضِ لا مطر …
ودموعٌ حيرى
أسئلةٌ عَجْلى لا جوابَ .. لا بشر
اقتلني يا أرق ،
اغمسني في هذا التّيه
كي تنزفَ عيني سوادي
كي يلبسَ غضبي ثوبَ فقيه في متاهاتِ انزوائي
أتساءلُ مرّةً أخرى ، وقد يتساءلُ معي قرّاءُ الشّاعر ، لماذا تُكثِرُ من بضاعة اليأس في قصائدك ؟ أهوَ تردي الحالة السياسية ، الفكرية ، الـ .. في الوطن الذي يقتلُ فينا آمالنا ؛ لقلّة حيلته ؟ أم هو بعدُ الشّاعر عن أصل مسيرته ؟
أظنّني سيدي الشّاعرُ أمام مرحلةٍ من أصعب المراحل التي مرّت على الأمّة العربية قاطبةً ، وهذا بدوره أدى إلى حصر مشاعر الشّاعر بين تقديم واجب العزاء للقصائد الراحلة ، ولذويها الذين حوّلوا الأطلال إلى مزاراتٍ للعشاق ، وبين القصيدة المُكبّلة التي حوّلت صاحبها إلى كائنٍ يتبعُ ظلّه المُكبّلَ بأغلال منطق التُّجار .
نرى شاعرَنا بين الفينة والأخرى يعودُ إلى مربط القصيدة ، فيطلبُ من العاشق ألا يتخلى عن محبوبته الوطن ، وأن يذوبَ على حافّة النّهر ورداً ، لأنّه يُدرك بحدس المُحبَّ أنَّ الأوطان لا تُحرّرُ بالشّعارات الرّنانة ، فيقول في قصيدة ( ريحُ الشّقاق ) :
يا عاشقي أوطانكم ،
ذوبوا على حافّة النّهر ورداً
عانقوا الرّيحَ عطراً
كتبَ اللهُ على العاشقين عِناقاً .
نعم شاعرَنا ، لقد كتبَ اللهُ على العاشقين أنْ يُعانقوا الوطن ما داموا يؤثرونهُ على رغباتهم ، وما زالوا يقرؤون بين الجذور ما تحمله السّنديانةُ من عطاءٍ .
يُلمحُ الشّاعر إلى قضيةٍ غايةٍ في الأهمية ، وهي ” الكلُّ واحدٌ ما دام الواحدُ في ضمير الكلِّ معطاءً ” ، وهنا لا بدَّ أنْ يعودَ الإنسانُ ( الشّاعرُ ) إلى أصل المُسمّيات ، فلا تصحُّ الحياةُ بلا رفقاء يغيّرونَ الطعم الذي تجرّعهُ الشّاعر طيلة مسيرته الشّعرية كإنسانٍ . يقولُ في قصيدة ( رسائلُ لهم ) :
تحمّلتُ أمواجكم في شاطئ الأمل
إليكم .. إليكم ،
وأنتم .. وأنتم
وكلّ الذين .. وكل اللواتي
صوتي صداكم ، وقلبي انعتاقي
وروحي رفاتي .
نعم ، لا يُبحرُ الشّاعر ( الإنسانُ ) دونَ رفقاءَ يغيّرونَ نَكَدَ الحياة إلى بصيصٍ في صبحٍ قضى على عتمةِ الفِكَر المبتَذَلة .
في قصيدة ( مهد ) لا يبتعدُ الشّاعرُ عن راحتيها ، ويترك الدّموعَ ترسم الطريق الذي يسلكه الوليد إذا حضرت صورة الهيَ عبر ذاكرة الزّمن ، يترنّمُ كمسافرٍ أنهكه طول السّفر ، فلا مكان يلجأُ إليه غير حضنها ، ولا سبيل إلى الهروبِ من غروبِ الذكريات إلا حضنٌ دافئٌ تعوّدَ على ضمِّ الزّغب وهم يحلمونَ بالجنّة التي لا تُرى إلا في مخيّلات الصغار المسافرين نحو الغَمام .
يقول شاعرنا :
وأنا أتوقُ إلى ملامسة السّماء بناظريكِ
وأنا أتوقُ بأن أقول الله أكبر في يمينك
متلهفاً أن أحتضن كلتا يديك وأبتسم
أنت الوليد ، وأنا يداكِ فلا تخفْ
لا ترتجفْ
ففي خضَمِّ هذه الأماني والرؤى التي تخالجُ الطفلَ في قلب الشّاعر ، يذهبُ بنا إلى حيثُ لا يُباعُ الحبُّ ، إلى حيثُ النّبع المعطاء ، إلى حيثُ اكتمال البدر في كبدِ العطاء .. نعم سيدي الشّاعر ، لقد سافرتَ بِنا إلى جنّة الأرض ، وتركتنا نهيمُ بخيالاتنا ، فربّما نتلمسُ الضّوءَ القادمَ من هناك .. ربّما ، فتنتهي مأساةُ الشّعراء على طريق اللاعودة .
وفي النّهاية أشكرُ باني هذا الديوان ، وأترك له حقَّ التفاوض مع حروفي ، فربّما تجعلُ منّا اثنين يقتسمان الهمَّ والفرح . أو تجعلُ منا اثنين يبنيان جسر العبور إلى المدينة الفاضلة .

Facebook Comments

الكاتب syef salem

syef salem

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: