يوسف طاهر الصدّيق :عقيدة الأقانيم .. وثقافة الترانيم

img
يوسف طاهر الصدّيق :عقيدة الأقانيم .. وثقافة الترانيم
عجيبٌ أمرُنا مع ضروب من التفكير والتمثّلات الأقنومية الناهضة على قاعدة ثلاثية في متصوَّرات هندسية، عانقت على الدوام أصول العقائد الدينية الساميّة والإبراهيمية والتحمت بها في ما يشبه الحرص العجيب على تعزيز المتصوَّرات الأولى الثنَويّة، مع تجاوز ميكانيكية التفكير المانويّ القديم في الحضارات الأولى (وقد استمرّ إلى اليوم) وهو القائم على البناء الزوجي، شبيهًا بِـ/وصدًى لـِ ما يحكم الظواهر الفيزيائية من حولنا، بقوانين التقابل والتناقض.
وبصرف النظر عن مآلات التقابل والتناقض الممكنة، منطقيًّا وطبيعيًّا، في العلاقة بين طرفَي المتصوَّر المانويّ/ الثنويّ، في ما يتصل بالطبيعة وموجوداتها وظواهرها، نجد أنّ نمط التفكير السامِيّ في الثقافات الإبراهيمية التوحيديّة، ومنها المسيحيّة والإسلاميّة طبعًا، شرق المتوسّط وجنوبه، ظلّ محكومًا غالب الأحيان بمعمار مخصوص يقوم على بنية ثلاثية أقنومية؛ من قبيل (الإله ـ الأنبياء ـ شعب إسرائيل)، أو مثل أساس المعتقد المسيحيّ (الآب ـ الابن ـ الروح القدس)، أو شبه ما قد يُناظره أو يوازيه في الإسلام (الله ـ القرآن ـ الرسول). وقِس على ذلك في طائفة من الثلاثيّات اللاحقة المقدّسة، المستولد بعضُها من بعض، ممّا استنبطه وشيّده الفكر الأصولي، العَقديّ والفقهيّ؛ مثل (الكتاب ـ السنة ـ الإجماع)، أو (الإسلام ـ الإيمان ـ الإحسان)… إلخ.
والظاهر أنّ الفكر السياسي في الربوع العربية مشرقًا ومغربًا، في تاريخنا الحديث والمعاصر والحقبة الراهنة، ما كان يسعه إلّا أن يتأثّرَ شديدًا بهذه البنية الثلاثية “الإسرائيلية”، و”الصليبيّة”، و”الفقهيّة الإسلامية” في آنٍ، وهي بنية أوشكت أن تكون، بل باتت، سِحرية صرفًا حتى لكأنّ بعضهم حين يفكّر أو يشيّد منظومة نظريّة أو عمليّة، ذاهبٌ على الدوام، وإن عبثًا وأيًّا كان المقتضى، لكأنّه ذاهبٌ إلى استكمال أضلاعها التي “ينبغي أن تكون” ثلاثة، لا دون ذلك، لكي تفوز في ما يرى هو وما سيتمثّله المتلقّي، تفوز بقوة التأثير وجاذبية الإغواء إقناعًا واحتواءً وانخراطًا وتجييشًا. من غير كثير تثبّت ولا رُويّة تتعلق بوجاهة الاختيار والتثليث!
ولك على سبيل اللعب والتسلّي أن تُنضِّد بنفسك قائمة تكاد لا تنتهي من أمثلة المركّبات الفكرية الثلاثية في التحليل والتأليف المستند إلى مشاريع إيديولوجية صريحة أو مضمَرة ممّا حفلت بها حياتنا وضجّت به عقولنا وأخيلتنا ومُهَجنا وكُتُبنا ومُدوَّناتنا المختلفة في المئة سنة الأخيرة من الحراك والصراع والجدل على صُعُد الفكر والثقافة والسياسة العربيّة، بما حوّل في غالب الأحيان أقانيم التفكير الصمّاء إلى ترانيم شطح وانتشاء، يشدو بها الجمهور ونخبتُه على السواء، ومن ذلك تمثيلا لا حصرًا:
ـ (الجهل ـ الفقر ـ المرض) هذا المركّب الأقنوميّ الذي عجّت به أدبيّات “المصلحين” في النصف الأول من القرن العشرين، وقد جعلته عنوان الداء الذي على الأمّة اجتثاثه قصد التخلص من ربقة التخلّف.
ـ ثم كانت ثلاثية (وحدة ـ حرية ـ اشتراكية) لدى البعض، و(حرّية ـ اشتراكية ـ وحدة) لدى بعض آخر من معتنقي الفكرة القومية العربية والمتحزّبين في التنظيمات العروبية أواسط القرن العشرين خاصة..
ـ وكان ضديد هذه “البِشارة الثلاثية” توصيفُ معسكر الأعداء بأضلاعِه الثلاثة: (الإمبريالية ـ الصهيونية ـ الرجعية العربية).
ـ ولطالما جرى نعت الأنظمة القائمة المعادية للمشاريع الثورية والتقدمية والوحدوية بالوصف الثلاثيّ دومًا: (الإقليمية ـ الرجعيّة ـ العميلة).
ـ والأمر نفسه تجده في عدد من المشاريع الفكرية النهضوية ذات البريق الأخّاذ في صفوف نخبة القراء والمتابعين والمولعين بالفكر والجدل، فتحدّث الجابري في أشهر مؤلفاته عن “عقل عربيّ” ثلاثيّ الأبعاد: (بيانيّ ـ برهانيّ ـ عرفانيّ)، كما شرّحَ في مؤلّف آخر واعزَ العرب الأبقى ومحرّكهم الدائم في مَنازِعهم ومُنازعاتهم وهو أيضا محرّك ثلاثيّ: (العقيدة ـ القبيلة ـ الغنيمة) وهكذا..
أخيرا، ومنذ “الربيع” الذي اعشَوْشَبت بشمسِه ومطرِه الأرضُ العربية فزادت ـ بفضل ربّي ـ النِعمُ وتكاثرت الأنعام، لا ننفكّ نسمع ونقرأ من لدن أقطاب “التنظير التجاوُزيّ” ولدى صنائعهم وصغار قساوِستهم في كنيسة “الفكر العربيّ الجديد وأبحاثه” وحتى في “دراسة السياسات”، وهم أصحاب الامتياز في ابتكار الجملة “السيبرـ ثورية”، أولئك الذين أيْقنوا يقينًا ـ وطوبى لهم ذلك ـ و”تأيْقَنوا” (من أيقونة).. فاشتهروا؛ إذ انبروا يخطبون ويكتبون ويحلّلون فجأة ودفعة واحدة.. ودفعت بهم ـ إلى بؤرة الضوء وبالقصف المنهجيّ المُثابِرـ منابرُ السطوة الإعلامية الافتراضية المسنودة بالبترودولار والحوافز العُصملّية، حتى يُسهموا في قيادة قطعان الإشاعة والاتباع والانبهار، السائبة في البراري الشاسعة والمراعي المزدحمة على أفْضِية “التواصل الاجتماعي”.. عند هؤلاء الأقطاب، نشأت مركّبات أقنومية ثلاثية جديدة ومقدّسة، تُردّدها أسرابُ الببّغاوات في طربٍ شديد وبنشوة العربيّ المُدمن جينيّا وأنثروبولوجيا منذ قرون على فتنة العبارة وسحر الكلمات العجيبة الفريدة. لذلك تراهم لا يفتؤون يشنّفون الأسماع بها وبجِدّتها في مواكبة مجتهِدة ومستمرّة، لكنّها ذليلة، خادمة لحركة التدويخ العَولميّ وإحكام السيطرة الاستراتيجية واستكمال القَوْلبة والتوجيه والاستنساخ؛ تمهيدًا للأرض ومَن عليها وما تحتها، واستلابًا للأذهان، ومحوًا للذاكرات، وامتلاكًا للوجدان.. قبل حلول الطوفان الأخير، وانتصاب “نُظُم التفليس والحماية الجديدة”، وتوقيع اتفاقيات التسليم؛ بأصابع اليدين والقدمين معًا، “رُكّعًا سُجّدًا” بإذنه تعالى.
تسألون عن الثلاثيات الجديدة المبتكَرة لدى هذا الرهط “العَزْماوي”؟ أرجو المعذرة فقد أخذتني العِزّة بالإثم؛ مسترسِلا وراء فتنة الحِكاية والرِماية، فما أنا إلا عربيّ ـ أقصد عروبة الثقافة واللغة على الأقل ـ حتى لا يغضب مني “كِرْدَوْس السفارة” الأمازيغيّ، وأعترف أنّ بعضًا من أمشاج كياني ـ ولا فخر ـ إنّما هي من نسغ يوغرطة وطارق.
تلك الثلاثيات الأقنومية أمرها بسيط.. ستجدونها في شكل ترانيم وصلوات وتسابيح .. كلّما تصفّحتم الفيسبوك التونسيّ في الفترة الأخيرة خاصة، وبعد أن أطربتنا ثلاثية (غُزاة ـ طُغاة ـ بُغاة) على الصعيد “العربي الإسلامي” قاطبة. صارت التسبيحة الجديدة اليوم وتحديدًا في قراءة المشهد التونسيّ الراهن المترنّح، ومن أفواه الرهط وأقلامه: ثلاثية (الفاشية ـ الشعبوية ـ الوظيفية). ولك أن تترجم المقول الجديد بقولك: فاشية عبير + شعبوية أنصار الرئيس + وظيفية أطياف اليسار (شارعًا) والمعارضة الديموقراطية (في البرلمان)..
وعليك بعدها أن تبحث عن الجامع المزعوم بين هذه المشارب المتنافرة. ولك أيضًا أن تُقابل هذا المثلث في خارطة المشهد بمثلّث آخر أقنوميّ أيضًا بل مقدّس لا تنازُل عنه ولا تراجُع، في ما تأكّد حتى الآن : (الفساد ـ الجماعة ـ البلطجة). ولك أن تجرّب الترجمة على نحو ما سبق، وستجد حتمًا بالحدّ الأدنى من الحصافة أنّك تُشبِّك فِعلا وواقعًا (“القديمة”، بـ”الجديدة”، وبـ”مِهراس الجديدة”)؛ في ظفيرة ثلاثية مُفرطة في “غيرتها” على الثورة وسلامة الدولة واستدامة الديموقراطية! وشديدة الفزع من “احتمال الانقلاب” على التجربة الديموقراطية الهشّة”!!
هكذا ترى بعينيك.. أنها طاولة “بلَنْز” بكراسيها، ابتكرها من تعلّموا أن يقولوا في المجالس “بحيثُ”! ولا يعرفها إلا من أوتوا حكمة النزاهة، ووقار الموضوعية، وطهارة التعفّف، وخرجوا خاصّة بـ”النقد الذاتي الشجاع” من أوكارهم القديمة البالية، وبرِئوا من شُبهات الانتماء “القَومجيّ أو الإسلامويّ”.. فلم يبقَ لديهم، لهم أو عليهم كما تشاء، إلا الانتماء “الفضاوي” لقيم الحرية والكرامة والمواطنة والسيادة والعدل!!!
ثم .. طوبى للمتدبِّرين المُجدِّدين الناقدين، الزاهدين العابدين في صوامع التأسيس للآتي..
مع التحية والتقدير لكلّ من يجد نفسه معنيّا.. بغَمزي ولَمزي وتصريحي وتلميحي..
فاشربوا هنيئًا مريئًا!
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: