يحدث أن نختار:وهْم السّارد وإيهام السّرد

img

يحدث أن نختار:وهْم السّارد وإيهام السّرد

بقلم : أحمد بن زايد 

يحدث أن نختار رواية لسعدية بن سالم .هي الرابعة للكبار فقد سبقت ب “بين مرافئ التيه”، “أسماء مستعارة” و”مواسم الجفاف”، ثم رواية لليافعين،[1]. الرواية من منشورات سنة 2020 عن دار ديار للنشر والتوزيع

نصّ يحدث أن نختار رواية بالمفهوم الواسع لمعنى رواية أما إنْ نحن دقّقنا النظر وتمعّنّا مسارات الكتابة فهي أكبر من رواية وأشمل. ففيها من تقنيات السرد ومن تداخل الأحداث ما يجعلها روايتيْن بحكايتيْن تسيران توازيًا لتلتقيا في نقطة محوريّة هي أزمة البطل أو مأساة الشخصية . مأساة تتواصل ما تواصل الإنسان  كائنا حرّا مختارا.رافضا للقيود مميزا بالحريّة.

العنوان في حد ذاته يوحي بالانقسام والتشتّت ف”يحدث ان نختار” تحيل على ضدها وهو “أن لا نختار” فإنْ كان الاختيار حريّة (في حدود ماتسمح به إنسانية الفرد) فإنّ عدم الاختيار مراوحة بين إرادة الفرد وقيود الجماعة أو ضرورة البيولوجيا. فأن لا نختار تكون بمعنى أنْ ننسى أو نتناسى أو أنْ نُجْبَر على الاختيار أو عدمه أي أن نكون خارج إرادتنا بالطبع الغالب أو بالواقع الضاغط .

يحدث أن نختار عنوان يؤكد أن الأصل في الحياة ،أن لانختار أيْ أنْ نكون في مدار قوّة جبّارة تخضعنا .هذه القوّة قد نجدها في القيم الاجتماعية أو في الضرورات البيولوجيّة. وأن يكون النصّ مسندا إلى امرأة كتابة فإنّه واقع تحت محظورات الكتابة النسائية في وطن تعتبر كتابة المرأة فيه إثما عظيما وحبرَ الدّواة سُمّا. والأصل في المجتمع ألاّ تقف المرأة هذا الموقف [2] أي أن تكتفي بعيش التجربة دون أن تجعلها موضوعا للتعبير وأمرا متاحا لعموم الناس بل حتى لخواصّهم أحيانا.

أن يحدث أمر وأن يكون موضوعا للسرد فذلك حدث عظيم. وأن يكون الاختيار سردا في نهاية المطاف فإنه اقتحام لعالم من النزق قد تجد الأنثى نفسها فيه تحت قيود عديدة.قيود تتمثّلها وتستبطنها وأخرى تحاصرها في عالمها الخارجي. أول عناصر الحصار لنصّ سعديّة هو هذا السيل من النصوص التي تحمل شارة الرواية ووَسْمَها  وهذا السيل منذ 2011 إلى اليوم لم يستثن أحدا. الجميع يحتفي بالرواية ويقتحم عالمها  وهو عالم أثير عند الكتاب والمثقّفين والأكاديميين وهو في الأغلب من حكايات الذات سيرة أو اعترافا أو خواطر ومذكّرات ويوميّات أو من سيرة الناس في مجتمع يشهد فورة مشاعر وقيم ومواقف .

أما ما تستبطنه الكاتبة وهو سليل هذه النصوص وغيرها فسياق سرد تونسي يحتفي بلحظات من التاريخ القريب أو البعيد ويصوّر في الأغلب الأعمّ حياة البلد وأهلها  من لحظة الاستقلال إلى أزمنة الثورات والانتفاضات بمواقيتها المختلفة. وهذه النصوص في الأغلب نصوص نضال تتقبله الذوات كاتبة وقارئة بل تبتهج له وتمجده وتجد فيه بعضا من ذاتها المقموعة في مسار التاريخ.

لم تكن رواية سعديّة رواية البطل المناضل، ولا رواية الوعي الشقي بأزمة المجتمع. بل كانت خلاف ذلك ،نصّا للذّات  تتكوّر على نفسها، وتستبطن مسار حياتها في وجوهه المختلفة.  لم يكن النصّ خارج الذوات الحاضرة في سياق السرد ولم يكن ما حول الشخصيّات الروائيّة إلا إطارا عاكسا للذّوات في مغامرة الحكي  لذلك خلا النص من شقاء الوعي الاجتماعي للشخصيات. فلا نجد هروبا من الواقع في الحانات والشوارع والمجالات العامة بل نجد شقاء الوعي الذاتي الذي يجعل الفرد يقف أمام ذاته سائلا مستفهما باحثا عن الجواب الذي يؤرق وعيه الفردي البسيط  والمنعزل في تجربة الفرد الضيقة.

نصّ الرواية إذن، يخرج عن الوقائع العامة ليقف أمام واقع الذات ويخرج عن السّياق العام للحكي التونسي  (حكي حدثي اجتماعي شقي ومأزوم بما يعيشه الناس وما تتقبله الذات الكاتبة).

السرد في ما اختارته سعدية بن سالم سرد الذات لذاتها. سرد الوهم الذي عاشته أوعايشته. وهم في الاختيار وفي عدم الاختيار. إيهام بالحقيقة تعترف بها الذات، ووهم سرد حياةٍ في تفاصيلها المتعرّجة،شيء من ماضي حاضرومستقبل. وليست الرواية حدثا مُبْهجا. بل هي حَفْر في جرحٍ قديم واجتراحا لحزن متجدّد.إنّها في النهاية بوح. بوح صغير اختارته الكاتبة وجعلته اسما لفتاة صغيرة في النصّ. ولكن البوح اتّسع والصبيّة كبُرت وتمّ الاختيار، فكان النص. يتّسع البوح وتكبر الصبية مع تتالي صفحات الرواية ، لننتهي مع بطلةٍ صغيرةٍ تنتصر على أوجاعها وترتقي إلى لحظة تَطَهُّر تتعمّد فيها من أخطاء الماضي و بعضٍ من خطاياه.

الرواية مسارات متعدّدة بتقنيات مختلفة. تتداخل فيها الاختيارات والاختبارات منذ البداية حتى نهاية الحكاية. ومسارات الرواية لا تتبع خطا مستقيما. بل إنّ تعرجاتها وانحناءاتها لا تكاد تتوقّف حتى مع نهاية الحكْي. فهل أنّ التي اختارت عايدة أم فاطمة أم معيوفة أم بوح؟ وهل الذي انتهت عليه اختيارات الحكاية محمد أو ذلك الميم في الرسائل أو الصور المنعكسة في المرآة أم ذلك الصبي الأخرس أو هو الشاب الباحث عن أخيه يظهر مرة ليختفي إلى الأبد؟

عندما تتمثل شخصيتان، لرجل وامرأة في تواز غريب داخل نصّ ، هل نعتبر ذلك وجهين لشخص واحد أم شخصين بوجهين متشابهين[3] ؟ وعندما نجد حكيا يكاد يتكرّر أنعتبر ذلك اعترافا بالخطيئة الإنسانية في تشابهها أم وقوعا تحت ضغط الاختيار؟ هذا التشابه وذلك التوازي هو خالق عالم الوهم الذي حدث اختياره في كامل النص روائيا.

أوهام الشخوص

مع فاتحة القص نجد أنفسنا أمام إيهام عميق تقف فيه الشخصية أمام المرآة لتواجه نفسها ذات صباح. الرواية بضمير المتكلم لا تحدد نوع المتكلم إلاّ من صفات تظهر بين حين وآخر  لتقول إنّ المتكلم ليس الكاتب. فتنكسر قاعدة الذاتيّة أوّلا وقاعدة السيرة الذاتية ثانيا عندما تصنع الصفة الهوة بين من كتب ومن روى وبين الكاتب والشخصية. ولكنّ تلك الصفات تنتهي تماما ،تغيب في الماضي السحيق، عندما يجد المتكلم نفسه آدم ولا حواء. الوهم الأول يسقط تدريجيا لتحل محله أوهام أُخر،وهم المريض النفسي ووهم الطبيب المعالِج أو المعاقِب .

يوهمنا السارد بأنّه يتحدّث عن نفسه طائعا مختارا إلى أن يبوح بشخص الدكتور عقاب عندها فقط تتأكّد الأوهام وتتحول الحكاية إلى نوع من الاعتراف. اعتراف الواهم بوهمه الذي يُسقط وهم المتابع القارئ. وهم السارد يشتعل فجأة في شكل عيون تراقبه .قد تكون أوهاما من صنع الدكتور المعالج وقد تكون وهم القارئ المتابع للاعتراف “محاصرٌ أنا بعيون لا أراها تترصد خطواتي” هاجس الأعين التي تلاحقني لم يفارقني” يتواصل وهمه ويستمر إلى نهاية القصة  يحيى يوشك أن يطير والرؤية توهم بما لا يكون في مجازات لايسندها الواقع ” رأيت ….ورأيت…. وتراءى لي ……”.

هذا الوهم أو الإيهام مستقر طَيَّ النصّ ،في السارد وتقنيات سرده وفي الشخصيات وأشكال ظهورها. فبوح التي تطلب قصًّا ليست إلاّ وهمَ فاطمة وخيال عايدة. ووردة إذ تواسي عايدة أو فاطمة إنّما هي تخرجها من وهم الاغتصاب إلى وهم الحياة الجديدة. بل إن فاطمة تموت موتا وهميا وتتراءى لها العائلة في وهمها الذي يصدُق بعد ذلك عندما يزور محمد القرية ليجد جنازة فاطمة الموهومة هي الأخرى.

عايدة تلك المرأة الوهم يجعلها النص/الرّواية حيرةَ امرأة في عالم الرجال.حيْرة في الأب ،هل هو ذلك الخيال الطفوليّ البعيد ساكن الجبل. أم هو ذلك الضرير تقوده نسخة فاطمة الجديدة. أم هو يحيى الذي وهبها حياة جديدة تبدأ من الأبوة الراعية وتنهي إلى الحماية الحانية والأمل المنشود(هو اسم احد ابنيها). حيرة الزوج أهو عبدو رفيقها الذي أدخلها السجن. أم يوسف ذلك الذي وهَبَها حرارة المشاعر. أم تراه خالد الذي أعطاها أمل حياة جديدة في صورة أبناء. أم تراه الدكتور عقاب الذي كان مفتاح لغز حياتها ومحرّك قدرتها على البوح والقص والاعتراف. تعترف عايدة (فاطمة، معيوفة ،بوح ….) بحيرتها وارتباكها اذ تقول :” الجميع يتحرك حولي .كلٌّ يعرف طريقه وأفقه وإنا واقفة مكاني أنتظر ما يملى علي”. غريبة هي في عالم الرجال الموهومين حيْرتها في عالم النساء الحائرات الغريبات إذ تتلقى درسا نسويّا عن الرجال من مريضة الدكتور عقاب تقول لها بلهجة حانية حازمة”الرجال لا يعشقون. الرجال يشتهون. فإذا خمدت شهوتهم استبدلوك. النساء وحدهن يعشقن ويعتصرهن الحنين فيتمايلن لإثارة الرجل وإذكاء شهوته.واحذري شهوة الرجال فإنّها كالنار لا تشتعل إلا لتخمد فلا تخلّف بعدها غير دخان يعمي الأبصار ويكتم النفس. ولا تمنحي قلبك لرجل يوجعه ويستبدله يوم تثير شهوته أخرى أكثر ينوعا ودلالا” (ص65).

ومحمد ذلك الرجل التونسي  الشرقي وإن بقناع شبه حداثيّ يعيش وهم ذاته في المرآة. فيرى نفسه في ذلك الشاب الباحث عن أخيه الأخرس. محمد يتوهّم نفسه المذنب الوحيد وصاحب الخطيئة الأولى وفي الحقيقة هو صنيعة الخطايا منذ أن  نهره والد فاطمة ومنعه اللعب معها. واهم في مراحل حياته وواهم في عودته .توهّم أنّه فقد فاطمة ولكنّها عادت اليم مموّهة في صورة عايدة بل إنّه يعود إليها في صورة البرجوازي المنقلب يوسف ويقف أمامها قويّا قادرا متحكما. أليس هو من أخرجها من ربقة الانطواء وجعلها تستعيد إحساس أنوثتها المسلوبة؟ أو ليست هي من جعلته يواجه الأب بكلّ ما فيه من دلالات الهيمنة. أَلَمْ تكن السكّين الذي قطع به حبل تواصله مع الأب وألغى من حياته سطوته واقتداره وتحكّمه. محمد هو الأب الذي يخشى على أبنائه شر خطيئته القديمة ويخشى على فاطمة سطوة إخوتها ويقف مترددا بين ما يريده وما لايريده هو رجل بالمعنى العام ولكنه مثال للعجز وصورة من سلبية تكاد تجعله كيانا بلا ملامح للرجولة.إنّه جبان في كل الأوقات  جبان في قسمة الأرض مع إخوته وجبان مع فاطمة أمام القبيلة يقول معترفا :” خشيت إن انا التقيْتكِ أن أضمّكِ . خشيتُ يافاطمة والعيون تترصّدني  وتقتفي حركاتي ” وجبان في عمله ومع شركائه ورؤسائه فيصرح في لحظة وعي وإشراق بقوله :”جبان. وستبقى جبانا طوال عمرك ألا يكفي أنّك سمحت لمقاول جشع أن يخالف المواصفات في بناء الطريق الجهويّة  لمجرّد تلميحه لك بأنّه مسْنود من السلطة قادر على أذيّتك”.

محمد أو “م” يصرح بخوفه وشكّه وجبنه ووهمُ الخطيئة يحاصره في رسالة إلى “عين” فيضع شكّه وأوهامه في من طرق بابه للتخلص من الوهم والذنب والمرض يقول:” هل علينا أن نطمئنّ للدكتور عقاب.أنا لا أريد إخافتك ولكنّه توجس أتخبّط فيه في السنين الأخيرة واشتدّ هذه الفترة” بل إنّ عجزه يصل حدّ قبول الإساءة وعدم القدرة على الثأر لكرامته المهانة . يقول مخاطبا الشاب شبيهه :” أنا أيضا خذلت نفسي  وخذلت أمي  ذات زمن بعيد ….تحملت إهانتها كثيرا ثم بدأت تتمادى حتى وصلت يوما إلى إهانة والدتي يومها رفعت يدي لصفعها لكنني جبنت”.

الوهمُ الكامنُ في النص سلِيلُ تلك الصورة المثنّاة ونتاج ذلك السرد المتراوح بين حكي بسيط يقوم به راوٍ خارج الحدث وبين رواية المتكلّم التي تتحوّل إلى نوع من البوْح اللطيف أو الاعتراف، خاصة في حضور طبيب نفسي اسمه عُقاب.

الأب الحقيقي لفاطمة /عايدة  يدخل دائرة الوهم فلا نجده إلا صورة غائمة في خيال ابنته تستحضره لتملا فراغا يحيط بها وتخاف السقوط فيه وعندما يمثل أمامها يكون عاجزا عن تمييزها حقيقة وإن دَلّه إحساس الأبوّة  أنّها ليست بعيدة عنه. أما الأب الوهم فهو الذي يرسم تفاصيل حياتها. وهو الذي يرافقها في رحلتها الأخيرة فيتحوّل إلى قدّيس محرِّر كما أنّ ذات فاطمة تتحول إلى وهم جديد متجسّد في صورة أختها الجديدة.  إن عالم الرواية وشخوصها وهم خادع وسراب خلّب كلما أمسكتَ بطرفه تسرّب من النصّ والرؤيا. العالم كلّه وهمٌ وخيالٌ يتناسَب مع حضور الطبيب عُقاب في حياة محمد الوهم وفاطمة السراب.

أوهام السارد والسرد

السارد في النص ليس ذاتا حقيقية محضة ولا هو كينونة فنية مجردة هو صوت يتبدل ويتغير في كل حين لايني يتحرك يغيب ويحضر أو يتجلى ويختفي لنحصل في النهاية رواية بأصوات تتجاوب أصداؤها في النصّ  لخلق مسارات الحدث والقص .تعدد الأصوات يكتسح الرواية ،أصوات متعددة بعضها روائي متحقّق بالنص وبعضها موهوم يأتي في شكل منام عجيب أو رسالة مهملة أوشخصية طارئة. وأصوات القص كأصوات النص لاتنطق إلا بما شاء لها  ذلك الكائن الفني الخارق الذي اختار واصطفى. فيكون الصوت مرّة متكلّما مهذارا ويكون أخرى مجرد صدى لغيب بعيد أو شخصية ناجمة في كون الرواية بلا مقدمات ولاتمهيد (ص51) بغتة يقتحم خيال فاطمة النص وذاكرة الشخصية لتتحول إلى سارد وتتحول الرواية إلى زمن بعيد هو ماض يتعلق بأذناب القصة الكبرى على الجزيرة المجهولة. تذكر حركته رسالة منتظرة قد تأتي وقد لاتأتي.

فالسارد لا يكتفي بصوته مجردا ولا برواية الشخصيات محضة بل يؤثّث السّرد بما شاء من الأحلام والرسائل والمذكرات والأخيلة  فيتنوع السرد فنا وأسلوبا من الأحلام والهواجس إلي الرسائل والكتابات وصولا إلى لحظات البوح التي يطلبها الشاب من محمد أو الفتاة (بوح) من عايدة.

نجد النص الروائي مزدحما بالأحلام والهواجس وكان السارد يبحث في الشخصيات عن نقطة ألم أو ضعف. فالحلم استعادة للماضي بكلّ مافيه من مواجع  الطفولة والصّبا  يعتمده السارد لإظهار حقيقة الشخصية بعيدا عن زيوف الحاضر. فالطبيبة بنت الجبل والمهندس ابن الغابة وهما في الأصل وجهان لشخص واحد أو شخصان بوجهين متشابهين وكل وجه يجد له أشباها في النص أشباها يتوهّمها أو تبدو له طيفا مخاتلا :يقول “م” : لبثت أتفرس فيه منتظرا توضيحا أربكتني وقفته ثم أرجفني الشبه الذي لاح لي بيننا على حين غِرّة فركت عينيّ علّني أتوهّم ……..خاتلني بصري لينظر إلى الصبي من جديد  لكنه ارتد خاويا  لا أحد هناك …… لم يكن أمامي غير بلّور خزانة  يعكس صورتي المرتعبة (ص 82) وقبل ذلك تتحرّك منه الذاكرة ملاحقة حقيقة الشاب الباحث عن شقيقه فلا يجد إلاّ ذاته في لحظة من الحياة البعيدة يقول السارد:” ثم قفزت ذاكرته  المتورمة إلى شاب الصباح السائل عن شقيقه الأصغر. حاول البحث وإن عن صورة تقريبية له ولم يجد في ذاكرته البعيدة غير شبه بعيد له حين عاد للمرة الأولى إلى أعلى الجبل من ألمانيا وذهابه إلى بيت “العم خليفة” للبحث عن فاطمة….”.

الذكريات والبوح والاعتراف من فنون السرد في نصّ الاختيار فكل من م وف/ع  تنطلق في الحديث عن الذات برفقة شخصية شبيهة هي بوح أو ذلك الطفل الأخرس أو أخوه الشاب تجلس الشخصيّة إلى ذاتها لتوهمنا  أنّها تخبر كائنا قصصيا ليس إلاّ هي في نهاية المطاف. فعندما تقف الذات أمام نفسها عارية إلاّ من الواقع لا تجد مهربا إلاّ البوح والاعتراف. فتعيد على نفسها ما حدث لكن باختيار دقيق للحدث. نجد في الرواية حالات عديدة تستفيق فيها الشخصية على تورطها في سرد لا تدري متلقيه وإنْ كانت متأكّدة من بثه والبوح به. ففي الصفحة (65) تظهر الفتاة “بوح” فجأة  وتسال عن بقايا قصة  كانت “عايدة” تسترجع أحداثها على صفحة ماء البحر (المرآة) فقد “تهيأ لها أن الماء يستحيل شاشة عرض تتراقص عليها الصور” ثم لاحقا  “على صفحة الماء الصافية فاجأتها عينا بوح ترتسمان أمامها” فليس لعايدة إلا أن تقف أمام نفسها في صورة بوح أو في انعكاس قصتها على صفحة الماء فتعترف وتبوح بما قد يكون مرهقا وبما عاشته وأفسد عليها ماضيها وحاضرها وقد ينال مستقبلها .تبوح عايدة للفتاة تماما كما يبوح “م” للشاب في محاورة أخذت بعدا فلسفيا يناسب مهندسا يعيش أزمة (الأزمة مشتركة بين المتحاورين):

حين رفع رأسه وجد شقيق الصبي يتأمله استقام واقفا حتى يماثله هيئة وبادر إلى سؤاله

  • هل وجدت شقيقك
  • وهل نجد ماضاع منا
  • إنْ بحثنا عنه وجدناه هل أضعته
  • لقد غادر الجزيرة رفقة العائلة
  • ولماذا بقيت أنت
  • ابحث عن نفسي
  • ماذا حدث لنفسك
  • خذلتها يوم أهانتني امرأة ولم أردّ الفعل …….
  • أو أنت أيضا؟ يا لضيق الأرض أنا أيضا خذلت نفسي…….

يبوح “م” بما يخفيه في أعماق نفسه ويجد في ذلك راحة وتطهرا من خطيئة قديمة متجددة موهما نفسه بان الحال عادية وان ما يخفيه ليس خطيئته القاتلة بل هومن خطايا البشر على الأرض بل هو ممثل لخطيئة البشر على فهو ليس دونهم ولا بأفضل منهم انه هم بكل ما فيهم هكذا يصرح “ميم” ل”عين” في رسالته :” لم اختلف عن الأغلب الأعم بل كنت أفضل ممثل لهم كررت ما فعل الأوّلون بل أفسدتُ في الأرض مثلهم حين استطعت أقصد أنّي أخطأت”.

ومع الاعتراف نجد الرسالة أو الكتابة وأعلاها حضورا الرسائل المتبادلة بين “عين” و”م” فهي حوار خصيب بين كائنين تتشابه حياتهما حتى تكاد تكون واحدة. تتشابه في الأزمات وفي العُقَد الملازمة : الأمّ والحبيبة أو الأمّ والحبيب. فالمهندس المغرم بفاطمة والمتعلق بأمه الموهومة “زهرة” هو صورة من عايدة المتعلقة بأبيها والفاقدة لأمها وتجدها في “السيدة” (ص 106) وكل رسالة بينهما هي بذرة حكاية تبدأ غريبة لتنتهي أليفة متشابهة .

أمّا الرسالة الأوضح فتلك التي وُسِمت برسالة عند الدكتور عقاب (ص32) وهذه توشك ان تكون بدايات السرد الذي أوهمنا النص أنّه يبدأ من تلك الحالة الغريبة التي وجدت الشخصية فيها نفسَها أمام أشباهها حيث بدأ الاختيار في النص / الرواية تنطلق من نور بعيد لتتحول إلى إنارة تكشف ما في الشخصيات من انحراف نفسي ومن قارب في مسيرة الحياة والتجارب وحتى في الآفاق التي يمكن ان تكون لاحقا  فهما يعالجان عند نفس الطبيب ويمران بنفس الأزمة وبنفس تجربة العزلة ويجدان ذاتيهما في من يحيط بهما كل بحسب مواصفاته ( الفتاة بوح والأخت الغريبة الشبيهة والفتى الأخرس وأخوه الباحث عن نفسه) . تصل الرسالة مجهولة ويجدها “م” في ما يشبه الصدفة تأتيه من امرأة تحدس أنّه رجل. ثم يتواصل سيْل الرسائل كاشفا مشاعر الطرفيْن ونقاط تشابههما ويكشف خاصّة التقاءهما في معرفة الدكتور عُقاب والبحث عن حل لأزمة استفحلت. ولكنّ أهمّ الرسائل في النص /الرواية تلك التي لا تكتبها الشخصيتان أيْ تلك التي يجدانها في نفسيهما حدسا مرّة ووحيا مرّات عديدة وهي رسائل يضعها ذلك الكائن المتحكّم في الاختيار دون أنْ يُلْمَح وفي النص،يكون معالجا نفسيّا أو كائنا خارقا كيحيى يعيش الحياة خادما للآخرين موجها لهم (بما فيهم الدكتور عقاب).

على سبيل الختام

ينتهي النص في نهر عظيم تتجمع فيه جداول كثيرة نهر يحكمه يحيى ويمثل منه المجرى والمسير فهو الذي يقف في النهاية فاتحا ذراعيه للجميع وهو الذي يجعل لحياة البطلين معنى ويكسوها ألوانا من البهجة كانت تفتقدها في مسار الحكاية يغادر يحيى في قارب ويغيب ولايعلم أحد وجهته ينتهي نهاية أسطورية تجعل الكل يصوب النظر نحوه ماء يسيل أو يجري إلى غياهب بعيدة : “ولم أجد يحيى ..لا أحد يعلم أين ارتحل بعد أن استردت البلدة ألوانها” فيحيى هو النقطة التي تشخص إليها الأبصار وهي الخيط الذي يجمع حكايات الأشباه في عقد الرواية المنظوم :” تحركت الأبصار بين يحيى الذي يوشك ان يطير وبين تلك الحكاية المتمردة على منحدر الجبل وبين اللون القاتم على جدران البلدة”.

نصّ “يحدث أن نختار” هو اختيار للرحلة طريقها ودروبها ومحطاتها وغاياتها،رحلة داخل نصّ يعيشها القارئ كما عاشها الكاتب  بتفاصيلها الغريبة وبما يختاره منها.

الاختيار في النص حدث منقضٍ ولكنّه عند القراءة حدث ماثل يُعاش ويُخْتار ففيه اختيارات متعدّدة (من بين معاني النقد الاختيار) فإذا كان المرْويّ اختيارا فغير المرويّ قد يكون اختيارا بديلا. والاختيار رحلة داخل النص. نصّ يُبنى على غير سبيل تقريبا  لانجد فيه حكاية واحدة ولا مسارا حدثيّا متواصلا متتاليا منطقيّا أو زمنيّا .نصّ روايةٍ مربكٌ.  بين رحلة حاضر في الجزيرة الغريبة  مع أشخاص تجمعهم ألفة ضبابية غامضة، وبين أزمنة تتقاطع وتتواصل: ماض بمسارب متعددة مسرب لأنوثة مقهورة وآخر لذكورة قاتلة ،وحاضر تتقاطع في الذوات والأغيار وتترابط الحقائق القصصية بالأوهام التخييليّة .كهل مع شاب مع صبي بنفس الملامح والتقاطيع الحدثيّة. ونَصَفٌ مع صبيّة وفتاة بنفس الملامح أوالتقاسيم والكلّ منشد إلى أفقين أفق المعالِج الكاشف أغوار النفس. وأفق الإله المدَبِّر لكلّ التفاصيل، يعيش مع الجميع ولايدرك كنهه أحد منهم. وينتهي بالجميع مشرئبّا إليه باحثا عنه وقد التهمه الأفق البعيد.

الرحلة في الرواية يخوضها الجميع اختيارا أو اضطرارا.الرجل مترحّل بين البلاد والنساء، والمرأة مسافرة في عوالم الرجال أ

آباء وأزواجا وأحبّة. رحلة في المكان  جزيرة مجهولة  لاتوجد إلاّ في النص. ورحلات في بلاد العالم المختلفة تنتهي إلى بلدة قصيّة غريبة تَجْمَع الكلّ في نقطة واحدة ولكنها تعجز عن حصر الإله يحيى المحرِّك والمدبِّر. فيوسف وهو اللّمْع الذي برق في حياة عايدة نجده حاضرا في النهاية مشاركا في بناء الرواية عند خواتيمها في أفق مقابل هناك ومنه يقتحم حكايته مع عايدة عبر زجاجة يلقيها اليَمّ تحمل إليه رسالة تلك الحبيبة وقد فاتها العشق ولم تنس قُبْلته.

أمّا الزمان فليس هو الواقع بأحداثه ولاهو التاريخ بتلاوينه.إنّه شيء من زمن مخاتل يجعل الحدث شبيها بالوقائع، غريبا عن الحقائق وأما السرد فليْس إلاّ نتفَ أخبارٍ يتداول على نقلها الشخوص كُلٌّ مُيَسَّر لما وُضِع له. فمن باحث عن الحكاية إلى متابع لها إلى ناطق بها مسيَّرٍ من قوة خارقة تُحْكم قبضتها على النص. فالكل واقع في وهم الحكاية والجميع مشارك في تفاصيلها طلبا واستجابة واستماعا ومتابعة . ينتشي السارد الإله بمراوغة الشخوص بما فيها ذلك المدعوّ راويا أو ساردا  فيقتحم النص قائلا:” تركت عايدة الصفحة بيضاء ولكن السارد يعلم  أنّها حملت رسالتها إلى الخليج الصغير المعتاد وما إنْ همَّت بإلقاء الزجاجة إلى الماء حتى وجدت “بوح” هكذا ادّعَت اسمها تنظر إليها بفضول”  وبوْح هذه هي جامعة حكايات تقول حاثّة عايدة على مواصلة السرد :” أنا جامعة حكايات أسافر لأجلها وأدفع العمر في اقتناصها الحكاية حياة أخرى كان يمكن أن نعيشها لو وجدنا في المكان والزمان والعائلة والحكاية نحن الأخرى التي تجنبناها (ص37) أمّا عايدة فيُنْطِقها السارد العبقريّ بما شاء له أن يكون لها فتقول:”هل كانت حياتها في تلك الأيام أفضل حقيقةً؟ ماذا لو لم يحدث طارئ أفسد إمكان الحكاية أليست كل الحيوات حولنا حكايات تقبل أكثر من إمكان مسار يكفي أن يحدث طارئ في مسار سرد وينقدح مثير حتى تنقلب الأحداث وتأخذ منعرجا ما كان يخطر على بال هل نحن ممتنون للعوارض التي تغير مسار السرد الذي أوهمت به الحكاية في بدئها أم نحن مدينون له باعتذار عما أفسد” (ص34).


[1] ساعة ابي وحي  ومواسم الجفاف

[2] نصّ سعاد الصباح فيتو على نون النسوة

يقولون ان الكتابة اثم عظيم فلا تكتبي وان مداد القصائد سم فاياك اياك ان تشربي

[3] ناجي الخشناوي . رواية يحدث ان نختار:انفصام الفرد من انفصام المجتمع مقال منشور بملحق جريدة الشعب ” منارات” (3ديسمبر 2020)

ومن قراءات الرواية

-مقال منشور بالمجلة الثقافية الجزائرية (13 اوت 2020) لمحمد بوحوش عنوانه ارجوحة الواقعي والخيالي

مقال لرياض خليف بجريدة القدس العربي (22 سبتمبر 2020)  من تداعيات الذاكرة الى تداعيات المجتمع

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: