« يا كبير » مجتمعات تتعرّى على الركح

img
« يا كبير » مجتمعات تتعرّى على الركح
بقلم : حسام بلغولة
“يا كبير “
هي عبارة تتداول بكثافة في المجتمعات الشرقية عموما وفي المجتمع السوري بشكل خاص. إذ توظف هذه العبارة للترفيع من قيمة شخص ما و إعلاء قيمته و تعظيمه .
و لئن كان هذا معنى “يا كبير ” عند السوريين فإن “رأفت الزاقوتي ” كانت لديه رؤية أخرى طرحها من خلال مسرحيته التي أطلق عليها هذا العنوان ” يا كبير ” إذ يقول في أحد حوارته :
“يا كبير فكرة تحتمل السخرية والتهديد، تقولها لصديقك ممازحًا، لله شاكيًا ومستعينًا، لمن تخاف منه توددًا، ولأبيك احترامًا، “من هنا انطلقت فكرة الأبوية، في مجتمع تقوده فكرة السيطرة والسلطة “
عرضت هذه المسرحية مساء الإثنين في المسرح البلدي بالعاصمة ضمن فعاليات أيام قرطاج المسرحية
تدور أحداثها ” حول قصة أخوين يعمل والدهما ضابطا في المخابرات السورية ” تلوثت يداه بالدماء يرفض ابنه الالتحاق بصفوف الجيش السوري فينفى مع أخته . يموت هذا الضابط فتريد ابنته العودة لحضور مراسم الدفن غير أن شقيقها يمنعها من ذلك اذ تمثل لحظة وصول خبر وفاة الأب لحظة الذروة الدرامية فمنه تنطلق رحلة استرجاع الماضي عبر نقد لاذع لنظام الحكم في سوريا . وينتهي العرض بنهاية غير واضحة المعالم تفتح باب التأويل و قابلة لقراءات متعددة .
أراد الزاقوتي تعرية الواقع السوري ليكشف للعالم مأساة السوريين و لئن كان هذا هدفه الرئيسي من العمل فإن ارتجال حسين مرعي لحركة التعري قد حجبت هذا الهدف عن غالبية الشعب التونسي بمن فيهم أولائك الذين لم يشاهدوا العرض و هذا ما يدفع إلى التساؤل عن آليات نقد و تحليل العروض المسرحية و الفنية بشكل أشمل. بالعودة إلى تاريخ الحضارات حتما سنجد مجموعة من الأعمال الفنّية الجميلة موجودة في أكبر المتاحف العالمية لأجساد بشرية عارية (أعمال الفنان ميكيلانجيلو بوناروتي نموذج ) إذ يبدو أن العُري يُستخدم كرمز غالبا، ويمكن أن يمثّل جوانب مختلفة من الإنسان كالجمال والهشاشة والعار والسلطة، وليس فقط من اجل الجنس أو الإثارة الشهوانية التي اختزل فيها المشاهد التونسي مسرحية ” يا كبير ” لذلك فإنني لن أتناول مسألة التعري من جانب إجتماعي ديني و أخلاقوي لأني مؤمن تمام الإيمان بأن كل الأعمال الفنية لا تقوّم ولا تقيم إلا أهل استنادا إلى أدوات تحليل العروض الفنية و ما عدا ذلك فليس إلا ثرثرة و مهاترات زائدة .
لا زلت غير مؤهل بعد لتقييم هذا العرض فنيا ببساطة لأنني لم أمتلك بعد أدوات تحليل عرض مسرحي من مختلف جوانبه الفنية لكن سأحاول التركيز في عنصرين أساسين في هذا العمل بالذات و هما تعري الممثل من جهة . موقف المخرج و الممثلين من النظام السوري من جهة ثانية !
فماذا أراد حسين العمري من خلال هذه الحركة ؟
هل أراد هدم بنية المجتمعات العربية المحافظة ؟
أم أنه أراد تصفية حساب قديم مع تونس ؟
و إلى أي حد يمكن أن نسلم بوجاهة موقف رأفت الزاقوتي من نظام الأسد ؟
في العروض السابقة لمسرحية ” يا كبير ” لم يؤدي الممثل حسين مرعي دوره عاريا و لم يكن عاريا كذلك في الشريط المصور الذي اطلعت عليه لجنة إختيار العروض حسب ما صرحت به ادارة المهرجان في بيانها الصادر اليوم . و هذا ما يدفع إلى فتح باب التساؤل و طرح الإشكاليات فماذا أراد حسين مرعي من خلال هذه الحركة ؟
لم تختلف نظرة العرب لمسألة الجسد عن نظرة الإغريق القدامى اللذين نظروا اليه باعتباره “متعفن ”
تحفظ الروح طهارته على حد عبارة أفلاطون وفي ذات السياق يمكن أن نسقط هذا التصور و النظرة الدونية للجسد على الواقع العربي باعتبار الطبيعة المحافظة لهذه المجتمعات التي لا زالت لم تتحرر بعد من التصورات الميتافيزيقية المتعلقة بهذه المسألة فمازال العرب ينظرون إلى الجسد بإعتباره موطن للرذيلة و الدنس لذلك وجب ستره و في هذا الصدد يقول رشيد عوبدة في مقاله “الجسد شرارة حراك ، الجسد أيقونة تغيير ” :
اعتبر الجسد في مختلف التصورات الميتافيزيقية موطنًا للشرور وبؤرة للدنس والرذيلة، لهذا تمت معاملته باحتقار كبير وتم السعي فيما بعد إلى ستر عيوبه، ولازال الحديث عن مفهوم العورة لصيق به في كثير من الثقافات المجتمعية”.
.و لعل النظرة الدونية للجسد عند العرب هي نتاج ثقافة عربية كاملة انطلقت من النص الديني و لنا في ذلك مثال ارتباط أداء الطقوس و الشعائر الدينية بطهارة الجسد و استمرت هذه النظرة حتى مع مفكرين و فلاسفة عرب كإبن مسكويه الذي اعتبر تلبية شهوات الجسد انحدار
إلى المرتبة الحيوانية .
إذن يمكن أن نستخلص من هذا أن المجتمعات العربية تعاني فعلا من عقدة الجسد و لم تستطع بعد تجاوزها لذلك فإننا نرى هذا الكم الهائل من الشتم الذي تعرض إليه حسين العمري الذي ارتجل هذه الحركة . فهل كان يود أن يزعزع أركان بنية هذه المجتمعات المحافظة ؟ هل أراد أن يدعوا هذه المجتمعات إلى مراجعة موقفها من مسألة الجسد ؟ خاصة و أنه مقيم و متحصل على الجنسية الألمانية و قد سبقت الفلسفة الغربية نظيرتها العربية في علاقتها و تصوراتها لمسألة الجسد ؟
أن محاولة ايجاد تفسير لهذه الحركة مهمة جد عسيرة بالنظر إلى مدى تعقيد هذه المسألة فما إن تفك شيفرتها و تجد لها تفسيرا حتى تصطدم بأخر لا يقل
أهمية عن نظيره ؟ لذلك يمكن أن نطرح سؤالا مهم برأيي ألا يمكن أن يكون” لحسين العمري” حساب سياسي قديم مع تونس أراد تصفيته عبر ارتجاله لهذه الحركة ؟ خاصة و أن هذا العرض يقدم في إطار مهرجان رسمي تشرف عليه الدولة التونسية .
لا يخفى عنك عزيزي القارئ أن فترة حكم الإخوان المسلمين في تونس مثلت منعرج خطير في تاريخ العلاقات الخارجية للدولة التونسية فمنذ “الإستقلال” حتى تلك الفترة عرف على الديبلوماسية التونسية حيادها و ابتعدها عن سياسة المحاور و التموقع ضمن الأحلاف الدولية ففي خطوة مفاجئة تم طرد السفير السوري وأعلنت تونس دعمها لما سمي بالثورة السورية فاستضافت تونس مؤتمر أصدقاء سوريا الذي مثل خطوة أولى في انخراط تونس في مشروع امبريالي يهدف إلى تفتيت الدولة السورية و القضاء على وحدتها ضمن مشروع كامل ” مشروع الشرق الأوسط الجديد ” و بذلك تحولت
مشروع الشرق الأوسط الجديد ” و بذلك تحولت سوريا إلى أرض التقاء المجاهدين و عاصمة الدولة الإسلامية فيها يجتمع ” جند الله ” من مختلف الجنسيات و كان لتونس نصيب الأسد من المجاهدين إذ تفيد الدراسات أن أكثر من 3000 مقاتل تونسي قد دخلوا سوريا بتواطئ من الدولة التونسية في تلك الفترة اذا يمكن أن نفسر ارتجال تلك الحركة برسالة أراد توجيهها العمري للشعب التونسي مفادها :
لقد ساهمت دولتكم في يوم ما في الخراب الذي لحق وطني لقد اغتصب شبابكم أرضنا و نسائنا فها أنا اليوم أتعرى أمامكم و أعريكم في آن واحد
لا أخفيك عزيزي القارئ سر مساندتي لنظام الأسد كما لا يمكن أن ألمع صورته لذلك يمكن ان نتسائل إلى أي حد قد نسلم بوجاهة موقف الزاقوتي و من معه من نظام الأسد ؟
صحيح أن نظام بشار له من الجرائم ما يكفي لإدانته غير أن موقف المساندة هذا تظافرت في بنائه جملة من العوامل أهمها عدم وجود بديل وطني لنظام أكثر من نظام بشار الأسد كذلك من منطلق فكرة إيماني بمفهوم الدولة بما هي عليه من مجموعة المؤسسات التي تشرف على تنظيم حياة الأفراد داخل المجتمع . إن سوريا اليوم تتعرض إلى أبشع مؤامرة في تاريخ البشرية فقد تحولت إلى ساحة حروب تخاض بالوكالة عن الإمبريالية العالمية و هذا ما يدفع إلى ضرورة الإنحياز لصالح الدولة السورية في حربها ضد حركات الإسلام السياسي العميلة في ظل عدم وجود بديل وطني ديمقراطي لنظام بشار الأسد .
فمهاجمة النظام السوري في هذا الوقت بالذات في نظري معركة يجب تأجيلها إلى حين وجود بديل يحفظ للشعب السوري أرضه و حريته و كرامته .فالإنحياز لبشار الأسد ليس من منطلق تأليه الذوات أو المساندة الإديولوجية العمياء إنما من باب الإيمان بمسألة الدولة السورية و وحدة ترابها,
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “« يا كبير » مجتمعات تتعرّى على الركح”

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.