وَ مِنَ الْحُبِّ ما يُسْــكِرُ قصّة قصيرة عبد الفتّاح القرقني

img

 

عنوان القصّة : وَ مِنَ الْحُبِّ ما يُسْــكِرُ

من تأليف : عبد الفتّاح القرقني

14030663_1782165825396465_1376570954_nالإهداء

– إلى  صديقي الحميم  شاعر الجزيرة نور الدّين فارس ( 1953- 2016)

 

الحبّ هو جوهر الفرد  الّذي منه الكون ، و به يقوم . إنّه الجمال فوق كلّ جمــال ، و الحقّ قبل كلّ حقّ ، و القوّة الّتي منها كلّ قوّة ، على أن لا تشوبه شائبة و لا تستأثر به شهوة عابرة .

الأديب ميخائيل نعيمــــــة ( كتاب سبعون )

13989734_1782166638729717_436625810_n

 

تعلّق قلب  نجيب ذاك التّاجر الشّابّ بفتاة عربيّة منذ النّظرة الأولى فأطلق عليها من الأسماء أجودها و هو  اسم ريحانة لأنّه يجهل  اسمها . إنّها تبدو في نحو العشرين ، وجهها ناعم كالحرير ،  مستدير كالبدر لا أثر فيه لأيّ مساحيـق و لا شيء فيه تشمئزّ  منه العين . إنّه جميل و لعلّ أجمل ما فيه هو الفم بشفتيه الدّقيقتين ، القرمزيّتين ثمّ المقلتان الزّرقاوان اللّتان لم تفقدا بعد حلاوة الحيـــــــاة و بهجتها .

هل سيكون حبّه  لريحانة عذريّا كحبّ قيس بن الملوّح لليلى أو إباحيّا  ، قائما على  المجون و اللهو  يستبيح فيه الشّهوات الجنسيّة بكلّ ألوانـــها و أشكالها ؟

 

في أمسية من أمسيات شهر ماي القائظة ،  كلّف السيّد حسين ابنته شيماء البالغة  من العمر تسع سنوات باقتناء ما ذكره  من مشتريات بقلمه الجافّ الأزرق  على ورقة بيضاء اجتثّها من كرّاسة مسودّات ملقاة فوق مكتبها  الأنيق ذي الغطاء المزدان بأنواع شتّى من الزّهور و الطّيور.

انصاعت هذه البنيّة لطلب والدها عن طيبة خاطر فولّت وجهــها شطــــــر حانوت مجاور لمقهى القرية غير بعيد عن الشّاطئ و هي تــــــــارة تهـــــــرول و  طورا تتمهّل مترنّحة في مشيتها  نشوانة ، منتشية بأناشيد عذبة و بأشعار خالدة باح بها  صوتها الرّخيم ، الشّجيّ فهي هزار غريّد يودّع ربيعا فتّانا ذبلت أزهاره و رياحينه  و التوت أعناقها و تهاوت على أديم الأرض مسلّمة بفنائها .

ما إن ولجت شيماء المتجر العاجّ  بالزّبائن حتّى حيّت التّاجر نجيبا تحيّة رقيقة و على شفتيها ابتسامة ورود عطرة و في بريق عينيها العسليّتيـــن طفولــــة حالمـــــــــة.  هالـــــــــها امتداد الصّــــفّ  و أشفقت على نفسها من طول الانتظار فحاولت أن تندسّ خلسة في أوّله دون أن يهتدي إليها أحد . آنذاك  حدجها الحرفاء بنظرات استنكار و همّوا بالاحتجاج عليها احتجاجا صارخا  فرقّ لحالها  شيخ وقور ذو شاشيّة قرمزيّة و  لحية حصيرة ، بيضاء  فجذبها في ليـن و تؤدة  من يدها اليمنى  و أوقفها حيث انتهى الصّـــفّ و هو يهمس إليها في حبور و انشراح :« يا أيّتها الفتاة المهذّبة ،  انتظري دورك في جلد فالصّبر مفتاح الفرج » . لم تنبس شيماء ببنت شفة و خيّرت السّكوت على الكـــــــــــلام و السّكوت عند الكثيرين هو علامة من علامات الرّضاء و عند هذه الفتاة علامة من علامات الخجل و الوجل.

استجابت  لأوامر الشّيخ عن مضض و قد احمرّ وجهها المستدير و تفصّد جبينها عرقا  فمسحته براحة يدها  اليمنى البضّة النّاعمة . إنّها وقفت في نهاية الصّفّ في إذعان  و بقيت تنتظر دورها في قلق  شديد فهي تمقت الوقوف لعدّة دقائق متسمّرة في مكانها  دون أن تمارس نشاطا يتلاءم مع حيويّتها المتّقــــــدة  و ميولها المتعدّدة   كالتسلّي بدميتها العجيبة  أو مطالعة قصّة طريفة و  التّفنّن في تلخيصها أو نثر الشعير و  القمح لدجاجاتــها الجميلة و ديكها المزدان داخل قفص كبير أقيم في إحدى زوايا الحديقة قرب نخلة باسقة و شجرة توت عملاقة .

تلهّت بالنّظر إلى  الزّبائن بعد أن جالت ببصرها  في أرجاء الدّكّان  فأَلِفَتْ البضائع مرصّفة على الرفوف ترصيفا فريدا من نوعه ، و في واجهـــة بلّورية قرب المدخـــــل تمّ حفظ الصّابون المعطّر و  قٍنٍّينَاتٍ الطّيــــــب و مراهم معجون الأسنان و  أدوات الحلاقة و التّجميل . كان بعض الحرفاء يتأفّفون من شدّة الحرّ و يتذمّرون  من ضيـــــاع الوقت في الوقوف المملّ  و كان بعضهم يُزْجُونَ  الوقت في الحديث و المزاح  و القهقهات  أمّا   بعضهم الآخر فكانوا  يتابعـــــــــون حركات التّاجر المتّزنة   في انبهار  فهو  حينا  يزن السّكّــــــــــر و الشّاي و السّميد على ميزان أوتوماتيكـيّ و حينا ينشر البضائع في غير نظام على المصرف و حينا آخر يضبط  ثمنها مستعينا بآلة حاسبة من صنع يابانيّ .  مشهد آخر لفت انتباه شيماء فبقيت مشدودة إليه دون أن يحيد بصرها عنه قيد أنملة    . الحريفة الّتي قدّامها هي فتاة آية في الحسن و الجمال ،  فارعة القامة ،  شقراء  ، حديثة عهد بهذه القرية المتاخمة للبحر. كانت ترفل في ثوب رقيق شفّاف لم يستر جيّدا نهديها المهتزّيـــــــــن و فخذيها الأبيضين الأملدين  .  ها هي تسحب  من حافظة نقودها البنيّة مقدارا من المــــال و تنقد التّاجر نجيبـــــــا  و هي تعبّر له عن ارتياحها لخدماته من خلال كلامها  المقتضـــب و ضحكاتها النيّرة كإشراقة  الصّبح إذا تنفّس :  « شكرا جزيلا  يا سيّدي » ثمّ انبرت ترصّف ما ابتاعته  من موادّ غذائيّة في سلّة من سعف النّخيل  فانسدل شعرها الذّهبيّ ، السّبط  على ركبتيهــا و سافر في كلّ أنحاء الدّنيا عبقا ، متموّجا متناغما مع انحنائها  و خفّة روحها.

تلهّى نجيب  بإيداع النّقود في صحاف معدنيّة بالدّرج حسب قيمتها   و هو  يزمّ شفتيه دهشة  و يداري غمزة ساحرة  كادت تنحرف به عن وقاره مائــــــــة و ثمانين درجــة و ترحل به إلى عالم الرّومانسيّة أو بالأحرى إلى عالم الهيام  بعيدا عن الحصار داخل دكّانه بين أربعة جدران من الحجارة الكلسيّـــة  و بعيدا عن  الحرمان الّذي يصهد روحه  بنار شديدة اللّظــــــــــــى فهو في الخامســـــة و العشرين من عمــــره و مازال لم يملك نصف دينه فحتّى حديثه مع الفتيات وجها لوجه أو جنبا لجنب  كان نادرا و لا يتمّ إلاّ في الأعياد و الأعراس و كذلك  في البحر أثناء السّباحة أو الامتداد على رمال الشّاطئ  الصّفراء التماسا للرّاحــــــــة و الاستجمام  .

يا حسرتاه على زمن الدّراسة في التعليم الابتدائيّ عندما كان تلميذا في السّنة السّادسة  يجلس في نفس المقعد  بجانب فتاة جميلــــــة و يتبادل معها الحديث الممتع  و الضحكات الرّنّانة الصّاخبة فينهرهما المعلّـــــــــم و يدعوهما في لين  إلى الهدوء و الانتباه ! لن  ينسى على الإطلاق عبثه الصّبيانيّ معها فهو دوما ينحيّن غفلة معلّمه عند الكتابة على السّبّورة بالطّباشير الأبيض و الملوّن فيقرص فخذيها  قرصا خفيفا و هي كانت لا تصدّه عن ذلك بل تبارك هذا الصّنيع  و قد صفّق قلبها بهجة و طربا بين ضلوعها  ثمّ لا تتوانى في  ضمّ يدها إلى يده  في تستّر و انتشــــــاء و تلذّذ و كأنّها تطلب المزيد مــــــــن القرص و الإثارة .

اكتنفت نجيبا كآبة لم يعش  مثيلا لها من قبل فكأنّ أفعوانا ينهش قلبــــــــــه و يشلّ حركته : في العينين ضباب كثيف و في الحنجرة أنّات خافتة و في الصّدر ضيق من هذا  العالم الغريب و حنق عليه و تبرّم منه فهل يعقل أن لا يجد  رأسه المرهق متّكأ وثيرا يستند إليه  فينسى آلام الحياة و متاعبها ؟

سرعان ما خلّصت شيماء التّاجر الشّابّ من شروده بقولها المعسول الرّاجـــــــح و هي ترمقه بنظرات حادة انسلّت برّاقة من عينيها النّجلاوين انسلال السّيف من غمده  :

–  « هيّا يا سيّدي الفاضل عجّل بقضاء حواجنا قبل أن يحين  غروب الشّمــــس و كفاك بهتة  »

– « حاضر و بكلّ سرور أيّتها الفتاة القمحيّة البشرة »

بعد ذهول ملفت للنّظر ،  انبرى نجيب في عمله مضاعفا مجهوداته ، قاهرا صراعه الدّاخليّ إلى حين إذ لا بدّ من أن يكون متّزنا في سلوكياته ، يلبّي طلبات زبائنه  في هشاشة و بشاشة و لا يستسلم إلى أهوائه فهي يمكن أن تغرقه في غيابات جبّ  ليس لها آخر و تلك هي الطّامة الكبرى .

ها قد جاء دور صاحبة البشرة السّمراء و القامة الهيفاء فتنفّست  الصّعداء و طفح وجهها المستدير بشرا بعد تغيّمه و اكفهراره . ما إن  سلّمت  شيماء التّاجر نجيبا  قارورة بلّوريّة فارغـــــة و قائمة المشتريــــــــات و قطعة نقديّة من فئة خمسة دنانير حتّى مكّنها في وقت وجيز جدّا  من المشروبات الغازيّة و علبة بسكويت و قطع من الحلوى و أصابع من الشوكولاتة و لفّ لها الباقي في قرطاس رماديّ ، متين  حتّى لا تضيّعه في الطّريق . أثنت عليه ثناء عطـــــــرا و ودّعته بما هو له أهل من التّوديـــــــع و هي طلقة المحيّا تداعب ضفيرتين من شعرها الخرّوبيّ  متدلّيتين  على صدرها ثمّ أطلقت ساقيها للرّيح قبل أن يباغتها  الظّلام  فربّة البهاء قد عانقــــت الأفق غربــــــــا و وشّحته بقرص كبير أحمر يتدرّج بخطوات وئيدة نحو الأفول معلنا  الغروب و للغروب رونق خاصّ في جزيرة الأحلام .

أثناء السّير بخطى حثيثة على الطّريق الرّمليّ  المؤدّي إلى المنزل ، تعثّرت بحجارة صلبة ففقدت توازنها دون أن تسقط على الأرض لكنّ قارورة المشروبات الغازيّة هوت و ارتطمت ارتطاما هائلا بحصى مذبّب فتهشّمت محدثة صوتا كتوما  و مخلّفة فتاتا من البلّور كفتات الخبز  تناثرت  هنا و هنالك و توارت  في التراب بكيفيّة  يستعصي فيها جمع شتاتها  و تخلّص الأرجل الحافية من وخزها الدّامي  .

واصلت هذه الفتاة الوديعة طريقها قبل أن يدركها الظّـــــــلام و هي زائغة العينين ، مرتجفة الأوصال ، مستكة الأسنان   تحادث نفسها حديثا باطنيّا كتمته  في صدرها  دون أن تسمح لحنجرتها الملتهبة و لشفتيها القاحلتيــن  للإدلاء  بــــه : « دفع الله ما كان أعظم و اللّعنة إلى يوم الدّين على كلّ من حرمنا من تعبيد هذا الطريق هذا الشريان الحيويّ في الجزيرة . كيف سيعاملني أبي ؟ فهل سيكون متسامحا معي أو كعادته ذا طبع جافّ تبصر في وجه الفظاظة و الغلاظة و في عينيه تطاير الشّرر ؟» .

تسلّلت  شيماء   إلى المنزل  خفية متستّرة  بخيوط الظلام الفاترة    ، تمشـي و قد أثقل الذّعر ممشاها على أطراف قدميها  حتّى لا يهتدي إليها  أبوها . كان حظّها منكودا و متعثّرا  إلى أبعد الحدود فها هو كالطّود الأشمّ بقامته المديدة  يسدّ منافذ الهرب أمامها  فلا عاصم لها  اليوم إلاّ رحمة الله أو ذود  أمّها عنها  إن  تجرّأت على مواجهته و هو في صولة غضبه متحمّلة عربدته و شتمه و إهانتــه و من يدريك أن لا يتورّع عن ركلها و ضربها ضربا مبرّحا ، موجعا .

على حيــن غرّة ، صفعها  على خدّها  صفعة شديدة طرحتها  أرضا ثمّ دهسها بقدميه الحافتين الخشنتين و هو يقول في غلظة و قد انطلقت الشّتائم من فمه انطلاق القذائف من المدفع :

– « أين كنت يا ابنة الكلب ؟ لماذا لم تعودي بسرعة من الدّكّان يا أيّتها البلهاء ، يا أيّتها الحمقاء ، يا أيّتها الحقيرة   ؟»

– « أنت دوما تتعسّف عليّ دون أن أكون مذنبة  .  تأكّد من صدقي إن أجزمت لك أنّني  لم أهدر الوقت  هذا  العشيّ في اللعب .كلّ ما في الأمر أنّ الدّكّان مزدحم فبقيت أنتظر دوري متحلّية بالصّبر و سعة البال  »

لمّا  أصغت الزّوجة إلى صراخ  بعلها الحادّ هرعت إلي فناء المنزل   كي تخلّص قرّة عينها   من بطشه و تجبّره و  هي تقول بصوت عال ، متهدّج اعترته غمغمة مبهمة   و شابته صرخة مدويّة :

– « كن ليّنا و لا تعامل ابنتنا  الوحيدة بقسوة حتّى لا تشبّ معقّدة ، نافرة من الحياة ».

– « عليها أن لا تشقّ عصا الطّاعة و أن لا تتمرّد عليّ  مخالفة أوامري »

– « أمرا و طاعة يا حضرة الملك فما عليك إلاّ أن تعفو عنها متحاشيا دعسها   فروحها كروح الذّبابة » .

– « بكلّ صراحة الجعة أذهبت عقلي و أفقدتني صوابي فتشنّعت أعصابي و قسا قلبي على ملاكي الطّاهر »

– « ثب إلى رشدك و اصح من سكرك و كن رصينا مع ابنتك فهل يعقل طرحها أرضا و رفسها غيظا  و انتقاما ؟ اعلم علم اليقين أنّ العقاب اللّفظي و العقاب البدنيّ للأطفال يعاقب عليهما القانون  ثمّ أنا واثقة من أنّها لم ترتكب أيّ هفوة  »

– « ما أشدّ انفعالي و ما أفظع  معاملتي لفلذة كبدي  ! لا بدّ من  أن أتوخّى  اللّيـــــــن و اللّطف و الحوار كأساليب ناجعة في تربيها حتّى أساهم في نحت شخصيّتها و استقرار توازنها العاطفيّ و الوجدانيّ .

استوت شيماء واقفة و هي تئنّ أنينا مسترسلا تنفطر له القلوب الرّحيمة فكفكف أبوها دموعها  المنهمرة و ضمّها إلى صدره ضمّا رقيقا ثم أكبّ على وجهها المتهلّل يقبّله من كلّ الجهات قائلا عند كلّ قبلة : « دعيني أقبّلك قبلة أخـرى »

ما أجمل العفو عند المقدرة !  و ما أروع  التفاهم و الوئام  داخل الأسرة ! إنّ  التّربية لن تكون مجدية  إلاّ بالحوار البنّاء و النّقد الوجيه و معالجة الهفوات  بعقل حصيف ،  نيّر و صدر رحب بعيدا عن التّشنّج و الأحقاد و الضّغائن  .

صفت نفس شيماء بعد تكدّرها  و عاد إلى وجهها إشراقه و سروره و إلى عينيها ألقهما و إلى قلبها اطمئنانه  فقالت لأبيها في منتهى العفويّة و قد انبلجت ابتسامة غرّاء على ثغرها :

– « عذرا يا والدي فقارورة المشروبات الغازيّة قد تهشّمت  عن غير قصد

و استحالت حطاما  فهل بإمكانك أن تعفو عنّي و تبتاع قارورة ثانية  ؟ » .

– « عفا الله عمّا سلف   و بداية من هذا الآن  لن يطالك لساني بالسّبّ و لن تطالك يداي   بالصفع  و لا قدماي بالرّكل و الدّوس  . من جديد المعذرة عمّا صدر منّي من عنف و قسوة و ما ذلك إلاّ سحابة صيف عابرة  تقّشعت بعجالة فور انجلاء غضبي »

– « نحن في حاجة إلى مشروبات غازيّة باردة نخفّف بها من وطأة الحرّ و نجدّد بها أفراحنا  »

– « على الرّحب و السّعة فأنا سآتيك بها قبل أن يرتدّ إليك طرفك  »

استبشرت شيماء بمزاح أبيها فرقصت طربا و جذلا ثمّ دعت الله سرّا مخلصة النيّة و هي ترنو إلى السّماء المرصّعة بالنّجوم البراقة و من خلالها إلى خالق هذا الكون الرّحيب :

– «  يا إلاهي يا مجيب الدّعوات تب على والدي حتّى يقلع عن معاقرة الخمرة فهي  شنّجت أعصابه و أفقدته توازنه و كادت تتلف عقله تتلف  . كم وددت أن لا يقبّلنـــــــي و لو قبلة واحدة لأنّ الخمرة خلّفت في فمه روائح كريهة  لا تطاق !»

أثناء السّمر ،  أبحر نجيب  في الفيس بوك هذا العالم الافتراضي السّاحر  بواسطة هاتفه الجوّال فتواصل من شدّة الكبت و الحرمان مع العديد من الفتيـات و هو آنا  يترشّف قهوته السّوداء و آونة يجذب أنفاسا عميقة من سيجارته  ثم ينفخ دخانا قاتما من فمه الواسع   فتنكشف أسنانه الصّفراء  من آثر الإدمان على  التّدخين  . كان يعاكس هذه الفتاة بوقاحــــة و قلّة أدب ، و يحظر تلك ساخطا عليها لأنّها كانت تقرأ رسائله القصيرة و لا تردّ عليها و لو بملصق أو إشــارة ، و يغازل أخرى أعجبته صورتها بكلام معسول غاية في الرقّة  و هو  يقهقه ملء شدقيه مستهترا بالقيم ، ناسيا أنّه ليس بمفرده فبجانبه أفراد عائلته يتابعون في صمت مطبق مسلسلا تركيّا مدبلجا  باللّهجة التّونسيّة . و عندما  انتصف اللّيل ودّع أفراد أسرته بكلام خافت ، جميل :  « نوم هنــــــــــيء و أحلام لذيذة  للجميع » ثمّ أوى إلى فراشه  و هو يتثاءب تثاؤبا مؤذيا رافقته دموع شحيحـــــة و احمرار طفيف في العينين .

امتدّ  نجيب على سريره الوثير وحيدا  في غرفته الصّامتة ، الدّامســـــــــة و أغمض عينيه دون أن تكحّلهما و لو سنة من  النّوم بالرّغم من شدّة التّعب . تضوّر على فراشه ذات اليمين و ذات الشّمال و هو متأجّج المشاعر ، قد برّحت به حمّى الوجد فغرق في بركة من الأرق و العرق . لقد حامت في ذهنه عدّة أوهام   ثائرة ثورة البراكين ، راتعة  في خياله الخصب رتعان الخيول في البراري دون أن تكون له قدرة على كبح جماحها أو صدّها .  ها هي ريحانة    الّتي أنبتتها في سبيله  أنامل الوجود تتأمّله بدقّة  من قمّة رأسه إلى أخمص قدمه  ثمّ تستدرجه في أريحيّة كبيرة  و نشوة عارمة  للاختلاء بها موظّفة في ذلك  وجهها الضّحوك و إشارات يدها السّاحرة. كانت إيماءاتها  تنمّ عن ذوق كبيــــر و إحساس عميق ، طاهر  . و باستطاعته  أن يجزم دون أيّ مجال للرّيبة  بأنّها  إيماءات  عشيقة مسالمة  تتقبّل الجروح من غيرها و لا تجرح أحدا . ضمّها إلى صدره  بعنف لا يكاد يحتمل و هو  برشف  من شفتيها   العسليّتين  قبلا مسكرة مستلذّا شهد رضابها و منتشيا برحيق الحياة الكامن فيها . كانت قبلاته  لهـــــــــــــا و قبلاتها له تعادل خطّ الاستواء بحرارتها و وهجها » .

من دوّامة أنفاس مختلطة همست في أذنه  همسا كهمس السّوقي عذوبة و رقّة و خفرا :

– « انتبه يا حبيبي فأنت قد غوتك الشّهوات فبدأت تستسلم لها  ! لتكن مشاعرك طاهرة و عفّتك أقوى من مراودتك و مغازلتك . » .

– « إنّك تثيريني حتّى الجنون . اسمحي لي أن ألثمك على خدّك المتورّد  حتّى أرتوي فأنا متعطّش  لجحيم من القبل و أنا بين أحضانك الدّافئة  »

و تمضي أنامله المرتعشة تداعب و تتلمّس جيدها و نهديها و خصرها و  كلّ مكان  مثير في جسدها شبه العاري إذ لا يغطّيهما إلاّ لحاف أبيض  . و أمام إصراره على ارتكاب الخطيئة كاد زمام نفسه الهشّة  يفلت من يده  لولا توسّلات ريحانة المتتاليـــــــة  :

– « آه منك أيّها العربيد قد أسكرك الحبّ و  كدت تدنّس شرفي  الّذي هو تاج أنوثتي و أصالتي . لو لم أفكّر في طهري باتّخاذ مسافة الأمان بينا و عدم الانسياق مع عاطفتي إلى أبعد الحدود لوجدت نفسي في حال لا أحسد عليها مفتضّة البكارة ، في الدّرك الأسفل من الرّذيلة   لا فرق بيني و بين الحيوان ».

– « أنا شابّ ساقط ، حقير ، دنيء ، عبد لنزواتي و ملذّاتي و أنت ملاك طاهر غاية في النّقاء و العفّة ».

– « أنت أيضا عفيف و لن أحاسبك على الانفجار الشّديد لمشاعرك و انفعالاتك فهو ناجم عن الكبت الّذي كنت تعيشه في داخلك دون أن يجد متنفّسا يخفّف من وطأته »  .

– « ما آمله هو أن أكون دوما محلّ ثقتك »

– « إذا أردت أن أكون صديقة حميمة لك  لا تحاول اغتصابي و جعلي أعزّي نفسي و بئس العزاء  : ما أنا بالأولى و لا بالأخيرة »

– « أين اختفيت  يا ريحانة ؟  مالي لا  ألمحك  ؟ هل  صرت ضريرا  أم أنّك  هاجرت  إلى  وطن آخر ساد فيه الأمن و الاطمئنان  و لم  يستشر فيه الفساد ؟ »

منذ تلك اللّيلة ، دأب نجيب على تنقبه نفسه و تطهيرها قدر المستطــــــــاع  و رفعها من حمأة الرّذيلة الّتي كانت تتخبّط فيها . إنّه يحاول أن يكون كائنا جديدا لا يكون حبّه  من  جانب واحد في لحظة طيش و غباء بل يجب أن يكون حبّا مشتركا  بين حبيب و حبيبته مبنيّا على العفّة و الوفاء و نقاء الصّرائر و صفاء القلوب  .

أن الأوان أن يتخلّص بصورة نهائيّة من العـــــادات السّخيفة و التّقاليد البالية الّتي  كانت تكبّله  و تحدّ من حريته  و تفتّحه على العالم الّذي صار قرية صغيرة بفضل الشّبكة العنكبوتيّة و الأقمار الصّناعيّة  . مازال يخدش سمعــــــه المرهف  و يعذّب  روحه المتمرّدة  مثل شعبيّ جربيّ  هو غاية في السّفالــــــــــــة و الحقـــــــارة و الانغلاق على الذّات  و التّقوقـع و قمّة في الطّاعة العمياء : « ملّس من طينك يفضلّك »  . هذا هو المثل الّذي كانت تزوّده  به والدته العزيزة و هو في سنّ المراهقة   معتقدة أنّه من خيرة الأقوال المأثورة إذ لا  مجال للطّعن فيـــه أو المساس من قدسيّته حتّى تتواصل المحافظة على صفاء المجتمع الجّربيّ و نقاوته  . « ثقي يا أمّي من أنّني لا أومن بالأمثال الشّعبيّة  الزّائفة  فهي كخيوط العنكبوت الواهية و كالهباء المنثور في مهبّ الإعصار و كالزّبد الّذي يذهب جفاء . هذه التّرّهات  السّخيفة ضلّلت الكثيريــــن و نأت بهم عن سبل  الرّشاد فأعمت بصائرهم و  بلّدت أذهانهم و بلبلت أفكارهــــــــــــــــــم و  خبطت بهم  خبط عشواء على غير هدى و لا رويّة في دياجير الجهالـــــــــة و الضّلالة فاستقرّوا في هوّة سحيقة أشدّ ظلمة و وحشة .من ظلمات القبور  . أتوسّل إليك أن لا تؤاخذيني يا أمّي  و لا تقسي عليّ إن لم أتزوّج بابنة عمّي   الّتي تسمّيت عليها في عهد الطفولة فأنا أحبّها كما أحبّ أختــــــي و ليس لي أيّ ميل عاطفي نحوها  . هل أنا عاقّ لمّا لا  أومن إيمان العجائز ببعـــض  العادات و التقاليد و كنت ممّن يحكّمون عقولهم فيها مسترشدين  بدهائهم و دينهـــــــــــم  و ثقافتهم الواسعة ؟ أنا سأتزوّج من  فتاة عفيفة  تبحر بي الى عالم العشق والغرام  و تبادلني حبّا بحبّ منسجمة مع طباعي و لا يهمّني إن كانت جربيّة أو غير جربيّة فحتّى و إن كانت من كوكب المرّيخ فمرحبا بها . المهمّ بالنّسبة لي هو   أن تكون مقبولة الجمال ، كريمة الخلق ، أصيلة  النّسب ، هادئة الطّبع تواسيني في السّرّاء و الضّــــــــــــرّاء و تكتـــــم أسراري و تصبر على زلاّتــــــي و تناضل معي  جنبا إلى جنب من أجل عيش كريم و حياة فاضلة آمنــة داخل  أسرة  متماسكة كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا. . فيما يخصّ اللباس القصير يا أمّي الحنون لا تشغلي بالك فأنا سأقنع ريحانة  فتاة أحلامي  بارتداء لباس محترم يستر مفاتنهــا و يحجب عنها أطماع أصحاب الشّهوات الّذين  لا يغضّون أبصارهم و يستوي عندهم الحـــلال و الحرام  و كذلك الفضيلــــــــة و الرّذيلة » .

و مع  تباشير الفجر الضّحوك تسلّلت من النّافذة نسائم عليلــــــــــة و  أنوار باهتة كسرت أغلال الظّلام فانتعش نجيب بالرّغم من الأرق الّذي أصابه  و سكنت جراحه  و  تبدّدت شجونه و سُيِّرَت جبال همومه فكانت سرابا فطفق ينشد أبياتا شعريّة  تنبض إلهاما وهياما و عشقا  لشاعر جزيرة جربة نور الدّين فارس :

يَا ذات عَيْنَيْـــنِ زَرْقَاوَيـْـنِ بسمتها

هَلَّتْ لِتُؤْنِسَ لِي قَلْبًـا وَ وِجْدَانَـــــا

كَمْ كُنْتُ بَيْنَ ثَنَايَا الْغَيْمِ أَرْصُدُهَــا

حِينًا  وَ عِنْدَ اكْتِمَالِ الْبَدْرِ أَحْيَانَــا

هَلْ مِنْ بَدٍ مِنْكِ قَدْ تَمْتَدُّ نَحْوَ يَدِي

إِنِّـــي تَرَقَّبْتُهَـــا دَهْرًا وَ أَزْمَانَـــا

وَ لَيْسَ عندي سوى عينيك بَارِقَـــةً

فِي عُنْفِ لَيْلِ اغْتِرَابِ زَادَ طـُغْيَانَا

كُونِي على نفس موجات الهُيَامِ مَعِي

أَنَّى وَطِئْتُ  مَطَارَاتِ و َأَوْطَانَا

مَهْمَا النَّوَى بَيْنَنَا جَنّتْ دَيَاجِــــرُهُ

لَا بُدَ تَبْتَهِـــــجُ الدُّنْيَــــــا بِلـُقْيَانَــا

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.