ولدتُ عاشقًا- أمـــــــيرة الغمّــــــام

6
ولدتُ عاشقًا- أمـــــــيرة الغمّــــــام
كانَ الجميعُ يتلذذّ بالجمال و يسبّح عندما كنتُ أسبّحُ بالسُؤال.. أرّقني ذلك الصوتُ في نعيمي حتّى أنّي حاولتُ جاهدا أن أعرف مصدرهُ إلّا أنّ محاولاتي بائت بالفشل, و رفاقي لم يكن يجلدهم الملل كما يجلدني و لا يُحرقُهم الضياع كما يحرقُني, عرفت كيف يكون المرءُ وحيدا في الجنّة و خاصّة و إن أُفرٍدَ بسمع أصوات لا يسمعُها من يجاورُه.
أخذتُ أتّبعُ الصوت ذات ليلة علّني أطفئ غليلَ سُؤالي و كم كنتُ خائفا أن تكتشفَ الملائكةُ جُرمي.. لمّا اشتدّ الصوتُ أدركتُ أنّي اقتربتُ من مصدره إلى أن وجدتني أمام بابِ موصد ,فتحتُهُ…
هزّت جسدي رعدةٌ لمّا استشعرتُ حرارة المكان الذي أمامي ,أحسستُ أنّ جلدي سيذوبُ لكنّهُ لم يذب .. وجدتني أمام جماجم و عظام تتفتتّ و تتكوّنُ من جديد , أمام نساء و رجال عراة و توجهّت أنظارُ الجميع نحوي و قد توقّفوا عن العويل و لم يبق إلّا صوت سعير النّار ينهش الجلود و الأفئدة , لا أنكر أنّي في البدء ترردتُ في الدخول و قد أحسستُ أنّ قلبي سيفرّ من بين ضلوعي لكنّي ولجتُ الجحيم بسيقان تشبه سيقاني و قد نبت الشجن منّي وردا و زهرا حاولتُ أن أبتسم للتعساء الذين بدوتُ لهم ملاكا مبتور الجناحين و راعهم أنّ النار لا تأكلني , البعض ركع لي , لكنّي منعته و البعضُ ابتسم و البعضُ أغمض عينيه و أنا بعضي مندهش و بعضي ينتحبُ و بعضي يقتل بعضي.. لم أستطع أن أكبح قلبي النبّاض الذي زادته حرارةُ المكان اتّقادا شفقة على الذين أمامي فهرعتُ لأوّل مُعَذّبِ رأيته و أخذتُ أضمّه و ما فتأتُ أجود على جلده بالدّمع علّ النار تنطفئ فوجدتُ أنّ دمعي كفيل باخماد نار الجحيم لثوان معدودات و لمّا رأى الجميع ما بدر منّي اصطفّوا ينتظرون أدوارهم و هم يئنّون أنينا حثّ دمعي على الهطول و قلبي على الخفقان فوجدتني أدمعُ و أدمعُ و أحاولُ جاهدةً أن أطفئ و لو قليلا من النّار التي تنهش جلودهم و تنهشُ فؤادي علّني ألمسُ روح اللّه التي فيهم و أذوبُ في وُجودي و في الرّوح و التي فيَّ و أعلمُ من أنا..
لم يطل وُجودي في الجحيم كفارّة من الجنّة إذ نُزّلتُ إلى الأرض بعد أن عبرت سبع سماوات و لمّا وضعتُ رجليّ على الأرض أضرمتُ النّار في يدي و صرخت فرحة بالألم , إنّها الأرض .. و أيُّ جمال من بعدها يُذكر .. إلاّ أنّي أظنُّ أنّي ولدت من جديد.. وُلدتُ عاشقا ولمّا كبرتُ و اشتدّ عودي عرّضتُ نفسي للشّمس الحارقة ستّة أيّام علّ عشقي لها يندثر و لمّا لم يندثر تعرّيتُ في حضن الشتاء ستةّ أيّام أخرى علّ العشق إذا لم يندثر يتجمّد ..أقنعتُ نفسي أنّ الاله الذي خلق السماء و الأرض و ما بينهما في ستةّ أيّام يقدر بالتأكيد على إبادة عشقي المحرّم ..
كنّا إخوةً ..لكنّي أقسمُ أنّي لم ألمسها من عندما كنّا نطافا إلى المهد ولكنّي لا أنكرُ أنّ لولا الملاك الحائل بيننا لحاولتُ ربّما أن أنعم بلمس سبّابتها اليُمنى و أن أشاركها طعمَ وُجودها ..معنى أن أكون”هِيَ” لكنّ الملاك الذي بيننا لم يغلقَ لهُ جفنٌ و لم يشفق عليّ من نفسي .
لمّا حان أوانُ وضعنا خرجتُ قبلها أوّلا لأمهّد لها الطريق و لكي أمنعها من الخُروج إذا لم يناسبنا المكانُ أو الزمان لكنّ الأوان كان قد فات . رفضتُ ثديَ أمّي مرارا خوفا أن لا أترًك لها لبنا تُغذّي به عظامها .. لمحتُها تكبر ..هنا و هناك و غرتُ من الشّمس إذا لفحت وجهها من النفَس الذي في صدرها و من ذرّة التراب التي تكوّن جسمها و يا ليتني متُّ من قبل أن أوجد.
حاولتُ جاهدا منع أبي من تزويج معشوقتي لأخي لكنّه رفض ففوّض أمرنا لله ظننتُ أنّ الله سيستجيب إلّا أنّ قرباني رُفض و قُبل قَربان أخي . مرضتُ و همتُ على وجهي و غضضتُ بصري عن الشّمس تُرسلُ لي جوابا و نسيتُ كيف أتخّذُ من ضوء القمر سلوًى و ملاذا ,نهشني الألم و على الأرجح هو الكُفر و لمّا صرختُ في وجهي أخي ” لأقتلنّكَ” قال”إنّ الله يُجيبُ المتّقين”.
و قتلتُ أخي و دفنتُهُ..و ها أنا لازلتُ إلى اليوم أحاولُ جاهدا محو الدمّ من حبّات الرّمل و من يداي , دمعتُ دمًا و تعرّقتً دما و حتّى لعابي الذي يسيلُ على الأرض عندما أنامُ كان دمًا برائحة المعصية و لازالت عينا أخي إلى اليوم تلاحقني في صحوتي و نومي أبكي لذكره فأدمعُ من دمه فأزيد على نواحي نواحا حتّى أظنّ أنّي سَأغرق…إلّا أنّي أخيرا عرفتُ من أنا..أنا الغريبُ في جلدي ..أنا الذي أتوسّلُ للأرض مع كلّ شُروق أن تسامحني على إراقة الدمّ فيها .. أنا قابيل ابنُ آدمَ بعضي في النعيم يُواسي بعضي في الجحيم…
 
تأليف أمـــــــيرة الغمّــــــام
رابعة آداب _المعهد الثانويّ برّجيش
Facebook Comments



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *