وجع واحد -صفاء المي

img

 

فتحت عيناي فإذا بزرقة السماء قد ابتلعها سواد كان يحوم فوق رأسي: نشوة السقوط الأول و الإنهزام الأخير.دخل طبيبي المباشر و أخذ يقرأ بتمعن ما خطّهُ مجموعة من الممرضين من ملاحظات.سألني بجفاء يشبهه: تحس في روحك خير ؟ كنت لا أزال أتحسس ما يحدث من حولي: أمي والدمع يملأ مقلتيها، إخوتي والهون باد على وجوههم و ذلك المصل اللعين المعلق بيدي. أخذت أبحث عنه بينهم…

“حبيبتي آشنحوالك؟” لوهلة خيل إلي أنه هو من طرق الباب و قال حبيبتي. دخلت صديقتي تحمل ورودا صفراء شابهت لون قلبي الشاحب و أخرى حمراء ذكّرتني بقبلتنا ذات قارب. تظاهرت أنني بخير و أنني أفضل … لكن الوجع كان يبتلعني، كان قلبي يتآكل خيبة و كنت أنتظر… تعلّمت حينها أن قلبي لا يصلح للأكل… لا يصلحُ. فأنا صبية قد وقعت بفخ الحب ، أكذوبة تعيشها كي تحيا، أفيون تتعاطاه كي تنتصر.كنتأتساقط على الرصيف كأوراق الخريف. وعجت غرفتي فجأة: عائلتي، أصدقائي و جيراني. كنت أبتسم تارة و أغفو تارة أخرى. أذكر أنني سمعت زغرودة؛ يقولون أنني نجوت من موت كان محتوما.

كنت أجلس في مقهى الحي الذي تقطن به: أتصفح ذكرياتنا البالية، أقرأ رسائلها و أرميها في الحاوية. اليوم تقيأت ما تبقى منها. حينها قررت أنا و عقلي الصغير أن نعود لنزهر في عالم لفظنا لكن الموت أبى أن يعانقنا.

خرجتُ من المقهى على عجلٍ ملقياً ورائي بقايا حب مُتعفن. أخذت ألقن نفسي دروسا في حب الحياة و أعد نفسي بالنجاة. أظنني سأتعافى. فجأة… لمحتُ صبية عشرينية فاتنة…لم أستطع أن أزيح النظر عنها. كانت ساحرة بشكل رهيب: تمسح أحمر شفاهها، أحمرٌ كرزي بنكهة الدراق. كانت تذرف دموع حسرة ولوعة. التقتعينانا، و قرأتُ فيهما أسرارا دفينة. تقدمتُ بخطى ثابتة أحادثها و أسألها. ارتمت بأحضاني باكية كطفلة صغيرة أضاعت بالونها. شكتْ لي حُبها. حبٌّ عابر للأسرّة. تزوجَ و هجرها ككل رجل شرقي جبان بائس، ذئب قد ثارت فيه الغرائز، ذئب قد هام بالتهام الفرائس. كانت حبي الأكبر، فرحتي الأجمل، عالمي الأغرب. تراءى لنا أن نقترب. تلاشت المسافات بيننا، توحّد قلبانا و جسدانا. كنتُ أترقب بشوق رؤيتها. كانت كل معاني الحب مجتمعة. حلاوة تنساب بين شفتيها، شهد مصفى بين نهديها. كان قلبها مفعما بالحياة… ينشد ألحانا و يُزهرُ ألواناً. عرفتها ذات خريف بائس، كنت لا أزال أشكو من حب يائس، كانت تتعافى من حب مبتورٍ محظور… لم أكن أعلم أن ملامسة يديها ستسلب مني حياةً وتهبني عُمرا بأسره. لم تكن فتاة الليلة الواحدة بل كانت فتاة كل الليالي و الأيام. كنا نلتقي ككل ليلة… كنا نلتقي ككل شوق و توق… كنتُ أسترقُ الحب ليلا نهارا لعلها تشبع قلبي… لعلها تروي ضمئي وترحم ما تبقى مني. كنت أنظر إليها وهي نائمة… لم تكن هناك أخريات على القائمة. كانت سيدة قلبي و قرة عيني. قدٌ ميّاس، القمر حين يكتمل.

كان موته جرعتي الأخيرة… جرعةُ قوة خارقة … تجرعتها على عجل. كان حبي الأول، انتصاري الأكبر و انهزامي الأخير… الموت يجعل ذكرياتنا تتدفق في عقولنا و أمام أعيننا تدفق الدم في الشرايين… كنت عائدة من العمل عندما رن هاتفي للمرة العشرين… ولأننا واحد أحسست بألم غريب… علمت أنه يموت… علمت أنني لن أراه مجددا… لن أسمع أغنيتي المفضلة بصوته الآسر… علمت أننا لم نعد واحدا… بل أمسيت لوحدي… أواجه بشاعة العالم بمفردي. لازلت أذكر صوت منير الصارخ… :”يا صفاااااء! سليم مات…” و كأن الأرض اهتزت و كأن السماء انفجرت… مانحسه حقا لا يستطيع أن يخطه القلمُ… أوجاعنا ستبقى دوما سرنا الأعمق و الأغرب. كم كنت أتمنى أن أراه لابسا بدلة زفافنا تلك التي اخترناها سويا… زفافنا الذي حلمنا به منذ الصغر. كان موته قاتلا… أدخلوني لغرفة الصالون وقالوا لي بحرقة :”ايجي شوفي عريسك”… نفس الغرفة التي جمعتنا ولاتزال تذكر قهقهاتنا ولعبنا كطفلين صغيرين… يومها لم أستطع أن أوقظه كعادتي… لم يكن ينظر إلي بعينيه الجائعتين… كان نائما… كان قد مات فعلا. يلبس لباسا أبيضا ناصعا…رائحة طيبته وحلاوته تملأ الغرفة والبيت والحي… شعره الحريري يغطي جبهته… ولن أنسى ما حييت ابتسامته وهو يلبس لباس الموت… و كأنه يأبى أن يحزن… و كأنه يتحدى الموت و يعدني بلقاء عاجل. كان باردا على غير عادته… كان قد مات فعلا و أنا كنت قد احترقت حد الموت…

أن أكون نزوةً من نزواتها، أن أُنسى كأنني لم أكن… أنا الذي تخلَّلتْهُ، تخيلَ أنها أحبَّتهُ. سأغادرها غريبا كما عرفتهُ، غريبا قد هزمتهُ. إستنزفتُ كل طاقتي أحاول جاهدا أن أنقذها من براثن النزوات و العبثية… و لأننا لا نتفقْ إتفقنا ألّا نلتقي و ألّا حبا نسترق… ما بالكتغيرتِ؟ ما بالصغيرتي؟ أتعثرتِ؟ أحُبنا أجهظتِ؟ أفراقنا ترقبتِ؟ طالما أردْتُها فأرْدَتني، أرْدت حلما و هزمتني. سنلتقي و سترين في قلبي أنثى لا تشبهك، سترين رجلا لا يعرفُني… مابالكِ تغيرتِ؟ تجاهَلَتني… احترقتُ و نثرتُ رمادي بيدي. قطعتُ وعدا على نفسي أن لا أهزِمَني، وعدْتُنِي أن أسنُدَنِي.

وذات وجعٍ…رأيتُ صورتكِ. إبتسامة النصر تعلو محياكِ. قوية أنتِ كما لم أعرفكِ. إجتاحتني رغبة عارمة في أن أهاتفكِ. كم أردت أن نلتقي…

غريبة أنا يا قطعة مني. لم نلتقي و لن نلتقي. تختلفُ الأسبابُ و تبقى النتيجة واحدة: تفصلنا شوارع و أزقة و رائحة حب ممنوع. تفصلنا نبضات قلب مكسور بل قلبين و عينين أسيرتين

. كأمٍ تترقب حضور ابنها البكر أترقبُ حضوركِ. الحب كالحرب ألا تظنين؟ فكري في ذلك و أجبيني في حلم يجمعنا فلا أظننا في غير الحلم نجتمعُ…ساعات الليل الطويلة أمضيها أقرأ رسائلكِ التي لم ترسليها و أعانق صوتكِ الذي أشتاق.

لمَ تسألُني عن ماهية الحب؟ أنا صبية لم تتجاوز العشرين من عمرها، لا تزال تذكر تلك المعادلة الغبية التي تكررت على مسامعها في المدرسة و بين صديقاتها: دب + دب = قصة حب.

الحب يا جميلتي؟ أحسبه من المقدسات، يحرم تدنيسه بكلمات ك ” نحبك”، “نموت عليك” أو “هات قبلة”. تلك القبلة التي سرقتِها… ألا تظنين أن الحب إذا ما رفع عنه الستار دُنس؟ فليكن حبي لكِ مقدسا أبديا لا تطاله أيدي العابثين و لا عيون الحاسدين.

أحببتُكَ قبل أن تلتقي عينانا… يومها كنت تلبس قميصا ذو أكمام طويلة، ذو لون أزرق سماوي. كانت عيناك تبحث عن إحداهن و قلبكَ يهتفُ باسمها. أدركتُ ذلك عندما رأيتُ بريق العاشق بعينيك العسليتين و أنت تنظر إليها على استحياء. لحيتك الخفيفة زادتكَ أناقة و وقارا، و ذلك القرط الذي تضعه بأذنك اليسرى: “يا حليلي” كم هو فاتن. أظننا التقينا في حلم الساعة الواحدة بعد أن توسدت صورة لكِ و عانقتُ طيفكِ.

معلّقة أنا هناك، معلقة أنا بك… تبا للمسافات…

كانت تمسك بيده وتشد عليها … وكأنها تمسك قلبه » … قداه بش نقعد متوحشتك هكا ؟  « ابتسم وقبل وجنتيها قائلا: »قد ما أنا متوحشك هكا  «  … نزعت حذائها و أخذت ترقص كموجة بحر ثائرة … كان قلبه يخفق شوقا للقائها واحتوائها… يرمقها بعينيه العسليتين…فتنتفي بينهما المسافات، تغمره دلالا و حبا فيفقد ماتبقى من عقله… مجنون هو بها، صغيرتي … هكذا يناديها. ارتمت الصغيرة على شاطئ البحر ورفعت عيناها للسماء وغنت : »شايف السماء شو بعيدة بعد السماء دي بحبك  «… وأخذت تضحك ملئ قلبها… : »ماتضحكش على صوتي عاد » «! بش ناكلك صغرونتي.« …كانا يلتقيان كل يوم…

جلسا طويلا على حافة البحر يتبادلان قصصا و حكايات … ضحكا وابتسامات، أحضانا و قبلات… منذها وهما لا يفترقان. يتقاسمان حلم اللقاء و طريقا لا يعرف الشقاء. شاركتْهُ وجعها فاحتواها، شكى انكساره فجبرتهُ.

حلاوة شهر العسل لم تنتهي… هذا عيد زواجهم السابع. حلاوة لا تنضب… حلاوة امتزجت بنقاء قلبيهما. ككل صباح كانت تقوم مسرعة لتسرق قبلة على شفتيه… كان قد ملك قلبها، أسر عقلها… كانت قد فتنت به و فتن بها. كان يغازلها بكلمات ليست كالكلمات…كأنها تكتبُ من حبر دمه، كأنها تتبع إيقاع دقات قلبه، كأنها تعيش الوجع الذي سكنه…

نحن قلبان، نحن نبضان، نحن وجع واحد.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: