هَشَاشَةُ الفنون التَّشكيليّة وانعدام النقد 

img

بقلم: الأمجد بن أحمد ايلاهي
كانَ من الضروري جدّا الوقوف وتأمّل عدّة نقاط متلاشيِة وغير مفهومة في علاقة الفنون التشكيلية في العالم العربي بالنقد . هذه النقاط الضائعة خلف التزييف المُمَنهج لكل مباحث الحقيقة ، التي دعت إليها الفلسفة قبل الانفصال الوهمي للعلوم الانسانية . وللمتأمّل في تاريخ الفن العربي الحديث خاصة. وهو بالأساس من وقع عليهِ فعل التزييف ،.والذي وُلِد من رحم الاستعمارِ و يعيش تحت عباءتهِ منذ ما يزيد عن قرنٍ من الزّمن . وقد نقعُ في فخٍّ مفاهيمي عميق إذا لم نطرح جملة من الأسئلة الواضحة لنتبيّن مدى جدارة الفنون التشكيليّة في العالم العربي بلفظة “الإبداع”. وإلى أي مدى توفّق الفن التشكيلي العربي في مُجاراة التيارات الفنية العالمية الحديثة منذ القرن العشرين إلى اليوم؟ وكيف يمكننا الحديث عن فن مبتور الجناحين ( النقد والفلسفة ) ؟ .

 

الفنانة اسماء عبد اللاوي : تونس

تُركّز الحركات التشكيليّة النقديّة الأكاديميّة كرديف للسلطة في العالم العربي على شيئين اثنين عند طرح اشكاليات الفن الحديث ، أولاهما التركيز على جملة المفاهيم والمفردات الفنيّة المدرسيّة والتي تّخصّ تحليل العمل الفنّي من جانب كونِهِ مجرّد تكوين. يخضعُ إلى رُزمة من القوانين الهندسيّة والتّقنية المباشرة. والتي وفقها يمكنُنا تحديد الأهداف الجماليّة المُتّفق عليها سلفًا باعتبارها تطبيقات شِبه علميّة، لفهم مسألة التذوّق الفنّي . وإن كان هذا الجانب العلمي والثقافي لا يخلو من أهمّية بالغة لممارسة النقد التشكيلي فإنّهُ يبقى ضيّق المجال ونَاشفٌ من المعنى القيمي للفنّ باعتبارهِ رؤية مختلفة للعالم حالهُ حال الدّين الذي بقي في مُجملِهِ مُعاديًا للفن ، ليس بوصفِهِ ” حرفة وديكور جميل ” مثل ما يحدث ُ في بلدان المشرق العربي التي تتعامل مع الفن بهذا الوصف حتى لا تقعَ في التضارب بين رؤيتين متضادتين كالزيت والماء ، وهذا ما يجعلني أسلّطُ الضوء على مصطلح ” التزييف” و ” الخداع الساذج” للمتلقي البسيط . وبنفس الأساليب يقعُ التعتيم على وظيفة الفن و جعلِهِ مبتذلا وخائبا ومنبوذا أيضا في بقية دول العالم العربي ( تونس والمغرب…) وذلك لاضطلاع المؤسسات الرسميّة بفرعيها الثقافي و الأكاديمي بدور عند السلطة ،التي تحافظ على بقائها عبر بقاء الوعي مصابا بلوثةِ الابتذال . ثانيا وهو الشيء الذي يظهرُ جليّا ، دخولُ رجال الأدب على خط النقد الفنّي باعتبارهم قادرين على توظيف البلاغة في الوصف والتأويل ، وهو أيضا نوعٌ آخر من الانزياح وعدم ملامسة جوهر الأعمال الفنّية بوصفها منفى حقيقي للمبدع وإن كان ظاهريّا وجسديا غير مغتربٍ . وبهذا يغتصبون الأعمال الفنّية عبر تحليلها بأدوات الشعر والرواية ! ولا يستقيم هذا الطرح إلا بوصفهِ مُساعدا على تسميم التذوق الجمالي للفن . ونكونُ بذلك أمام صورتين للناقد التشكيلي العربي فإمّا مُحلّلٌ ومقوّمٌ بوصفِهِ كاهنًا ، أو موظفًا لدى السلطة ومكلّف بهمّة افساد الوعي الجمعي أو المحافظة على بقائهِ فاسِدا . حيث يُعرّف الفيلسوف البريطاني روين جورج كولنوود الفنّ على أنه ” الدواء للمجتمع من أسوأ أمراض العقل، ألا وهو فساد الوعي ” .
إن محاولة الفنّان العربي التماهي مع الحركات الفنّية العالميّة لم تجعلهُ مِنهُمُ لأسباب كثيرة . أولاها، عدم إدراكِه العقلي لحركة تاريخ الفن الأوروبي وعمليّة التراكم المحكم منذ القرن السابع عشر ، إذ لا تكفي التقنية وجَودَةُ البناء التشكيلي حسب تقديري لإنتاج عمل إبداعي حقيقي مهما بلغت الدقّة منتهاها ، وذلك لغياب الخصوصية والطابع الفني أولا ثم الغاية أو الهدف من وراء ذلك ، إلاَّ إذا تناولنا المسألة من منظور الليبراليين العرب الذين خرّبوا الفكرة وجعلوا الفن في عزلة حقيقيّة عن واقعِه باعتباره ” فعل مقاومة ” . مقاومة كل شيء لا بوصفهِ “لَعِبًا ” و” تسلية ” عبر تكريس مقولة ” الفن لأجل الفن !” كممارسة عُلوِيّة تُفقدُ الفن منزلتهُ الأم . ويذهبُ الفيلسوف الفرنسي أندريه مالرو (1901- 1976) إلى كون الفن هو ” الشيء الوحيد الذي يُقاومُ الموت ) . ولعلّ تفشّي لوحات المدرسة الانطباعية والواقعية في كامل مجتمعات العالم هو انعكاس حقيقي لهذه المقولة وهي إن كانت حسب ” فنّانينا” مجرّد سطحيّة تعكس هشاشة الوعي ، فهي بالضرورة تغطيّة على فشلهم الكبير في انتاج وعي سليم يحب الحياة باعتبارها نقيضا للموت بأشكالهِ المتعددة .

                    النحات علي الجابري،سلطنة عمان


ويجبُ التلويح والتنويه إلى كون مجمل الأعمال الفنيّة في العالم العربي هي أعمال ” ديكور ” تخضعُ لذوق عامّي ولقانون الهندسة ، فارغة من ( الوعي والحرية والإرادة ) أعمال عقلانيّة موزّعة داخل قاعات عرض معروفة ، أعمال تزيينيّة لواجهة إعلام السلطة ، لكن الفن الذي هو جدير بالوجود مازال بعيدا عن متناول النّاس ، فن القضيّة . فن مقاومة الموت ! ومن هذا المبدأ لا يمكنُ النّظر إلى الفنون التشكيلية العربية إلا بوصفِها ماكينة لصناعة الوهم الخالي من الجنون الهادف . ” إن العمل الإبداعي في الواقع ليس مقترنا بالجنون ، الجنون في حد ذاته ، بال بالغرض من وراء هذا الجنون ” (جيل دولوز). لكن بأي وجه قد نجيب دولوز اليوم ، بفنون ترتكز على لجنة شراءات من وزارة ثقافة تضع الأعمال والمقتنيات ( أغلبها خاضع لمبدأ العصاباتية والمحاصصة والرشوة) في قبو مهجور ! أم نقابلهُ بثقافة الجنون التي تتكئ على مرفق الإمارات كداعم رئيسي للفنون التشكيلية التي تراعي مشاعر المسلمين ! أم بفنون تصدر عن بيادق طلعوا من أيادي بيادق يتحدثون عن الفعل الإبداعي داخل قاعات لا يدخلها سوى من يرغبون في دخولهِ ! لا يستطيعون الإجابة عن أسئلة أقل من عاديّة ولكنهم احترفوا التضليل والتمويه . أعتقد أن الفنون التشكيلية في تونس بشقيها الثقافي الخاضع لسلطة الاشراف و الأكاديمي ، هما مجرد إشاعة عمرها قرن من الزمن !
وحين نتحدث عن تونس ، معناها الدّولة الرائدة والسّباقة في المشهد الإبداعي (المزيف) والذي نعتقدُ أن الوقت قد حان تمامًا لتجديد النظر في هذا التلاعب المقصود بالمستقبل الثقافي للشعب التونسي الذي لا يستفيد شيئا من هلاميات وأشباح لا يعرف منها سوى هؤلاء الذين يكتبون على الجدران ويلوّنُون الحيطان ويُشهِرون قضاياهم ويصنعون من كل شيء محملا لقضاياهم (غرافيتي) ، ولعمري هو الفن الحقيقي الذي نحتاجهُ اليوم بعيدا عن المزايدات الجماليات الفارغة المصبوغة باللغة البلاستيكية التي يتداولها العامّة، والمتسربلين بلحاف الفن أمام الشاشات وفي صفحات المجلات الثقافية المشبوهة . وداخل القاعات التي لا يدخلها أحد . والحق أن الفن يموت داخل قاعات العرض .
يقول بيكاسو :” إن المسمار في الجدار الذي تعلّق به اللوحة يقتل التصوير ، واللوحة تحمل المغزى الذي لدى الفنان واضعُها. وفي اليوم الذي يشترونها فيه ويعلقونها في الجدار ، تكتسب مغزى آخر تماما ويسقط التصوير”.
توقّفنا عند معضلتين هُما في الأساس سبَبُ أزمة التشكيل في تونس والعالم الثالث ، أزمةٌ تِقنية تعودُ لفراغ في تكوين المبدعين ثقافيّا باعتبارهم مجموعة من الحرفيين الذين أنتجتهم ماكينة وزاريّة تُطبِّقُ التّجهيل وتكرّسُهُ ، وانعدام النقد الحقيقي الذي هو عمليّة تقويم لكل اعوجاج ونظرة تحليليّة ثاقبة تقوم على أسس علميّة في الدّرجة الأولى ثم فلسفيّة خالصة حتى يعود الفن إلى وظيفتهِ الأصليّة ” مقاومة الموت و معالجة فساد الوعي ” . ويبدو أن الحلم بالفن الذي يقاومُ مازال بعيد المُنَى . فقط ، نحن نقف إزاء فنون تشكيليّة متأخرة في الزّمن والفكرة ، فنون تشكيليّة مدرسيّة، تحافظ على موقعها كممارسة برجوازيّة وترفٌ فكري !!! هذه الفنون التشكيليّة التي لا تطرحُ علينا أعمالُها أي سؤال ، ولا تتعدد قراءاتها . خالية من الدّهشة ومن الترميز وهذا ما يتضاربُ مع رأي “أمبرتو إيكو” الذي يرى أن العمل الابداعي يجبُ أن تتعدد الآراء حولهُ .
وكيف يحصلُ ذلك ونحن أمام فنون تشكيليّة رسمية ترتدي ربطة عنق وتتحدث مع العالم من فوق سحابة من وهمٍ !

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.