هواجس العالم العربي المعاصرة

img

 

بقلم :محمد عبد الكريم يوسف

حتى نفهم ما يجري الحالة الجيوسياسية الشرق الأوسط  وشمال أفريقيا في القرن الحادي والعشرين علينا أن ننظر بعين ناقدة متبصرة لما حدث في القرن العشرين من إرهاصات مادية وفكرية وعقائدية ودينية .

ينصرف الكثير من المحللين السياسيين لدراسة أسباب الاضطرابات السياسية والعنف والحركات الانفصالية في أكثر من مكان من العالم العربي في الجانب الأسيوي والأفريقي . وخلال السنوات الماضية وحتى اليوم وجد الباحثون والمحللون السياسيون سببا واحدا أو سببين للمشكلات التي يعاني منها العالم العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .

في الحياة المعاصرة ، يرمي الباحثون اللوم على الاختلاف السياسي بين البلدان العربية إذ لا يتشابه بلدان في نفس صفات الحكم أو السياسة أو الميل العام . إن ما يوحد بين شعوب العالم العربي هو الفقر والفاقة والجهل والحرمان والاختلاف بسبب الدين . وهناك دائما انفصال  فكري وعقائدي واقتصادي بين الحاكم والمحكوم في هذه الدول . هذا الوضع كرس الحالات المستعصية في العالم العربي وأججها وأوصلها بالتدريج إلى حالة الغليان والانفجار .

في الغرب يعاني المواطن الأوروبي والأمريكي من ارتفاع الضرائب والمدفوعات للحكومات والأجهزة البلدية ولكنه في المقابل يتلقى أعلى مستوى من الخدمات والتعليم  أما في العالم العربي فيدفع المواطن أعلى الضرائب والمدفوعات للحكومات والبلديات ( قياسا بدخله ) لكنه لا يتلقي أي خدمات تذكر إلا ما يفرضها التطور الطبيعي للحياة قسرا وجبرا .

هناك عدة هواجس تسكن العالم العربي بدأت في القرن العشرين ولازالت أثارها مستمرة  حتى اليوم وربما كانت هذه الهواجس سببا للفوضى العارمة التي تعيشها منطقتنا اليوم . وتتوزع هذه الهواجس بين داخلية وخارجية ، بين نفسية وفيزيولوجية، ويمكننا أن نلخصها بما يلي :

هاجس نابليون بونابرت : الذي قام بغزو مصر في عام 1798 أي قبل 200 عام من الآن ، وهو بداية التدخل الأجنبي العسكري في العالم العربي والذي تلاه موجات من التدخل الفرنسي والانكليزي والايطالي والألماني والهولندي والبرتغالي . ثم تحررت بلدان العالم العربي شكليا في وقت من الأوقات وبقيت تابعة بطريقة أو بأخرى للدول التي سيطرت عليها . وقد وصل هذا الهاجس إلى نقطة الأوج في القرن الحادي والعشرين وتحديدا مع التدخل الأجنبي الخارجي في سورية منذ /9/ سنوات حيث نجد عشرات القوى الدولية الناشطة على الأرض السورية مباشرة أو بالوكالة في حرب كونية معقدة متداخلة مركبة الوسائل والأهداف والغايات .

لقد عانى العالم العربي خلال القرنين السابقين من التدخل المستمر بشؤونه الداخلية عسكريا وسياسيا . لقد كان التدخل الأجنبي في شريط دول الخليج العربي سياسيا بحيث تم تركيب حكومات مستقرة متوارثة محمية من الخارج ولم يتغير عليها إلا صاحب النفوذ بشكل سلس وتلقائي من البرتغالي إلى الهولندي إلى الانكليزي إلى الفرنسي إلى الأمريكي. أما في  الجزء الشمالي من العالم العربي فقد كانت السيطرة عسكرية مباشرة ربما بسبب صراع القوى المنافسة على النفوذ ( الدولة العثمانية – إيران – الإمبراطورية الروسية – فرنسا – ألمانيا – انكلترا – ايطاليا )  . لقد كانت ظروف العالم العربي خلال القرنين السابقين مُرّة لا تنسى عانى من خلالها المواطن العربي الكثير من الويلات والألم ولا يزال .  هذه الأجواء الضاغطة جعلت العالم العربي من أكثر الدول في العالم إنفاقا على السلاح وسوقا تجارية للأسلحة التي تنتجها القوى الدولية المتنافسة .

هاجس تيودور هرتزل و آرثر جيمس بلفور : لقد خلقت أعمال هذين الرجلين الكثير من العداء والدم والألم في العالم العربي وأسسا لقرن من الصراع بين الصهيونية المتطرفة والقومية العربية . ولا يزال هذا الصراع جرحا نازفا في قلب العالم العربي وعائقا أمام التطوير والتحديث والحصول على الحريات والاستمتاع بالمواطنة الكريمة نظرا لغلبة الإنفاق العسكري على الإنفاق السياسي والحضري والاقتصادي في معظم الدول العربية  . وكنتيجة لذلك ساد الجهل والتخلف والرجعية في دول المنطقة وصار لزاما حتميا أن يصل الجيش إلى السلطة ويحل محل الحكومات المدنية لدواعي عسكرية وأمنية ولوجستية . لقد ولدّ الصراع العربي الصهيوني ظروفا داخلية قاسية واقتصادية أكثر قسوة وتنازع العقل العربي رغبتان ، الرغبة في الاستقلال والحفاظ على دولته بأي ثمن والرغبة في الحياة الكريمة وكلاهما مُرّ المذاق عسير الهضم . يضاف إلى ذلك تشريد ملايين الفلسطينيين في بلدان العالم العربي وسياسة التهويد في الداخل وسياسة هدم المنازل . لقد ولدّ التدخل الخارجي وعلاقات الأنظمة العربية بالخارج مواقف ومستجدات دولية كثيرة على الساحة المحلية فالكثير من الحكام العرب يقيمون علاقات سرية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وفي كل مؤتمر للقمة العربية يظهر للناقد العربي عدم وضوح الرؤية والتباس المفاهيم تجاه الوجود الصهيوني في فلسطين بين راض ورافض ومحتار لا يعرف إلى أي جنب يميل . الخطير في أمر هذا الهاجس هو أنه لا يزال ناميا متكاثرا مثل الخطر السرطاني في العالم العربي تارة تراه في الخليج وطورا في مناطق الأكراد ، وتارة أخرى في شمال أفريقيا على شكل تعاون أمني استخباراتي أو اقتصادي أو استشاري.

هاجس مصطفى كمال أتاتورك : مصطفى كمال أتاتورك ضابط عثماني بنى تركيا ويعتبر الأب الروحي لتركيا الحديثة بناها على أساس أن تكون نموذجا للدولة القومية العلمانية في الشرق الأوسط . إلا أن هذا النموذج من الدولة القومية لم ينجح لا في تركيا ولا في أي من دول العالم العربي . في تركيا انقلب الإخوان المسلمون على النظام العلماني على الطريقة البريطانية (بدون دماء ) و شنوا حربا لا هوادة فيها ضد القوى التركية التي تخالف الإخوان المسلمين الرأي وفي العالم العربي دخلالإخوان المسلمين مع الدولة العلمانية في حرب لا هوادة فيها على الطريقة الفرنسية ( حافلة بالدماء والموت ) . يضاف إلى ذلك فشل النموذج العلماني في العالم العربي في بناء أجواء الثقة بين الدولة والمواطن وفشله في تقديم الخدمات المادية والعلمية التي يتوقعها من دولته . وتعاني معظم دول العالم العربي من الخلافات السياسية والاقتصادية والدينية وعلى حافة التفتت والحروب ، وحدها الحكومات التي يقودها الجيش هي القادرة على تجميع النسيج المتداعي ولصقه بالقوة يرافق ذلك انعدام الحريات العامة والحقوق السياسية للمواطنين .

هاجس جمال عبد الناصر : قام الضابط المصري جمال عبد الناصر بثورته في عام 1952 التي مهدت لشرعية الحكم العسكري في العالم العربي ومنذ ثورة ناصر كثرت الانقلابات العسكرية في معظم الدول العربية كما حدث في العراق ومصر وسورية واليمن وليبيا والجزائر وتونس والصومال وبعض الدول الأخرى . ( انظر لعبة الأمم ، للسفير مايلزكوبلاند) . وقد نجم عن الحكم العسكري في معظم الدول العربية شراسة غير مسبوقة من الإخوان المسلمين تطورت إلى حرب دموية على البشر والحجر كما حدث في مصر واليمن والجزائر وسورية . لقد حولت الانقلابات العسكرية دولها إلى ركام ميت لا حياة فيه واليوم وبعد ثمانين عاما على بدء الانقلابات العسكرية في العالم العربي صار المصدر رقم /1/ للاجئين والإرهابيين . لقد صدر العالم العربي الكثير من الإرهابيين  المأجورين للعمل في أفغانستان تحت شعار محاربة الشيوعية بدعم من الغرب . ثم انقلبوا وحاربوا الولايات المتحدة ، ثم صدروهم إلى الصومال والسودان وليبيا وسورية وحاليا هناك ردة للإرهاب نحو الدول التي أتى منها .

هاجس مارغريت تاتشر ورونالد ريغان :اللذان أطلقا رأسمالية السوق الحرة الجامحة في بداية الثمانينات من القرن العشرين . لقد أثارت هذه الرؤية الاقتصادية نوعا من العولمة الاقتصادية التي تقدر الحراك المالي الدولي والأرباح على حساب العمال ورفاهية المواطن . وقد انتقلت هذه النزعة بسرعة إلى العالم العربي وساهمت في صناعة السياسات الاقتصادية العربية على حساب المواطن العربي . لم تعمل الحكومات العربية على تأسيس اقتصاد جاد في أي من الدول ولم تفعل السوق العربية المشتركة أو مبادئ التكامل الاقتصادي العربي وحتى الدول الغنية ( الخيلج العربي ) غرقت في الديون لصالح البنك الدولي وبالتالي لم تستطع الدول العربية مقاومة مطالب القوى العالمية بتحرير الاقتصاد المحلي العربي لصالح رأس المال العالمي . وكانت النتيجة المتوقعة وهي عجز أي من الاقتصاديات العربية عن تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها وإنما تعتمد بشكل بائس على المساعدات الخارجية النقدية من الأصدقاء والمؤسسات المالية الدولية  في حين يعاني الموطنون من تدهور ملحوظ في القطاعات التعليمية وتخبط في أسواق العمل التي تهيمن عليها الطرق غير الرسمية  والعلمية والفقر وتزايد الفوارق بين الأغنياء والفقراء .

هاجس إيران :نجحت الثورة الإسلامية في إيران في تسلم الحكم من نظام الشاه في عام 1979 من القرن العشرين . وفشل الغرب حتى الآن في احتواء الثورة الإسلامية وتطويعها في كنف الغرب . وفي هذه الأثناء ، عملت إيران على دعم المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وفي غزة . كانت المقاومة اللبنانية متنوعة المشارب تضم جميع أطياف المجتمع السياسي والديني اللبناني  أما في غزة فكان الانتماء الأيدلوجي للمقاومة ينتمي لفكر حماس والإخوان المسلمين. وعندما فشل الغرب في احتواء إيران وفشل الإدارة الأمريكية في إدارة أزمة الرهائن بدأ بتحريض العرب على إيران وتضخيم الخطر الإيراني رغم أن الخطر التركي يوازي الخطر الإيراني تاريخيا . وبدأت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت سنوات واستنزفت مقدرات بلدين جارين بتحريض خارجي دفع فيها العراق وإيران ودول الخليج الكثير من الضحايا والمال والخلف والمشكلات الاقتصادية . وكان المواطن العربي ضحية حرب عبثية لا هوادة فيها انتهت باتفاق سلام بين البلدين وحاليا حلفين ضد المصالح الغربية . وكان الرابح الوحيد من تضخيم الخطر الإيراني على المنطقة العربية الغرب والولايات المتحدة وبحجة هذا الخطر كثرت معارض السلاح وشحنات السلاح إلى العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه . في حين خسر المواطن العربي إمكان صرف هذه المبلغ المالية على تطوير البني التحتية الزراعية والصناعية .

هاجس التطرف : تعود جذور التطرف  في العالم العربي إلى الخلاف العقائدي الذي ساد العالم الإسلامي بعد وفاة الرسوم الكريم  فانتشر التفسير والاجتهاد والمدارس الفقهية  وبدل أن تصبح مصدرا ثريا للغنى الفكري صارت مدارس تبث الكراهية والفتاوى والأحقاد وانتشرت مدافع الفقهاء تدك استقرار المنطقة من كل حدب وصوب وانتشر التكفير وعدم القبول بالرأي والرأي الآخر . عصف التطرف بالمنطقة العربية وكان أخر الحركات المتطرفة الدولة الإسلامية في العراق والشام التي بنت معظم أفكارها على قيم متطرفة وحللت لنفسها المساس بحدود الله . وصار الإرهاب الديني أحد الهواجس الخطيرة التي تقض مضجع العالم العربي .

وهناك اتجاهات فكرية عديدة عصفت بالعالم العربي في القرنيين الماضيين  مثل الاستثمارات النفطية  التي رافقها الكثير من الحروب والعنف والعنف المضاد وارتفاع معدلات النمو السكاني والضغوط المجتمعية والبيئية والعادات والتقاليد.

لقد ساهمت هذه الهواجس إلى حد بعيد في زعزعة الاستقرار في المنطقة ومن الصعب فصل هذه العوامل عن بعضها إذا أن الروابط فيما بينها معقدة ومركبة إلى حد بعيد ويستحيل فصل المصالح المحلية عن المصالح الاستعمارية الدولية  وهذا ما يعيق جدية بناء الدولة العصرية الحديثة والمستقرة والمنتجة ذات السيادة  .

المراجع

https://www.history.com/topics/france/napoleon

Five Ghosts That Haunt the Arab World

https://embassies.gov.il/san-francisco/AboutIsrael/Pages/Iranian-Threat.aspx

https://knesset.gov.il/vip/herzl/eng/Herz_Zion_eng.html

https://www.csis.org/analysis/trends-islamic-extremism-factors-affecting-future-threat

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.