همس الموت- عثمان الهاسوتة

img

همس الموت- عثمان الهاسوتة

 

انتابني بينما رحت أتجول في أزقة مراكش شعور بالغوص في سائل بطيء. في شوارع مراكش التي عبرتها بتثاقل، أنظر إلى الدروب و الشوارع التي أفرغت من الحياة. بقي ما هو راسخ و باشرت في كتابة تاريخ جديد. تاريخ وشمه الوباء.

 بين الدروب صرت أتوغل في كون كان في كل مرة أكثر سيولة و زعزعة و لزوجة. كان إحساسا يتخطى المادي، يمكنه تصنيفه بأنه إحساس بوجود مشاعر أخلاقية. و بالرغم من ذلك كان ماديا، و جسديا أيضا. كنت أرى في المراحل المستقبلية المتتالية التي تجتاز الزمن بفحش، تحولا غير مسبوق يؤثر على البلدان و المدن، حيث معالمها المستقبلية أقل ثباتا و أكثر مرونة و ضبابية. فمراكش الميتة هاته تغوص في مستنقعات الزمن التي تعكّر الحدود بين الأمس و اليوم. تجعل جسدي محكوما بأن يسلك نفس الطريق الزمني الوحل، و يشهد على ميلاد طفرة زمنية سمتها الوباء و الموت، و أن ينحلّ في المياه الآسنة ذاتها. اعتقدت أني أري العلامات الأولى: صدأ مجهول يكسو الأحاسيس، انتقال مراكز جاذبية الإرادة. كان اليقين يفقد ماهيته، بينما الخيال يصبح أكثر حدة. لكن خفة الجسد تتمثل في المضي بعيدا عن قيود الحاضر و ما يمكن ادراكه بشكل مباشر. إن تولي إغراء ما لا يمكن ادراكه كان السمة الأساسية في حالتي الجديدة. 

تصورت أن شيئا غير عادي يحدث حين رأيت عددا من الناس مكتظة أمام أبواب إحدى الأسواق التجارية. يدخلون و يخرجون في جنون فاحش و كأنّ ذلك الباب وكر نمل و قد استشعروا خطرا يحدق بهم. كان التشوّش كبيرا تختلط فيه الجلبة بأصوات مكبرات الصوت المعدنية المعذبة التي تعلن نفاذ بعض المواد الغذائية. لم تكن فوضى اللغات من جهة أخرى تحسن الوضع، سرعان ما كان سيتحول هذا المركز التجاري لبابل صغيرة، لكنها نشطة تخترقها بضع لغات. كانت اللغة السائدة هي الدّارجة، رغم أنهم كانوا يتكلمون بالفرنسية و الإنجليزية و الإسبانية و لغات أخرى، خاصة لسياح علقوا بمراكش و لم يتمكنوا من مغادرة المغرب بعد إغلاق الحدود و إلغاء الرحلات الجوية. 

لم أستطع الحصول على ما جئت من أجله للسوق التجاري، فتركت المتسوقين شرهين للحصول على معلومات كافية لسبب نفاذ المواد داخل السوق. كانت المعلومات بين الحشود أكثر تنوعا. بدؤوا يتحدثون عن اعتداءات في المطار لسياح يهاجمون الموظفين خلف المكاتب بسبب الغاء الرحلات الجوية بغتة، أو عن مراكز تجارية كبرى و قد انتشر فيها الفيروس انتشار النار في الهشيم. لكن الشيء الوحيد الذي كان يظهر في كل مرة أكثر وثوقا هو أن السلع و المواد المعروضة في كل المحلات قد نفذت، و على الكل التهافت من اجل تخزين ما استطاع شراؤه من المواد لأجل قد يطول او يقصر تبعا لدرجة استفحال الوباء في البلاد. راحت درجة الإستنفار تزداد كثيرا مع التأكد ان التزود بالمواد لن يحصل إلا ليوم غذ، و أن التجول قد تم حظره من طرف السلطات العامة، و أنه يعاقب كل من ضبط متجول لسبب غير مقنع. مهما يكن الأمر، فقد استبدلت، منذ برهة، الإنزعاج بالإذعان، و بدأت أستبدل الإذعان بشعور آخر، مشوش قليلا، ينطوي على قبول، لا يخلو من الراحة بمقاصد القدر. فبما أنني لا أستطيع شراء ما جئت من أجله فحتما لن نموت جوعا. و الأهم أن نعرف كيف نتعايش مع الوباء. ثم باغتني شعورا آخر، شعور بالخوف، أو بالأحرى لعلّه لم يكن الخوف بل نوع من الرعب و إحساس بالنفّور من كل ما كنت أشاهده. جميع هؤلاء الناس الذين يمشون بأعداد وفيرة، و ذلك الحشد المتضامّ، و تلك الوجوه، و تلك النظرات و ضجيج الأصوات، و تلك الصرخات، و تلك الأيدي التي تلامسك و تضربك. هؤلاء الناس و كأنهم قد جاؤوا من عالم آخر، و كأنهم قد انبثقوا من عمق الأقباء الرّطبة التي تشبه المغارات، و قد تلطّخت وجوههم بالظّل. 

كان شهر أبريل موزعا بين البرودة و السخونة. السماء تمطر و الليل يخيّم باكرا. و كان الليل كأنما يتصاعد من جميع نوافذ الحافلة و بابيها، ليكتسح أزقة المدينة العتيقة. عندما غادرت السوق، حاملا حقيبة ظهر و كيسا بلاستيكيا توجهت مباشرة للحافلة التي أقلتني للمنزل. 

عند عتبة البيت فتحت أمي الباب ثم صاحت في وجهي بجنون: انزع حذائك قبل الدخول للبيت.. هل آتيت بالمُعقّم؟ المُعقّم؟” أومأة برأسي إيجابا لأني لم أستطع الإتيان بالإجابة. كان يخيّم على المنزل غمامة تجعل المنزل و كأنه حمام تسكنه أشباح تظهر و تغيب حسب مدّ و جزر البخور الذي يتأوّد تحت مصابيح البيت. كان يعمّ به استنفار واضح. الكل يستنفر أصل هذا الشبح الذي جعل العالم سفينة واحدة ان غرقت غرق كل راكبيها. و لعل السبب الأول و الأخير الذي كسى صفحة العالم هو الخوف من الموت الذي صار أخيرا مستعصيا عن العلم و التكنولوجيا. 

كان النشرات التلفزية نافذتنا الوحيدة عن أخبار الوباء و مدى انتشاره. عند العشاء يبدأ شريط الذاكرة في الدوران. صور لا تتجزأ عن ماض قريب / بعيد تظهر فيه الحياة أبعد ما أمكن عن لعبة الموت. يستحضر الوالد عام “البون”، حينما كان الكل يتسوق خبزا أسود ب”البون”. تستحضر والدتي الكوليرا و ما كانت تحصد من أرواح. يستحضرون صمود الرجال أمام أهوال الزمان: أمام الجوع و بطش المخزن، أمام الأمراض و العفن و الأمية. يستحضرون الحياة و الأمل ثم تذوب حناجرهم عندما ينتهوا إلى ما وصلت إليه نهاية العالم. عند هذا الحد ينقطع شريط الذاكرة و لا يستأنف صوره إلا همسا من أذن إلى أخرى. لعبة التذكر مسلية لكنها مرعبة أحيانا.

يتحدثون عن الموت، و يسترسلون في ذكر ما اقترن به – و بإسمه – من أحداث. اتساءل ما الموت؟ و كما يبدو لي، فإننا كما عرفناه و كما حدثونا عنه، فإن جانبا “جوهريا” من شخصيته ظل غائبا، أو بالأحرى، ممتنعا عن الإستحضار.. أقصد تلك العلاقة التي يجب ان تكوّنها ذواتنا مع الموت و مع أشيائه.. مع ألم الفقدان. فنحن جميعا عرفناه من خلال أناس حصدهم الموت، و عبر الصورة التي كوّنها الآخرون عنه، و ربما التي كوّنها هو عن نفسه من خلال الناس. و لعلنا شكلنا تلك الصورة عنه مستبعدين إراديا صورتنا معه. اتساءل: هل نسيان الموت و نسيان من رحلوا عنا هو الذي يسعفنا على أن نقيس التبدلات الطارئة عن النفس، و على أن نلتقط اشاراته قبل ان تعرب عن نفسها بالكلمات؟  

الذين حدثونا عنه عرفوه في فترات طالت أو قصرت. و هم يحاولون استحضار ملامح و ذكريات عنه. يفعلون ذلك بهاجس فهمه.. قد لا تكون كلمة “فهم” هي المقصود، لأننا، في النهاية، لا نفهم الموت و لا نقدر على فعل ذلك. إنما نكوّن عنه صورة تتناسل و تتمايز عبر التلوينات التي تضفيها الذاكرة كلما تباعدت مسافتنا عنه. 

في احدى صباحات الحجر السوداء استيقظت العمارة على مشهد فاحش لجارة في الستين من عمرها ألقت بنفسها من سطح البناء ذو الست طوابق. لم يكن الحادث إلا تجزيء لمشهد متكامل ظل تصور الناس له يتضخم حتى صار علامة كبيرة عن غضب الإله.. أو بلأحرى عذاب انتظار الموت. السيدة الستينية التي اقترن عندها الوباء بالموت لم تستطع انتظاره حتى يجيئ إليها فآثرت الذهاب إليه. الإنتظار يقتل.. و النفوس تضيق كل يوم. 

***

استبدت بي فكرة الإختلاء بنفسي و البحث عن ذلك العطب المفاجئ الذي حولني إلى جثة تطفو فوق أديم الحياة. الإنعزال، الخلوة، الفراغ: كلها كلمات كانت تشكل في داخلي ضجيجا عاطفيا و أنا أسعى إلى أن أبحث عن نفسي عبر شريط التذكر؛ عازلا تلك الشهور و الأيام و اللحظات الضاجة من هموم الحياة المستمرة، و لتكون لي نافذة استنشق من خلالها نسيم الحرية و الحركة. 

***

بعد سنوات من الحياة الزوجية، تقلّص رصيد والديّ من الحب و الرغبة في الإستكشاف و القدرة على التعايش مع بعضهما، فلا يجدان كلاما يجمعهما كواحد. كان كل واحد يهرب من الآخر عبر سيرورة الحياة و حركيتها و همومها. تدريجيا في فترة الوباء عادا ينسجان خيوط الذاكرة عبر ما عاشه آخرون في فترات أزمات ضربت المغرب تشبه لحد ما ما يعيشه مع الوباء. ثم تتشابك تدريجيا خيوط الذاكرة و ترتبط ببعضها كشبكة عنكبوتية تنجلي معها الأحلام الزئبقية و يتبعثر معها الكلام، ثم يعودان يطوفان فوق مياه آسنة لا يستطيعان على إثرها الإقتراب من بعضهما. كانت الأشياء الكثيرة التي عاشاها تبدو مختلطة تكوّن ما يشبه غلائل حاجبة للرؤية. 

تبيّن لوالدي أن أمي سعيدة في أعماقها بذلك التاغم الإجتماعي الذي لا يترك لها وقتا لنفسها أو لزوجها الباحث عن صيغة ملائمة للحياة في وسط جديد. أثناء اجتماعنا على سفرة المائدة، يختزن جسد أبي و حواسه طاقة خارقة تستطيع ان تشيّد جدارا سميكا يفصل بينه و بين جنود عزرائيل. يظهر له في تلك اللحظات أن الأبدية حلّت بيننا فيعود مبتسما، ضاحكا. يزحف نحو السبعين من عمره، لكنه عندما يستيقظ صباحا و يشرب قهوته و يستمع إلى بعض النغمات الموسيقية يحس أنه في منتهى العنفوان و الحيوية. تلك اللذات الصغيرة التي يقبل عليها بهفاوة تنسج في حذاقة انجذابا للحياة و نسيانا للموت. غير أنه عندما يعاود الإندماج في الحياة و في الجو الأسري، يطالعه شبح الكابوس الساكن بقراره، فيستعيد صلابته و شراسته، و يقول في نفسه: “إن هذا هو ما ينغّص علّيّ حياتي و يهدّد دوام لحظات الغبطة و الفرح، و يجعلها تروح باهتة عابرة”. 

 كابوس الوباء الذي أصبح يشوّه و يهدّم كل اللحظات و المراحل الذي أحسّ فيها أبي أنه كائن بارز يتحدى العدم و منطق الموت و الحياة، صار أمامه، و معه، يحس بالضآلة و العجز الشديدين. يتخيّله و هو يهزأ بكل ما علّمته الحياة و ما ارتبط بها من جمال و مسرّة. في مرحلة الإنكسار و الفسولة هاته، قلّما خلد ذهنه للراحة. تجده يتابع الأخبار أو فلما ما، فيخاطب شخصا لا مرئيا بنبرة تتزايد تدريجيا: “من أين نأتي نحن بالمال في ظل اللعنة التي أصابتنا ! قولوا لي كيف؟”. فننظر إلى أحدنا الآخر غير مصدقين إن كان أبي يخطو نحو الجنون، أم أنه مجرد ضيق في الخاطر و قلة الحيلة. 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: