هل يَقوم العيش معًا، ضرورةً، على تماثل البشر؟ ريتا هلايلي – تونس

img

هل يَقوم العيش معًا، ضرورةً، على تماثل البشر؟
كان لِزامًا عليَّ أن أَكتبَ، لأن قبل البكالوريا وقبل الأعداد، وقبل هذه السنة التي اقتحمتْ فيها الفلسفة كياني وشكلتني إنسانًا جديدًا كنتُ أُعاني مرارةَ هذا السؤال، وأَتخبطُ فيه، وكنتُ أحملهُ في قلبي وفي ذهني كصرخةِ نمرٍ يحتضرُ يتيمًا في الغابِ لأنهُ لا يُشبهُ أَحدًا ولا يُماثلُ أحدًا.
اليوم، وعلى غير عادتي عدتُ إلى البيتِ بعد فرض الفلسفة والقلق يلتهمني، ليسَ لأسبابٍ دراسية، وليس للأمرِ علاقة بما أَنجزتهُ بالفرض وفقَ معايير أَكاديمية خاصة، بل،وعلى ما يبدُو، لأن السُؤال استفزني أَكثر من المُفترض، وربَّما قد أَكونُ حمَّلتهُ ما لايُحتملْ. هو مُجرد فرضٍ وانتهى، بيدَّ أن الهاجس لا ينتهي، ولا يهجعُ ولايستكينُ إلا إذا قَدمتَ لهُ إجابة شافية.
هل يَقتضي العيشُ معًا، بالضرورةِ، تَماثلَ البشر ؟ هل تُصييرني نسخةً مطابقة للأصل لفكركَ وطُموحك و تَدفقات وعيك ولاوعيك أو تَرفضني رفضًا قاطعًا ومقيتًا فقط لأنني شَكلتُ ذاتي كما أردتُ لها أن تَكون، بعُقدها وأحلامهاَ وغاياتها ورهاناتها ؟
هل تَفرضُ على جسدي معاييرك الجمالية التي رأيتها في “معارض الأجساد” وعلى الشاشاتِ الكُبرى فصار لِزامًا عليَّ أن أُشبهَها وأن أخضعَ للأسس المرفولوجية ذاتها التي يخضعون إليها وإلا صرتُ جسدًا قبيحًا مشوهًا فقط لأنهُ لا يستجيبُ لشروط الصورة المألوفة ولا ينخرطُ في لعبة السوق التي تُصنعُ الأجساد وفق لعبة إستهلاكية إستعبادية، تُقصي الجسد حَالما “يُخربه التاريخ” ؟
أتفرضُ عليَّ أن أُماثلك الطموح والأهداف، فأَتخصصُ في دراسةِ الرياضيات أو الفيزياء أو علوم الطبيعة أو علوم الفلك أو التكنولوجيا وإلا صرتُ “تحفةً أثرية” قديمة ومُستهلكة لا تنتمي إلى عصرِكَ فيكونُ من المُسلمِ به، بل ومن الضروري إقتلاعي من الحياة؟
هل يَجبُ عليَّ أن أَحملَ في عُنقي صليبك، أو ألبسَ برقعك، أو أُغطي “مفاتني” بحجابِك، أو أَحمل في قلبي توراتك أو أُحاكي صنمكَ كي تَقبلَ بي على هامش الوجود وإلا صرتُ لعنةً على مُعتقدِكَ؟ ولو حملتُ كل هذهِ الأشياء لأضحى الجنونُ سمتي وهويتي..
هل يجبُ عليَّ أن أنتمي لبلدكَ؟ أن أُمزقَ هويتي التي أُحب؟ أن أَخونَ الأرضَ التي لها انتميتُ مصادفةً ولكنني أُعجبتُ بالمصادفة واقتنعتُ، وإلا صرتُ كائنًا يترقبُ شفقتكَ، وينتظرُ أن تُهديه رغيفًا هو ملكُ الأرض؟
هل عليَّ أن أُماثلك لونَ العيونِ وبريقها وأن أنظرَ للقَمر الساطعِ ذَاته الذي تَنظر إليه، وأتجاهلُ ملايين النُجوم التي تَعصفُ بقلبي، وإلا صرتُ إنسانًا كفيفًا؟
أعليَّ أن أطمح، كما تَطمحُ، إلى عطلةٍ أسبوعية في الفضاء؟
أعليَّ أن أتلونَ بلونكَ كي أحصل على تأشيرة سفر تسمحُ لي بزيارةٍ بلدٍ تُسميه بلدك وتَمنعهُ من أن يكونَ بلدي؟
أليسَ “قلبك جنسيتي وقلبي جنسيتك”؟

هل يقتضي وجودي ضمنَ هذا العالم الهائل أن أُبوحَ إليه بما تَبوح رُوحك وأن أًصغي للأشياء ذاتها التي تُصغي إليها، وإلا أضحى العَالم ينطوي فيكَ ولا ينطوِ فيَّ؟
هل عليَّ أن أرسمَ الحركاتَ فوق الحُروف بخطكَ الذي أكسبتهُ رؤى العصر سمة الجمالية وإلا بات خطي رديئًا؟
أَتطلبُ مني أن أُشارككَ حتى بصماتي وجيناتي ومسار جريان الدمِ في عُروقي وإلا سَلبتني الحياة؟
أتُجردني من فكري الذي لا يُشبهُ فكرك وتَسلبني كلمتي التي لا تُشبه كلمتك و تُربكُ خطوي الذي لا يسلكُ دربكَ وتُخرب ثقافتي التي لا تُماثل ثقافتك وتفتك بحضارتي التي ليست حضارتكَ وتُغرب لساني الذي لا ينطقُ بوحداتك الصوتية؟
أتمنعني من أن أَكونَ مشروعًا يتجسدُ وفق ما أراد لذاته ؟ أَتبسطُ عليَّ نُفوذ سلطَانك كي أكون نُسخةً لإيمانكَ؟ أتنهشُ صدري لأنهُ لا يدرُ نفس لون حليبك؟
أتنتمي أنتَ للأرضِ وأنتمي أنا لما جاورها؟
أأكون وجهكَ وجسدكَ و فكركَ وقلبكَ و رؤاكَ و تأملاتكَ وعقيدتكَ وإلا صرتُ زبدًا وهباءً منثورًا؟

-06/06/2018

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.