هل وقع حمادي الوهايبي في فخ تبييض النظام؟

img
هل وقع حمادي الوهايبي في فخ تبييض النظام؟
بقلم : حسام بلغولة 
أمام ما يفرضه الراهن من صراعات دينية و سياسية يجد الفنان نفسه مجبرا على تناول هذه الصراعات و الخلافات ضمن مقاربات فنية محطما فيها جدار المحظورات منتصرا في ذلك للإنسان وحده. و على قاعدة هذا دأب مركز الفنون الركحية و الدرامية بالقيروان عبر انتاجاته المسرحية على غرار مسرحية ” الصابرات ” و غيرها من الأعمال المسرحية التي أنتجها هذا المركز غائصا في عالم المحظورو المسكوت عنه .
ومن أخر انتاجات هذا المركز مسرحية جويف للمخرج حمادي الوهايبي بمشاركة ثلة من خيرة الممثلين على غرار حسام الغريبي فاتحة المهداوي محمد السايح عويشاوي ….
وقد تطرق الوهايبي في هذه المسرحية إلى واقع اليهود في تونس . و أمام تعقيد هذا الطرح أثارت ” جويف ” جدلا واسعا بين من اعتبرها دعوة جريئة للقطع مع النظرة الدونية ليهود تونس و بين من اعتبارها نوعا من التطبيع الناعم مع الكيان الصهيوني
ولئن اختلف هاذين التصورين إلا أنهما قد تقاطعا في نقطتين أساسيتين برأيي هما تهميش ” الموقف من النظام الحاكم في تونس و الذي يمكن أن نختزله في ” شخصية ” المنوبي “( و سنعمل على ايضاح ذلك لاحقا) من ناحية
و نجاح الوهايبي و من معه في دفعنا نحو التفكير و طرح الإشكاليات حول هذه المسرحية و طرحها من ناحية ثانية
فماهي رسالة الوهايبي من خلال جويف ؟
وهل نجح في تأدية رسالته ؟
و هل يصح القول باعتبار هذه المسرحية تبيضا للنظام الحاكم في تونس ؟
في مقاله بجريدة الشارع المغاربي تحت عنوان ” جويف لحمادي الوهايبي عرض مبهر يتحرك على الألغام يقول المخرج” أنور الشعافي ”
جويف تحفر في مواضيع محرمة مثيرة للجدل ضمن تجربة كاملة انطلقت مع مسرحية الصابرات التي تتناول قضية مومسات المواخير انطلاقا من حادثة واقعية حصلت بعد 14 جانفي 2011 و هو ما يؤكد اشتغال الوهايبي على الآن و هنا لكن بأدوات جمالية راقية “
فعبر ديكورها و اضائتها ولعب ممثليها و الموسيقى الموظفة فيها حلقت بنا ” جويف ” في فضاء جمالي دون أن تنسينا القضية الأساسية ألا وهي واقع يهود تونس
قصة المسرحية
مجموعة داخل إقامة خاصة باليهود وهم دايا حداد ” دليلة ” طالبة الحقوق التونسية و المتشبعة بتونسيتها طردت من الجامعة بعد صفع المدير بعد قوله
” يهودية حاشاك “. عزيزة تونسية مسلمة تأويها دليلة داخل الإقامة لأنها لا تملك مسكنا وفي هذا دلالة عن التعايش بين اليهود و المسلمين في تونس
“مادام حبيبة ” المسؤولة عن الإقامة و الحريصة على أداء مسؤوليتها على أكمل وجه . ” ساسية ” خادمة يهودية متصهينة يستغلها ” مسيو ميمون” ضابط الموساد الذي يخترق هذه المجموعة من أجل سرقة أقدم نسخة للتوراة و إقناع سكان الإقامة بالهجرة الى ” إسرائيل ” وقد أبدع حسام الغريبي في أداء هذه الشخصية التي جمعت بين الطرافة و الخطورة
“المنوبي” حارس الإقامة و الذي نكتشف مع تطور الأحداث أنه ضابط في الحرس الوطني التونسي مكلف بحماية سكان الإقامة وهو الذي سيتصدى” لمسيو ميمون ” بمساعدة من دليلة و هو أكثر شخصيات المسرحية خطورة برأيي و الذي من خلاله يمكن أن نفهم موقف مخرج العمل من السلطة الحاكمة
لقد بدت رسالة الوهايبي واضحة فمن خلال جويف الى التأسيس إلى تنوع داخل الوحدة وبذلك تأسيس إلى فضاء مدني ديمقراطي يحفظ حقوق الأفراد و حرياتهم على اختلاف دياناتهم و أجناسهم و أعراقهم . و لا يمكن أن نستثني أو نقصي يهود تونس من هذا الفضاء . كما لا يمكن أن نمر عند الحديث عن يهود تونس دون الحديث عن عدد من الشخصيات الفنية و السياسية اليهودية و التي عرفت بمبدأيتها و معاداتها للصهيونية كحركة سياسية تهدف الى ممارسة السيطرة والتوسع على غرار ”جورج عدة ” و جلبار النقاش وغيرهم …
لقد نجح الوهايبي في إيصال هذه الرسالة في الدفع نحو القطع مع النظرة الدونية ليهود تونس و التي لا أرى لها وجودا حقيقيا على أرض الواقع بقدر ما يمكن اعتبارها فرقعة إعلامية ولنا في ذلك نموذج ” يهود جربة ” و المسلمين إذ لا وجود لصراعات حقيقية هناك فالتعايش السلمي بين الأفراد على اختلاف ديانتهم هي القاعدة الأساسية المهيمنة غير أن الدولة عبر مؤسساتها و أخص بالذكر ” وزارة الداخلية ” تساهم في بناء هذه الصورة عبر اجر ائتها الوقائية التي تتخذها لحماية اليهود اذ يقتضي دخول ” حارة اليهود في جربة إجراءات أمنية مشددة تجعلك تؤمن بأن يهود تونس يتهددهم خطر حقيقي فحين لا وجود لهذا الخطر على أرض الواقع فهم مواطنون تونسيون لهم حقوقهم و عليهم واجباتهم
ولست أبالغ ح ين أقول قد بلغ المواطن التونسي درجة من الوعي تجعله يفصل بين اليهودية كديانة و الصهيونية كحركة سياسية و عدو يجب تجريم التطبيع معه سياسيا و ثقافيا و اقتصاديا …
صدق أنور الشعافي في عنونة مقاله ” جويف عرض مبهر يتحرك على الألغام ” لعل أحد الألغام التي فجرها هذا العرض هي الصورة التي خرج بها النظام التونسي الحاكم عبر شخصية ” المنوبي ” ضابط الحرس الوطني ” الذي يتصدى لظابط الموساد ” مسيو ميمون ” فالمنوبي يمكن أن نقرأه على أنه هو ” رمز النظام الحاكم و ما الحرس الوطني الا أحد أكبر المؤسسات السيادية داخل القطر فرمزية ” المنوبي ” من رمزية النظام و رمز سيادته لكن هذا ما لا يمكن أن نعتبره حقيقي بالنظر الى مواقف هذا النظام من الكيان الصهيوني فأمام صمت هذا النظام تم قصف مقر منظمة التحرير الفلسطينية بحمام الشط سنة 1985 و بتواطئ منه تم اغتيال القيادي فيها خليل الوزير أبو جهاد سنة 1988 و بتواطئ منه تمت تصفية محمد الزواري في 2016 و بتواطئ من هذا النظام مررت القناة الاسرائلية الرابعة بثا مباشرا من أمام وزارة الداخلية في شارع الحبيب بورقيبة ومازالت مهازل هذا النظام مستمرة في علاقة بالكيان الصهيوني عل أخرها تجسدت في رفض الأغلبية الحاكمة داخل البرلمان بقيادة حركة النهضة و نداء تونس المصادقة على قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني . كذلك من خلال تأمين وزارة الداخلية لوفد من السياح الصهاينة الذين دخلوا تونس بجوازات سفر صهيونية و السماح لهم بزيارة مكان اغتيال خليل الوزير بسيدي بوسعيد وهذا ما قدمته القناة الصهيونية الرابعة في تسجيل لها متوفر على الانترنت
إذن لا يمكن أن نعتبر أو بالأحرى نصدق المنوبي ” فسيادة تونس ” ماهي إلا كذبة نكذبها و نصدقها في آن فالسيادة الوطنية أضحت مسألة ترتقي أن تكون ميتافيزيقية لا وجود لها على أرض الواقع .
إن جويف مسرحية احترف مخرجها الرقص على الألغام فنجح في إثارة المسكوت عنه و المحظور عبر إثارة ” قضية يهود تونس ” و دفعنا إلى إعادة التفكير في هذه فنجح في إيصال رسالة التأسيس إلى ” فضاء مدني يحكمه التنوع و الاختلاف غير أن موقفه من المؤسسة التي من المفروض أن تدير هذا الفضاء لم يكن كما يجب أن يكون ناقدا للسلطة و ساخرا من خياراتها
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: