هل أحسست يوما أن جسدك هو عدوك الوحيد؟

img

خديجة سويسي صحفية

هل أحسست يوما أن جسدك هو عدوك الوحيد؟

هي فعلت، كانت تستيقظ كل صباح مع آلام هنا وهناك تقاوم تقهقر جسدها توضب نفسها وأغراضها تستعد لمواجهة العالم ثم تنطلق إلى العمل، كانت تخرج من المنزل حاملة ثلاث حقائب الحقيبة الكلاسيكية التي تحملها تقريبا كل امرأة حقيبة الطعام وحقيبة أخرى عادة ماتضع فيها كتابا على هواها وبعض من الأعمال التي لم يسعفها الوقت لانجازها في مقر العمل مما اضطرها لاصطحابها إلى المنزل والأهم مجموعة من الأدوية تشكيلة من الفيتامينات والمضادات الحيوية ومضادات الآلام

امرأة تحمل ثلاثة حقائب داخل وسيلة نقل صباحا انه لمشهد مروع فعلا، هل لكم أن تتخيلوا ؟

أولا عليها أن تحرس جسدها خوفا من اللمسات الطائشة والأيور المهووسة المنتشرة في وسائل النقل، ثانيا عليها حماية الحقيبة الكلاسيكية مخبأ كنزها المتمثل في بضع المليمات المتبقية من مرتبها والأهم المحافظة على توازنها حتى لا تسمع ما لذ وطاب من معسول الكلمات التي يوزعها البعض مجانا

أخيرا تصل إلى العمل، هل ستعمل حقا بعد هذه الحرب الصباحية ؟ هل سيقوى هذا الجسد على مواصلة يومه ؟

نعم ستعمل وهي مطالبة بالعمل أكثر من غيرها حتى تحافظ على ذاك الامتياز الذي يحلم به الآخرون العمل في بلد البطالة هو عمل مبهر في نظر أغلب المواطنين ماعدا ممتهنيه فوحدهم يعرفون حقيقة المعاناة، أن تكون صحفيا في بلد حتى “البوليس” يمكن أن يمتهن فيه هذه المهنة إنها قمة المعاناة أن تعمل كثيرا لتتقاضى القليل هي والله معاناة أن يراك الجميع عدوا وعند الرغبة في الترويج لأنفسهم لا طريقة لهم دونك هو شكل أخر من المعاناة

لا أعتقد أن هناك  من الكلمات مايكفي لوصف بشاعة مايعيشه الصحفيون لكن هذا ليس موضوعنا

الفتاة معلولة الجسد تلك، كانت تعمل ثماني ساعات يوميا داخل مكتب رغم بساطته تعتبره جميلا والحقيقة أنه مقارنة مع غرفتها جميل جدا على الأقل سقفه غير مهدد بالسقوط كسقف غرفتها الذي يرميها بحجارته أحيانا كما أن به مكيفا يساعدها على تحمل أحوال الطقس سواء كانت باردة أو حارة والأهم أغراضها لا تختفي بلا رجعة كمنزلها الذي يستباح فيه كل ما لها بدءا من زجاجة ماسح طلاء الأظافر

يقع هذا المكتب في الدور الأول من الإدارة مقر النميمة وانتشار الأخبار هناك حيث إذا ألقت التحية على البواب اعتبروه خبرا يستحق النشر هناك حيث تعلمت درسها الأول: قد يهاجمك الناس بلا سبب فلا تعجب ليس كل الناس طيبون ولا يجب أن تكون أنت كذلك

كل ما في هذه الأحداث يتكرر يوميا إلا مايدور في تلك الإدارة إذأن هناك دائما مستجدات هناك دائما ضحية وجلاد هناك دائما شخص من زبانية المديرة يبرز عضلاته على أخر مع إدراك مسبق أنه أضعف منههناك حيث يأخذها الحنين إلى أتفه وأتعس الأشياء التي عاشتها قبل العمل في ذاك المكان

دائما ما تتخذ مكانا في مكتبها الذي تتقاسمه مع زميلة قليلا ما تربض فيه، تتذكر سنين مضت تراها كشريط يمر أمام عينيها تتوقف قليلا عند صورتها وهي تعتلي مدرج معهد الصحافة لتلقي خطاب عن الحق والواجب عن الحرية والالتزام ثم تتذكر أبياتا كانت تستحسن بداية خطاباتها بها:

“يا دامي العينين والكفين إنالليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل…”

ثم تغتال وجهها ابتسامة كأنها تقول من أين لهذه الفتاة كل هذه الشجاعة، حزن شديد يخيم على المكان فجأة تتذكر أنها نزعت ثوب الحرية والتمرد يوم دخلت من باب تلك الإدارة تتذكر أنها تعرضت للظلم وسكتت لأنها قايضت الحرية بالخبز، كل ذكرى تحملها لأخرى تذكرت أيامها الأولى في العمل حين طلبتها المديرة إلى مكتبها لتبارك وجودها في المؤسسة وتشد على يديها من أجل البدء من جديد ” أعلم انك ابتعدت عن الكتابة مدة سنتين وانغمست في عمل نبيل في صلب القضايا النسوية مرافقة النساء ضحايا العنف ليست بالأمر الهين ولذلك سأمنحك الوقت الكافي للبدء من جديد وللاندماج مجددا في قطاعك واسترجاع مهاراتك في الكتابة” بعد هذه الكلمات غادرت المكتب حاملة كل فخر العالم بمديرتها الناشطة النسوية المؤرخة التي تعتبر احدى عناوين النضال النسوي في بلدها والتي تشجع النساء مثلها على البدء من جديد ليس كتلك التي كانت تعمل معها من قبل تدافع عن ضحايا العنف وتعنف بدورها العاملات معها اقتصاديا ونفسيا تعاملهن بمنطق الرجل الآلي تجبرهن على القيام حتى بأعمال “الدهينة” مقابل مبلغ زهيد

هذا الفرح لم يدم طويلا فلم يمض على ذلك اللقاء أسبوع حتى وجدت نفسها في مكتب المديرة العامة مجددا والظاهر أن ربة عملها لم تحض بصباح جيد في منزلها أو ربما طريقها للعمل كان محفوفا بالشجارات مما دفعها لإفساد صباحها هي الأخرى ” ماهذه الكتابة أواثقة أنك صحفية، لا أظن أنه سيكون لك مكان في هذه المؤسسة” قالت هذه الكلمات بنبرة تحقير وازدراء حتى ان صوت عويلها بقي راسخا في أذني تلك الفتاة ومن ثم طلبت منها الانصراف

توجهت الفتاة البائسة إلى مكتبها مشدوهة لا تدري إن كانت حقا إلتقت نفس المرأة التي استقبلتها أول مرة، كيف لنسوية أن تحقر من عمل امرأة وهي التي من شأنها المساعدة على النهوض بوضع النساء في مجتمعها ؟ كيف ل”مناضلة” أن تحقر من إنسانة فقط لأنها تشغل المنصب الأعلى في المؤسسة ؟ كيف لأستاذتها التي طالما علا صوتها في قاعة الدرس منددة بالهيمنة الذكورية والتسلط على النساء أن تتحول إلى عنوان للتسلط؟ أو لعلها كانت كذلك منذ البداية فما أسهل الخطب وما أصعب المواقف، ما أسهل أن نحاضر عن المساواة وأن ندعو النساء للوقوف في وجه المجتمع الذي يحاول تقزيمهن وما أصعب أن نرتقي بممارساتنا إلى مستوى خطبنا، هذه الحادثة جعلتها تعيد النظر في حكمها على عملها السابق ” على الأقل لم تكن مديرتي تسمح لنفسها باحتقاري وكنت استمتع باللعب مع الأطفال وبإسعاد النسوة من خلال السماح لهن بمخالفة بعض القوانين أحيانا”

مثل هذا الموقف نقطة مفصلية في تحديد بنية العلاقات مع كل العاملين والعاملات معها وجعلها تكتشف أنها يجب أن تترك شخصيتها الثورية والمتمردة على عتبات أبواب المؤسسة قبل الدخول إذا أرادت المحافظة على مورد رزقها ذلك الذي مكنها من فرض شخصيتها داخل محيطها كامرأة مستقلة ومنتجة خلافا للصور النمطية لادوار النساء والحقيقة أنها لم تكن تعمل من باب الترف ومطالب الاستقلالية والتحرروإلا لما رضخت لهذا الشكل الجديد من العبودية وإنما هي تعمل للقيام بدورها داخل اسرتها من خلالالمساهمة في النفقات سواء كانت نفقات المعيش أو الاحتياجات الخصوصية للأفراد عديمي الدخل

كانت تصل إلى العمل قبل الجميع وتغادره معهم دائما ما تبقى وحيدة لولا محاولات رئيستها المباشرة لإدماجها داخل المجموعة كانت تخاف الاحتكاك بهم لدرجة أنها ذات مرة زارها النجار لإصلاح مما حول المكتب الى ورشة نجارة مع كل ما تخلفه من غبار وبقايا  وحين حل موعد الغداء لم تجد في نفسها الشجاعة للالتحاق بأي زميلة او زميل للغداء في مكتبه بعيدا عن بقايا الخشب وانما اتخذت لنفسها كرسيا وسط ذلك القرف لتتغدى هناك كانت تأكل دون النظر لغدائها ولا للفضاء في محاولة للتغاضي عن الاطار المحيط بها

موظفة مطيعةتفعل كل ما يطلب منها حتى أنها تعتقد أنه لو كانت تملك رخصة سياقة ماكانوا ليحرموها فرصة تعويض السائق إذا لم يرد انجاز عمله ولا تستغربوا مسألة الإرادة من عدمها فهو “مترسم” يحق له القيام بما ليس لها فيه حق في حين هي مستحدثة تعمل كالعبيد دون رفض أو نقاش

كلما وجدت بعض الفراغ راحت تنبش في ذاكرتها وأغلب الذكريات كانت عن عملها السابق كمرافقة للنساء ضحايا العنف في تلك الوظيفة كانت في أغلب الأحيان تختار الدوام الليلي رغم ساعاته الطويلة وتواصل الليالي تباعا أولا لأنها تريد لنفسها الكثير من الوقت الحرفي النهار  لتمضيه في الفضاءات التي تختارها ثانيا للتمكن من مواصلة دراستها وثالثا لتسهر على راحة المقيمات اللاتي يفضلن تواجدها خلال أوقات الشوق والحنين ليلا ليحدثنها عن قصصهن عن عذابات السنين عن توقهن للحب واشتياقهن للنشوة الجنسية ومنه للحديث عن مواصفات رجل الأحلام الذي لم تحظى به أي منهن وعادة ما تكون في علاقة بالملامح الخلابة والبنية الضخمة في اعتقاد نمطييصور أن الرجل الأضخم هو الأكثر فحولة حتى أنها تذكر تلك الايطالية التي ربضت في الفضاء الى حين الحكم لصالحها من أجل اصطحاب ابنتها معها الى بلدها والمغادرة كانت تعشق اجساد الرجال التونسيين  وتعيش بين الحين والأخر مغامرات مجنونة والمغامرة الأكبر هو الموقع الذي تمارس فيه الحب مع أحد عشاقها فوق سطح احدى العمارات بالعاصمة حتى أنها تضحك بصوت عال حين تتذكرها وتتذكر لكنتها التونسية الطريفة وحديثها عن الخوف واللذة وعن ضرورة اعتماد عامل السرعة حتى لا يباغتها أحد سكان العمارة

كانت تستسيغ هذه الأحاديث لأنها تظن أنه ليس من السهل أن تتحدث النساء عن قصصهن وشغفهن في مجتمع يرى أن النشوة امتياز ذكوري وأن النساء أداة للنشوة ولسن شريكات ولعلها أيضا كانت تعتبرها قصص تكسر حواجز الصمت المحيطة بالجنس والجنسانية لدى النساء وخاصة ضحايا العنف منهن ثم تقول في نفسها “في الحقيقة كلنا ضحايا عنف بشكل أو بأخر” فكرة تعيدها إلى واقعها وإلى أنها هي الأخرى ضحية عنف أمر وأقسى لأن من مارسنه ويمارسنه يحملن راية المدافعات عن حقوق النساء,

 

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: