هكذا وجدت أجوبتي ! مجد الغديري

img
هكذا وجدت أجوبتي ! مجد الغديري

” بدك تكون مثقف بدك تكون مشتبك ..ما بدك تكون مشتبك.. لا منك و لا من ثقافتك ” هكذا أتى صوت باسل الاعرج ابن قرية الولجة الفلسطينية حين كان يلقي إحدى محاضراته أمام رفاقه .
هكذا أتى صوته و هكذا كان الباسل الرجل الذي لا يهدأ ولا يستكين عنوانا للتصميم و البذل من أجل وطنه المسلوب .
لم يحدث أن خانني قلمي ، لكنه عودني على الارتباك في حضرة باسل و أمثاله ، ارتباك يشبه شعور المحب أمام حبيبته.
لا أعرف سرّ هذا ومردّه! لكن ما أعلمه جيدا هو أن باسل أحب أمته وطنه كثيرا و قدم لهما ما يجعله راضيا. لم يقدمغ منتجا فكريا نوعيا و روحا محلقة في سماء فلسطين فحسب ، بل رسخ نهجا جديدا وضع حجر أساسه يوم قرر الاشتباك مع قضيته كلمة و بحثا و توثيقا و تصويبا للبوصلة ومقاومة انتهت بملامسه يده لرصاصه المزغرد في السماء .
لا أظنني أبالغ حين أقول أن ما قدّمه باسل الاعرج من فهم لدور المثقف وماهيته يماثل بل و يتجاوز “المثقف العضوي” الذي تحدث عنه غرامشي. فالأعرج تجاوز الدور التقليدي للمثقف الذي يعبر عن مجتمعه إلى ذاك الذي حرر الصوت الكامن داخل كل واحد منا.
وإذا اختصرنا يمكن القول أنغ باسل هو الفكرة التى نحاول تجاهلها او تأجيلها ، و نهجه الذى عمده بدمائه هو التعبير الأدق و الأصدق عن رسالته.
والشهيد لم يكن هذا فقط ، بل كان كثيرا من التفاصيل الجميلة الواضحة ، كان معنى مكثفا ملتصقا بالحياة ،و كان مؤمنا بأنه أكبر من حياة واحدة غيعيشها .
وربما هذا ما دفع الكيان الصهيوني الى الزج بأفضل وحداته العسكرية ” وحدة اليمام ” لملاحقته و اغتياله في 6 مارس 2017 بعد تتبع طويل استمر اكثر من ستة أشهر .
طبعا ليس في هذا جديد ، لقد تعود الصهاينة على الانتباه إلى مثقفينا ، فحرصوا على تصفية غسان كنفاني و اغتيال ناجي العلى و غيرهم .
لا نستطيع القول أن البندقية لا تخيفهم لكن ما يرعبهم و يهدد وجودهم هيغ تلك ” البندقية المثقفة ” و اليد التى وجدت اجوبتها .
حسنا ، لنتوقف قليلا و نطرح بعض الاسئلة بصورة عكسية :
ربما الزمنُ قد تجاوز حديثا من هذا القبيل ؟ ونحن في وقت قد يكون الحديث فيه عن المقاومة و الصمود و التضحية محض دعابة ؟
ربما هذا الزمن ليس زمن حديث عن مآثر باسل الأعرج و من يشبهونه؟ وهذا مجرد طوباويات ؟
ربما كان باسل و من يشبهونه مجرد ضحايا ” للسردية ” العربية التى لا تريد أن تعترف بمن يجاورها الارض و لا تقبل بأن ” تتعايش ” مع من يخالفها ؟ ربما كان باسل الأعرج ” فاشلا ” غرر به أو رجلا غابت عنه جدارة الحياة و حبها ؟
لكن هل حديث مثل هذا يمكن أن يكون مقنعا ، طبعا لا ، فلا شيء من هذا صحيح.
فأي حياة تلك التى يمكن للمرء أن يعيشها دون قضية نبيلة يؤمن بها ! أي حياة !٦
و٦أي زمن هذا الذي يتناسى أبطاله و أي شعب هذا الذي يتجاهل ملاحمه !
وأي سردية اكثر إيلاما و قرفا أكثر من سردية الهزيمة و التبرير و التراجع !٦
أي رجل -باسل- هذا الذي يرضى أن يغيبه الموت كيغ يهب الحياة لمن لم يعرفهم يوما !
باسل كان استثنائيا لأغنه اختصر علينا جميعا نصف الطريق ، إذ كان كطائر الفينيق -الذي يحبه- حين عدل البوصلة لحظة اختلالها و ثبت النهج لحظة الضياع. فكان مثقفا مشتبكا بصوته و صرخته و قلمه و بحثه و بسلاحه.
لباسل أسئلته التى بحث لها عن أجوبة لها فوجدها و مضى ، أن نحن- أنتم- هم ألا تستحق حياتنا أسئلة حتى نجد لها أجوبة !
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: