أنتلجنسيا | هذيان على صوت سيّدة الصّباح- أماني أحمد بن رڨيڨة - أنتلجنسيا

هذيان على صوت سيّدة الصّباح- أماني أحمد بن رڨيڨة

img
هذيان على صوت سيّدة الصّباح- أماني أحمد بن رڨيڨة
لا هواءَ فِي رئتيَّ حتّى أتنفّس
والثّقب في قلبي مازال مفتوحًا ويكبر أكثرَ فأكثر
كلُّ الذينَ خِلتُهُم أصدقائي قد رحلوا -خِلسةً- قبل الوداع ..
أمّا حبيبي ، فقد أطفأ قلبي ثمّ رحل هو أيضًا ..
أمّي تقولُ أنّني لستُ بخير وأنّني أبدو حزينةً جدًّا وشاحبة ..
لم أعُد أضحكُ كثيرًا -فكما أخبرتكم سابقا- لا هواء في رئتيّ حتّى أضحك ..
كنتُ أتمنّى بعض الحبِّ فقط
بعضٌ من الحبِّ كان كفيلا بأن يُخرجني من جحيم أفكاري القاتلة..
كم كنتُ غبيّةً حين ظننتُ أنَّ العالم سينتبهُ إلى حُزني وأنَّ الشّمسَ ستخلِفُ عهدها ولا تُشرِق..
بائعُ الورود يأتي صباحًا كعادته ،
صاحبُ المقهى يفتحُ مقهاهُ على صوت سيّدة الصّباح،
رائحةُ الخُبزِ تملأُ المكان
-ولكن، لا خُبزَ يُشبهُ رغيف أمّي- ،
 
أدندنُ وحدي ” نطرت مواعيد الأرض .. وما حدى نطرني… ما حدى نطرني.. ”
كم هو عظيم هذا المقطع!
الإنتظار .. ذلك الإحساس المقيت الذي تتداخل فيه جميعُ الإحتمالات ..
أظنُّ أنَّ كلَّ ما يحدثُ لي هو بسبب الإنتظار.. فأنا أنتظرُ القهوة حتّى تجهز..
أنتظرُ أمّي حتّى تهدأَ ..
أنتظِرُ أصدقائي في المقهى ..
أنتظِرُ الشّمس حتّى تغرب..
أنتظرُ حبيبي حتّى ينتهي من لعب الورق..
أنتظِرُ المطر حتّى يهطل..
ولازلتُ أنتظِرُ أبي حتّى يعود..
 
تعوّدتُ الإنتظار كثيرا حتّى صرتُ أعجبُ لحدوث الأشياء بسرعة، وبالتّالي أضحى من الصّعب عليّ تصديقها ..
أنا لا أُجيدُ رسم الخطوط الفاصلة بين الأصناف، لهذا كثيرا ما يمتزجُ عندي الخيال بالحقيقة فتكثُرُ الهلوسات في رأسي ..
 
أمّي دائِمًا ما تقولُ “المليح يبطى عيش بنتي” ،أي أنَّ الأشياء الجميلةَ تأخذُ وقتًا كي تتحقّق .. ولكنّ القهوة تنسكبُ فوق الغاز فتغضبُ أمّي ولا يجيءُ أصدقائي وأظلُّ وحيدةً أتأمّلُ صاحب المقهى الذّي يضعُ لي سكّرًا إضافيًّا في القهوة..
تغرُبُ الشّمس ويُنهي حبيبي لعبة الورق، ولا يهطُل المطر حتّى أحمل شمسيّتي وأنتظر أبي الذي لا يعود..
 
هي فجوةٌ في قلبي لا يدخُل منها الضّوء.. يتسلّقها أصدقائي حتّى يبلغوا السّقف ثمّ يقفزون واحدا واحدا ويغادرون ..
فجوةٌ لا أعرفُ مصدرها .. يتراكمُ فوقها الغبار والصّدأُ وألعاب الطّفولة التّي أضعتُها يوم كنتُ أبحثُ عن وجه أمّي ..
ثقبٌ أسود يتغذّى على الغياب والإنتظار والخذلان ويختزلُ جميع الخيبات القديمة…
 
 
أُغمِضُ عينيَّ قليلاً علّني أشعُرُ ببعض السّلام الدّاخليّ، إلاّ أنَّني لا أرى أمامي سوى نفس الثّقب الأسود يلتهمُ كلَّ من أُحبّهم ويرمي بهم نحو الفراغ ..
أرى وجهَ أمّي ..
ووجه أخي..
ووجه أُختي..
ثم أبي.. يلوِّحُ من بعيد..
 
صاحبُ المقهى يُنادي :” لا سُكَّر لكِ اليوم يا صغيرتي.. لا سكّر قبل الغياب”
 
وأمّي تقول :” لقد خبَّأتُ لكِ الخُبزَ تحت الوسادة.. و عجنتُ رغيفكِ من قلبي ومن دمي.. خبّأتُ لكِ الملحَ بين الأوراقِ القديمة..”
 
أما أبي فيكتفي بابتسامةٍ ويضيعُ طيفُهُ في الزّحام..
تتطايرُ الأوراق حولهم
وتعلو الأغنيات
“نطرت مواعيد الأرض وما حدى نطرني…
ما حدى نطرني”…
 
“أنا عندي حنين ما بعرف لمين.. ليلية بيسرقني من بين السّهرانين “
” راجعين يا هوى راجعين..”
ينتابُني الغثيان وأشعُرُ بالدّوار ..
وجهُ أُمّي،
رغيفُ الخبز،
حلاّقُ الحيّ العجوز،
بائعُ السّجائر،
طيفُ أبي،
قطّي الأسود،
سحقًا! لا أستطيعُ التّركيز..
تصفعُني الصُّوَرُ فأسقط..
يتعالى صوتُ السّكارى والمتسوّلين..
يقول الأوّلُ لنديمه :”تُرى ماذا يوجدُ خلف السّماء؟ أهُناكَ ربّي؟”
ينتفضُ الثّاني وزجاجةُ الخمر ترتعشُ في يده بينما يأخذُ الآخرَ من ياقة قميصه بعنف : ” خلف السّماء هنالك الجحيم! خلف السّماء ينامُ السّكارى والمنبوذون مثلنا ولا ينامُ ربُّك وربّي.. ”
 
ولكن.. ربّما خلف السّماء تُغنّي سيّدة الصّباح
“نطرت مواعيد الأرض وما حدى نطرني..
ما حدى نطرني..”
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.