هايكوات  الكاتب المغربي محمد بنميلود 

img

بقلم :عبدالرزاق بن حميدة، تونس “الهولنديين زوينين ولكن ما عندهمش صحاب قراعي للبييييع. هي والو. هاد القضية ما دارو فيها ما يصلح.”الهولنديون شعب جميل مبدع. ولكن ليس لديهم باعة متجولون تجارتهم جمع القوارير الفارغة. شيء بسيط. لكن فاتهم إنجاز كهذا !هذا ما قصده بنميلود بلسانه المغربي.يعيدني هذا القول لمحمد بنميلود على صفحته في الفيسبوك إلى أيام الصغر عندما كان الباعة المتجولون يمرّون في شوارع الأحياء الشعبية والأزقّة التونسية، في فصل الصيف خاصّة، لكسب قوت يومهم بكدّ وكرامة وقناعة وصبر على ما أرادته الأيّام والمجتمع لهم،كنّا نتسلّى في فترة القيلولة والكبار نيام، نتبع الباعة في تجوالهم معجبين بعرباتهم العجيبة المختلفة، يدفعونها بعضلاتم وأحيانا بمساعدة حمار أو جحش مغلوب على أمره، وأحيانا أخرى يستعملون عربة قديمة خاصة بالرضّع والأطفال الصغار استغنت عنها أم فرنسية أو إيطالية أو مالطية، أو تونسية ثرية. وكنّا نطرب لمواويلهم الدعائية المميّزة، نقلّدهم ضاحكين فيضحكون بدورهم أو ينهروننا “برّا روّحوا ارقدو ينعل والديكم ولاد الكلب”، ويستأنفون موّالهم:ياللّي عندك دبابز للبيييييييع، صبابط للبييييييييييع !- “دبابز”باللهجة العامية التونسية تعني جمع دبّوزة، أي قارورة.- “صبابط”: جمع صبّاط، أي حذاء. لحّام لحّام، پلومبيييييييي !- سمكري سمكري ! حوت حوووت، هاو السرديييينة !فريڤولوووووا، فريڤولو بيان ڤلاسي-  Frigolo, frigolo bien glaçéآيس كريم الفراولة المثلّج (من الإيطالية  fragola)وبالكاد أذكر صغيرا وأنا أغامر خارج البيت، في غفلة من الوالدة رحمها الله، تلك الإسبانية بائعة مواد الخياطة والدنتيل (الشّبيك) في مدينة رادس جنوب العاصمة التونسية، قبل أن تقفز اسبانيا وتلتحق بباقي الدول الأوربية المتقدمة، وقبل فرض التأشيرة لزيارة برشلونة والأندلس !لازال بعض الباعة عندنا يجاهدون لكسب قوت يومهم في  الأحياء الشعبية بنفس الطريقة والوسائل، لكن بدون نكهة وطرب ولعب الزمن الجميل.فقد غزت عربات الانتصاب الفوضوي في السنوات الأخيرة قلب العاصمة، منذ أضرم محمد البوعزيزي النار في جسده ليرث شباب الثورة العربة والدّخان !في المغرب الشقيق، رغم بعض الشبه بين البلدين وعربات الباعة المتجولين و”أصحاب قراعي للبيييييع”، يمتاز المغرب بعرباته الجميلة والمتنوّعة خارج وداخل أسوار الرباط ومرّاكش وتارودانت وحتّى الدار البيضاء والدّاخلة !وتستحق عربات بيع عصير القصب وثمرة الهندي الصغير الأحمر (التين الشوكي) الذي يشفي من جميع العلل، والببّوش اللذيذ (الحلزون)، وخصوصا عربات بيع الكتب القديمة التي تزداد قيمة ببصمات قرّائها، تستحقّ هذه العربات أن تضاف على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي العالمي !الصديق محمد بنميلود، صاحب رواية “الحي الخطير” يكتب في كلّ مكان وكلّ حين خاصّة في الليل عندما يخفّ الضجيج في المدينة وعلى صفحات الفيسبوك. ومن حين لآخر يتوقف ليستريح من السّرد ليدخّن سيجارة ويخربش  كلمات برقيّة مرتجلة أو أمثال مغربية شعبية ويضحك قليلا وهو يدخن بشراهة.تأخذ هذه الكلمات والخواطر المرتجلة غالبا شكل وقوة الهايكو لتقضّ مضجع النيام أحيانا وتستفزّ آخرين، وتسلّي وتسعد كثيرا من القرّاء.بعد هايكوهاته الرياضية الشبيهة بممارسة اليوغا للكاتب،  يستأنف بنميلود الحفر والنقش البطيء الطويل في النصوص – مثل نصّه الرائع الأخير “تروتسكي” الذي نشرته جريدة الأخبار بتاريخ 23 مارس – إلى  أن يغلبه النعاس داخل كتابه المفتوح.في اليوم الموالي يشتري المغترب المغربي حتّى النخاع سندويتشا من سيارة هولندية حديثة حوّلها صاحبها أو صاحبتها إلى مطعم متجول للأكلات السريعة ومشروبات “الليمونادة” و”الهاينكان والأمستيل”، ويمشي في الحديقة العامة في مدينة أندوفبن نحو بحيرة البط مردّدا:”الهولنديين زوينين ولكن ما عندهمش صحاب قراعي للبييييع. هي والو. هاد القضية ما دارو فيها ما يصلح.”

عبدالرزاق بن حميدة

تونس25-03-2019

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.