هادي دانيال مِن رُوما: الشاعر “أشْرَف فيّاض” تَجَلٍّ جديد للتراجيديا الفلسطينيّة خلف قضبان النظام العربيّ الصَّدِئ

img
هادي دانيال مِن رُوما: الشاعر “أشْرَف فيّاض” تَجَلٍّ جديد للتراجيديا الفلسطينيّة خلف قضبان النظام العربيّ الصَّدِئ*
بَدْءاً أعبِّرُ عن امتنانيَ العميق للصديقة الأستاذة “سناء درغموني” لأنّها مكّنَتْني مِن أن أكونَ في هذه المِنصّة المعرفيّة النّضاليّة مُحاطاً بضمائركم الحيّة وقلوبكم النبيلة التي تخفق على مَصير أحد مُبدِعيّ الجمال الإنساني الذي قُدِّرَ له أن يُعالجَ منذ سنوات وبجناحيّ نَسْرٍ قضبانَ أسْرِه مُتأمّلاً بكبرياءِ اليائسِ كيفَ يَتَراكَمُ “الصّمْتُ عادَةً سيّئة يُمارِسُها الجميع” إزاء مُعاناته القاسية. صَمْتٌ فاجِرٌ يُحاصِرُ صديقنا المشتَرَك “أشرَف فيّاض” ليس فقط في مملكةِ الرِّمال وزيتِ الصّخْرِ الأسود التي وُلِدَ وَنَشأَ فيها ، بل شملَ هذا الصّمتُ الأحمق منطقتنا بأسرها ، خاصّةً بَعْدَ أن عمَّ الأوساطَ الثقافيّة والإعلاميّة التي كانَ خَبَرُ الحكم بالإعدام على الشاعر قد أطلَقَ صَيحات استِغرابٍ وَحَيْرة أكثَر مِمّا هي صرخات استنكارٍ وَثَورَة ، سرعانَ ما أخْمَدَتْها رياحُ البترودولار الخليجيّ التي حَوّلَتْ الأغلبيّة الساحقة مِن المثقّفين العرب إلى تَقنيّي معرفة، ماعدا استثناءات متفرّقة في الزمان والمكان لم يُقَدَّر لها أن تتحوّل إلى حركة ضاغطة مُقارَنَةً بالنشاط الحيويّ الذي تثابرُ عليه الأستاذة سناء وزميلاتها وزملاؤها من حفيدات وأحفاد غرامشي، بحماسة لا تفتر . حتّى أولئكَ الذين هزّهم خبرُ حكم الإعدام في منطقتنا العربية عادت ضمائرُ معظمهم إلى سُباتِها العريق بَعْدَ تَخفيضِ الحكم إلى ثماني سنواتٍ سجناً وثمانمائة جلْدَة. إلّا “سناء” ورفيقاتها ورفاقها من الشعب الإيطاليّ الصديق الذين كأنهم حَمَلوا القضيةَ نيابةً عنا جميعاً في مشرقِ الوطن وَمغربه، فكانت حريةُ هذا الشاعر المُضام ضَيْماً مُرَكّباً القضيّةَ الشخصيّة لكلٍّ منهنّ ومنهم . وكان مِن حُسْنِ حَظّي أن تكرّمَت الصديقة “سناء” بإشراكيَ جزئيّاً في نذر يسير من هذا العمل العظيم عندما اقترحت عليّ إصدار مجموعة “أشرف” الشعرية الجديدة ضمن منشورات دار النشر التي أنشأتُها مُؤخرا في تونس.
وهذا هو السبب الثاني لشعوري إزاءها بالامتنان.
عندما تلقّيتُ مخطوطَ “سيرة مرضيّة” ، وشرعْتُ في قراءته ، كنتُ بيني وبين نفسي قد عَقْدْتُ العزمَ على نَشْرِه بدافع التضامُنِ مع شابٍّ فلسطينيّ يدفَعُ ثَمَنَ تأويلٍ جَهُولٍ أحْمَق في دوائر سُلطة أعرابيّة لِعبارَةٍ كتبتْها براءةُ شاعر شاب. فأنا لم يسبق لي أن قرأتُ له. لكنّ المُفاجأةَ الجميلة أنني وجدتني في حضرة كتابةٍ شِعريّة غير مسبوقة في قدرتها على دفعكَ إلى أن تُفَكِّرَ وَتتخيّل في آنٍ مَعا. وبنبرةٍ هادئة تنزع الصاعِقَ عن البراكين الكامنة في لاوعي القارئ. كتابة حُرّة في عُزلَةٍ تؤنسِنُ عناصرَ الطبيعة الأساسيّة وما يتفرّع عنها وتُحاوِرُ كواكبَ الكونِ ومجرّاته في مُقارباتٍ جماليّةٍ آسِرَة ، وِمِن هذا التحليق الكونيّ تنتقلُ بِيُسْرٍ لا اصطناع فيه إلى التفاصيل اليوميّة الحميمة التي تذوب وتُذيب نُعومةً وحناناً . هذه المناخات الكونية في استعارات الصورة ومقاربات الحب والموت والضجر والحرية والوطن “الذي ينتعل حذاء(الحريّة) المهترئ مثل باقي القِيَم البشريّة” فضلاً عن تماسك بنية النصّ وأسلوبه “السهل المُمتَنِع” ..، هذا كلّه يجعل نصَّ “أشرف فيّاض” جديراً بأن يُغادرَ قفصَ اللغة العربيّة لتحطّ عصافيرهُ مُزقزقةً على أفنان أشجار لغات العالم. وهنا أعبّر للصديقة “سناء” عن امتناني لجهدها في إطلاق طيور أشرف الحبريّة في غابات اللغة الإيطاليّة وسمائها.
بَعْدَ أن صَدَرَت “سيرة مرضيّة” عن دار ديار في تونس، كانَ يُفْتَرَضُ أن يُثيرَ ذلك فُضُولَ النخَب الأدبيّة والسياسيّة التونسيّة والعربيّة ، خاصّةً وأنّه كتاب لشاعرٍ فلسطينيّ لايزال نزيلَ سجنٍ مِن سجونِ آل سعود. لكن للأسف من الخمسمائة نسخة التي طبعناها لايزال أكثر مِن نصفها في مخازن الدار. فالشعر لم يَعُدْ ديوان العرب ، والكتاب لم يَعُد خَيْرَ جليسٍ عندَهُم.
أمّا فلسطين فقد تَحَوّلَتْ إلى شعارٍ مِنَ الشعاراتِ التي نتقيّأها بالسرعة التي بها نلوكها ونبتلعها مثلها في ذلك مثلُ شعارات أخرى كالحريّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان ، لكنها جميعها تُوَظَّفُ في حروبنا البينيّة . وفي هذا السّياق حاوَلَ البَعضُ الزجّ بقضيّةِ شاعرنا أشرف فيّاض ، فَدُعيتُ بكرَمٍ مَسْموم (ولم ألبِّ هذه الدعوات طبعاً) للتحوّلِ إلى بيروت وغيرها للحديث على شاشات قنواتٍ كالجزيرة وتركيا العربيّة عن أشرف وكتابه وقضيّته ليسَ حرْصاً مِن هؤلاء على حريّةِ التعبير ولكن لتوظيف قضيّة أشرف في صراع الدوحة وأنقرة ضد الرياض، فواقع الحال أنّ السلطات القطريّة كانت قد حكمت بالإعدام على شاعر قطري وخففت الحكم إلى خمسة عشر عاما لأنه نظَمَ قصيدة بالدارجة القطرية يُرحّب بما يُسمّى “الربيع العربي” وانطلاقته “الياسمينيّة” من تونس وبالتالي لا يُمكِن أخلاقيّاً أن نتحدّث من مِنْبَرٍ قطريّ عن قضيّة “أشرف” وقضايا حريّة التعبير بعامّة. والمفارقة أنّ الدعوة الأكثر كرما كانت مِن قناة “الحرّة” الأمريكيّة ، قناة الدولة العُظْمى التي لا يخفى أنّها السبب الأساس في الحؤول دون حُصول شَعب “أشرف فيّاض” الفلسطيني على حقوقه المشروعة في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنيّة المستقلة على ترابه الوطنيّ، كما أنّ واشنطن التي تدير الحروبَ تحت شعار تصدير الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان في منطقتنا هي التي ترعى وتساند النظام السعودي الذي يرزح “أشرف فيّاض” في سجونه لأنّه شاعر مارق. وتصنع الإرهاب الديني التكفيري وتبثّه في مجتمعاتنا ودولنا ليكون ذريعة لتدخّلها في شؤوننا الداخلية بزعم مكافحة الإرهاب .فالسياسة الأمريكيّة لا تُخفي حقيقة أنّ ما يهمّها في منطقتنا ليس الإنسان وحياته فوق أرضنا بل ما تحتها من نفط وغاز ومعادن، وبالتالي تريدنا أن ننظر إليها كما تنظر إلينا “قطط الشوارع ” التي يتحدّث عنها شاعرنا في “سيرة مَرَضيّة” ، قِطط الشوارع التي ” تعتقد أننا الآلهة التي ترزقها الطعام ” وتريدنا واشنطن أن ” نستعيذ بها مِن شرّ القطط المتوحّشة، التي تكفر بنعمة الإنسان!” (و”إسرائيل ” تسمو على أن تكون القطّ الإقليميّ المتوحّش عند الآلهة الأمريكيّة بينما قد يكون إيران مثلاً ).وعلى الرغم من ذلك فإنّ العنجهيّة الأمريكيّة تراهن على إمكانيّة توظيف أيّ مثقف عربي لتسويق خطابها التضليلي الذي يزعم الحرْص على حرية التعبير في محميّاتها الخليجيّة.
“أشْرَفُ” الآن بلا حبْر وبلا ألوان ، ونحنُ بمحابرنا وألواننا وحناجرنا جميعها ، غير قادرين على القول والتصوير نيابةً عنه، إذَن لا بديلَ عن كَسْرِ قَيْدِهِ وتكثيف محاولاتنا الدؤوبة لإجبار سجّانه على فتح باب زنزانته ليغادرها نهائيّا.
أخيراً ، يهمّني الإشارة إلى أنّ قضيّةَ “أشرف فيّاض” هي قضيّة مركّبة ، فبقدر ماهي قضيّة حريّة تعبير هي قضيّة شَعبٍ يُعاني تحت وطأة أطول مظلمة عرفها تاريخ البشريّة المعاصر، وتسبّبت بها الأطماع الاستعماريّة الغربيّة الاقتصاديّة والسياسيّة ، عندما حوّلت المشروع الصهيوني عن جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة إلى فلسطين ، ومنذ ذلك كأنّ كلَّ فلسطينيّ يُولَد مشروع أسير أو شهيد في فلسطين المحتلّة أو عبْر العالَم ، وكأنّ البشريّة باتت جيلاً بعد جيل ، لا تملك إزاء ذلك غير الخشوع الخانع في معبد الآلام ، وإن كنّا نجتمع الآن ومستقبلا انتصاراً للشاعر السجين وخطابه الحر ، فاسمحوا لي أن ألاحِظَ أنّه إذا كان الخطاب الشعريّ في “سيرة مرضيّة” كونيّاً فإنّ للهمّ الفلسطينيّ في هذا الخطاب أكثر مِن مفتاح :
“نَحْنُ نُحاوِلُ تقليد الأرض في قدرتِها على التّحَمُّل
لكن ليس للأرضِ جهاز عَصَبي!”.
ولئن كانَ الشّاعرُ مِن جيلٍ وُلِدَ خارج فلسطين إلّا أنّه لا يُخفي تَوْقَهُ وتوقَ شَعبِهِ إلى وطَنٍ ، فهو يَغبط حتى البكتريا لأنّ المياه الملوّثة تجعل مِن الأمعاء الدقيقة وطناً مثاليّاً لها:
“محظوظة هي البكتيريا…
ليس لها مشكلة حقيقيّة في الحصول على وطن” (قصيدة مُحّ).
هذا الشاعرُ لا زالَ يُطارِدُ الضوء ، لأنّ “الظلامَ يَبقى مُخيفاً ..حتى وإنْ اعْتدْنا عليه!”
ولذلك يجب أن لا نيأس من صرخته التي اختتمَ بهِ سيرَتَه المرَضيّة:
“الوعيُ ينهشني مِن الدّاخِل
وَيَقضي على كُلِّ فُرَصي بالنّجاة
الوعي يقتلني ببطء
والوقت تأخَّرَ كثيراً للشفاءِ مِنه”
فهذه الصّرخة الصادرة عن “وعيٍ شَقيّ” يُفْتَرَضُ أنْ تحثّنا أكثر ليس فقط لأجْلِ النّضالِ مِن أجْلِ خلاصهِ الفرديّ ، بل لأجْلِ أن نحرّر هذا الفرْد الرّمز كي ينْضمّ إلينا ويقودنا على طريق النضال الأطول لتخليص شعبه ، فإذا كنتُ شخصيّاً يائساً مِن الوضع العربيّ المُنْشَغِل بانهياراته وحروبه فإنّ الدّفء الإنسانيّ في هذه القاعة سيكون له صداه في أماكن أخرى ، وبالتأكيد ، في زنزانة الشاعر البعيدة الباردة.

* بَعْدَ ريميني وبولونيا ونابولي وميلانو احتفت العاصمة الإيطالية “روما” في حَفْلٍ حافِلٍ بتوقيع الترجمة الإيطالية للمجموعة الشعريّة “سيرة مَرَضيّة” للشاعر الفلسطيني السجين في السعوديّة “أشرف فيّاض” التي كان قد صدرَ أصْلُها العَربيّ مُؤخّراً عن دار ديار للنشر والتوزيع في تونس ، وقد أقيم حفل التوقيع في مكتبةGriotغريوت via S.Cecilia1 /A Roma ، وذلك يوم السبت14ديسمبر2019على الساعة السادسة مساء بتوقيت ايطاليا . وقد افتتح الحفل وأداره الأستاذ” سيموني سيبيليوSimone Sibilio المترجم والباحث في جامعة كافوسكاري فينيسيا حيث تحدث عن أهميّة تواصل اللقاءات للتذكير بقضيّة الشاعر “أشرف فيّاض” وإبقاءها حيّة في عقول ووجدانات النخب الثقافية عبر العالم ، مركّزا على أهميّة ترجمة مدوّنته الشعريّة في هذا السياق، فاسحا المجال لمترجمة الكتاب الأستاذة “سناء درغموني” التي تحدثت عن دوافع ترجمة “سيرة مرضيّة” وحوافزتنفيذ هذا المشروع الجمالية والحقوقيّة في سياق العمل الكبير التي تقوم به الأستاذة درغموني انتصارا للشاعر السجين وشعره المتميّز نحو المزيد من توسيع الضغط عبر العالم على السجان إلى أن يرضخ لهذه الإرادة الإنسانيّة ويطلق سراحه. عندئذ أفسح المجال للشاعر السوري هادي دانيال مدير دار ديار التونسية التي أصدرت الطبعة العربية من كتاب “سيرة مرضيّة” الذي قدّم المُداخلة أعلاه (التي سَتُنْشَر لاحقاً كاملة أيضا في الصحافة الإيطالية).ثمّ تحدثت الشاعرة الإيطالية فاليريا دي فيليتشي صاحبة الدار التي نشرت هذه الترجمة الإيطالية لمجموعة “سيرة مرضيّة” مبيّنة أهميّة هذا الحفل الذي يلقي أضواء جديدة على قضيّة الشاعر المحتفى بتجربته ، وعلى قصيّة شعبه في آن معا. ثمّ أعطيت الكلمة للشاعر المغربي”حسن نجمي” الذي أكد فيها على ضرورة إيجاد سبل ناجعة لإسقاط ماتبقى من الحكم الجائر على الشاعر ، محذرا من أن الوصول إلى تنفيذ الثمانمائة جلدة بحياته وبالتالي يكون حكم الإعدام قد نُفِّذ . كما تطرّق الأستاذ حسن نجمي إلى الأبعاد الجمالية اللافتة في قصيدة “أشرف فيّاض” ، قبل أن يقرأ الشاعر حسن نجمي قصيدة من “سيرة مرضيّة” لتقوم الشاعرة “فاليريا دي فيليتشي” بقراءة القصيدة ذاتها كما ترجمتها الأستاذة سناء درغموني في الكتاب المحتفى به.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: