هادي دانيال:سُؤالُ العَلاقاتِ التُّونسيّةِ – السُّوريَّةِ ، مُجَدَّداً

img

سُؤالُ العَلاقاتِ التُّونسيّةِ – السُّوريَّةِ ، مُجَدَّداً

هادي دانيال

انْقَضَتْ ثَلاثُ سَنواتٍ على انتِخاباتٍ رئاسيّةٍ نَزيهةٍ قَدَّمَ خِلالَها الأستاذ “الباجي قائد السِّبْسِي” بَرْنامجاً انْتِخابِيّاً تَلَقَّفَهُ الشَّعْبُ التونسيّ بإيجابيّةٍ  ، وَأَوْصَلَ السيّد “السبسي” رئيساً للجمهوريّةِ التونسيّة إلى قَصْر قرطاج (في ديسمبر2014) مِن أجْلِ تنفيذِ هذا البرنامِجِ الذي تَصَدَّرَهُ وَعْدٌ بإعادَةِ العَلاقاتِ مع الجمهوريّةِ العَرَبيّةِ السُّوريّةِ ، التي أقرَّ السيّدُ الرئيسُ الأستاذ “الباجي قائد السبسي” قَبْلَ وَبَعْدَ انْتِخابِهِ بأنَّ قَطْعَها كانَ خَطأً اقْتَرَفَهُ سَلَفُهُ الرّئيسُ المُؤَقَّتُ “مُحَمَّد المُنصف المرزوقي”.

باتَ مَعْرُوفاً أنَّ المُؤقَّت “المَرزوقي” ارْتَكَبَ ذلكَ الخطَأَ في سلسلةِ أخْطاءٍ تَتَعَلَّقُ بالسِّياسَتَيْنِ الدّاخليّة والخارجيّة لتونس نُزُولاً عنْدَ رغْبَةِ وَإرادَةِ “حَرَكَةِ النَّهْضَةِ” الإخوانيّة التي أَوْصَلَ نُوّابُها في “المجلسِ التأسيسي” الدُّمية  “المنصف المَرزُوقي” إلى “قَصْر قرطاج”  لٍتُحَرِّكَه “حركةُ النّهضة” والمُمَوِّل القَطَريّ في آنٍ مَعاً . ذلكَ أنّ الشيخ “راشد الغنُّوشي” زعيم “حركة النّهضة” كانَ قد صَرَّحَ مِن قناة “الجزيرة” القَطَريّة غَداةَ صُدُور نتائج انتخابات “المجلس التأسيسي” لِصالِحِ حَرَكَتِهِ ، بأنَّهُ عاقِدٌ العَزْمَ على قَطْعِ العلاقاتِ القائمة بين تونسَ وَدمشقَ.

أكثر مِن ذلكَ تَصَدَّرَتْ إعادَةُ العلاقاتِ مع سوريا برنامجَ “حركة نداء تونس” للانتخابات التّشريعيّة الذي بناءً عليهِ نَجَحَ الحزبُ الذي يتزَعَّمُهُ الرئيسُ “السبسي” في الحُصُولِ على العدد الأكبر مِن مَقاعِدِ “مجلسِ نُوّاب الشعب التونسي” ، وكانَ مُرَشَّحُوّ “نِداء تونُس” يُؤكِّدُونَ أنَّهُم في حالِ فَوْزِهِم في الانتِخاباتِ التشريعيّةِ سيَفْرِضُونَ إعادَةَ العَلاقاتِ مع سوريا حتي لو لم يَفُزْ زعيمُهُم “الباجي” في الانتخابات الرئاسيّة . لكّنهم فازوا وفازَ وبقيت العلاقات على الحال التي فرضَها المُؤقَّت القادم مِن باريس وشيخُهُ القادم مِن لندن. وَمُجَدّداً يَطْرحُ سؤال العلاقات التونسيّة السوريّة نفسَه ( هذا هوَ مقاليَ الثالث بشأن   العلاقات المقطوعة منذ سبع سنوات بين دمشق وتونس : الأوّل في فيفري 2015، والثاني في ماي 2017، ونشرتُهما في صحيفة “حقائق اون لاين” الالكترونيّة التونسيّة ) .

 كانَ بَعْضُ قيادَةِ “حركة نداء تونسَ” صادِقاً في وَعْدِهِ ، وَحِجّتُنا أنَّ وزيرَ الخارجيّة في أوَّلِ حُكُومَةٍ تَمَّ تشكيلُها بَعْدَ انتخابات “مجلسِ نُوّاب الشَّعب” ، وَهُوَ السيّد “الطيّب البكّوش” القياديّ آنذاك في “حركةِ نداء تونس”، أعْلَنَ بندوَةٍ صحفيّةٍ عَقدَها في العاصِمَةِ التونسيّةِ عَوْدَةَ العَلاقاتِ مع الجمهوريّةِ العربيّة السوريّة طالباً مِن دِمَشْقَ إرسال سفيرها إلى تونس  ..إنَّما في اليومِ ذاتِهِ أبْطَلَ الرّئيسُ “السبسي” مِن باريس ما قامَ بِهِ وزيرُ خارجيّتِهِ وألغاه!.

التونسيّات والتونسيّون الذين انتَخَبُوا حزبَ “نداء تونس” وزعيمَهُ “السبسي” في الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة ، صَوَّتوا بدون لبس لصالِحِ إعادةِ العلاقاتِ بينَ بلادِهِم وشقيقتِها سوريا . الوفود البرلمانيّة التي تُمَثِّلُ إلى جانبِ “نداء تونس” أحزاباً أخرى وَمُستقِلِّين ، ووُفُودِ الاتحاد العامّ التونسيّ للشغل وجمعيّات المجتمع المَدَني التي زارت دمشق والتَقَتْ سيادة الرئيس السوري الدكتور بشّار الأسد ، وَمِن قَبْل وَمِن بَعْد سيّرَتْ المُظاهرات وأقامتْ التظاهرات السياسيّة والثقافيّة المُسانِدَة للدولةِ السوريّةِ في عاصمةِ وَمدُن وبلدات تونس وسكنتْ ظلالُ العلَم السّوريّ بنجمتَيْهِ الخضراوين شوارعَ الخضراء وقُلُوبَ الأهالي.   يُفْتَرَضُ أنّ هذه الأغلبيّة التونسيّة البرلمانيّة والنّقابيّة و الجمعيّاتيّة والجماهيريّة السّاحقة ، هي المصدَر والمرجعيّة اللذان يحتاجهما رئيسٌ ديمقراطيّ مُنْتَخَب لاتِّخاذِ قرارٍ ينتظرهُ ناخبوه منه منذ ثلاثةِ أعوام . وإلاّ فأيْنَ تكمنُ إذَنْ مرجعيّةُ القرار التونسيّ السياديّ المُستقلّ؟!.

إذا كانت “حركة النّهضة” بمرجعيّتِها الإخوانيّة (وارتباطاتها بالسياسة الخارجيّة لِكُلٍّ مِن التركيّ “طيّب رجب أردوغان” وحزبِهِ ونِظامِهِ ، وحكّام مشْيَخَةِ قَطَر “آل ثاني” ، وَمنظّمة “الإيباك” الصهيونيّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة ) هِيَ جدار الصّدّ أمامَ الرِّئاسة التونسيّة الذي يَحُولُ دُونَ تنفيذِ أبْرَز وُعُودِها على مستوى سياسةِ تونس الخارجيّة ، ففي أيّ وَضْعٍ ستجدُ فيه “الرئاسة” و”الخارجيّة” التونسيّتان نَفسَيْهما عندما تُعيدُ مَثَلاً “أنْقرَة” (مرجعيّة حركة النّهضة الأبرز) علاقاتها مع دمشق ؟. وواقِعُ الحال أنَّ النِّظام التركي وَرئيسَهُ بَدَآ يَتحدَّثان بأنَّ مصالِحَ تركيا تقتضي التّعاوُنَ مع “نظام الرئيس بشّار الأسد”؟!.ناهيكَ عن أنَّ التونسيّات والتونسيين انتخَبْنَ وانتخبوا الرئيسَ السبسي وحزْبَه بدافِعٍ أساس هُوَ التعبير عن رفضِهم لسياساتِ حركةِ النّهضة الداخليّة والخارجيّة.

أمّا إذا كانَ التَّذَرُّع بِضُغُوطٍ خارجيّةٍ أمريكيّةٍ وأوربيّةٍ وخليجيّة وتركيّة ، فما الذي قَدَّمَتْهُ تلكَ الجِّهات الخارجيّة (الضّاغِطَة لبقاء تونس بعيدَةً عن دمشق ) مِن أجْلِ دَعْمِ تونس اقتِصاديّاً وماليّاً غيْر الوُعُود التي لم تُنَفَّذْ باعترافِ السلطات التونسيّة نَفسها. ماذا فعلَ هؤلاء غيْر إثقالِ تونس بمديونيّة غيْر مَسبُوقة منذ الاستقلال وانْخفاض مُدّخراتها مِن العملة الصّعبة إلى حافّة الخطر، وكما  أفاد الأستاذ في علم الاقتصاد “وجدي بن رجب” ضمن حديثهِ في برنامجِ ‘هات الصحيح’ على “قناة نسمة” يوم الخميس 7 ديسمبر 2017، في موضوع تصنيف تونس “جنّة ضريبية”، فإنّ الدُّوَل الأوربيّة وَضَعَتْ تونسَ على القائمةِ السوداء لأنّها ، أي تونس، باتتْ “جنّةً ضريبية للمُهرِّبين وجحيماً ضريبيّاً للشركات في القطاع المُنظَّم’. وإذا كانت الاتفاقيّات التجاريّة مع تركيا (أو عمولاتها ) مَصْدَراً رئيساً مِن مَصادِر “حركة النّهضة” …إلخ ، فإنَّ البدائلَ المَطْرُوحَةَ أمامَ تونس لإعادَةِ بناء اقتصادِها وإنقاذ الوَضْعِ الماليّ المُتَرَدِّي ، تَنْحَصِرُ في الدُّوَلِ الحليفَةِ للدَّولةِ السُّوريّةِ كروسيا والصِّين والهند وإيران وَسِواها .

واقِعُ الحال أنّ الرِّهان على هذهِ البدائل يَقتضي مِن السلطات التونسيّة بَدْءاً مِن “قصْر قرطاج” الإقدامَ على خُطوَةٍ رمزيّة ونوعيّة في آنٍ هِيَ تحديداً إعادَة العالقات الرسميّة كامِلَةً مع دِمشق. ذلكَ أنّ مثلَ هذه الخطوَة ستكونُ إصْلاحاً لِخَطَأٍ ارتَكَبَهُ نِظامُ “الترويكا” برئيسِهِ المُؤقَّتِ وَحُكُومَتَيْهِ “النَّهَضَوِيَّتين” ، وانْسِجاماً مع البرنامجين الانتِخابيّين لحركةِ “نداء تونس” والرئيس “السبسي” ، واستعادَة الأخيرين مِصداقِيَّةً مُغَيَّبَة ، كما ستكونُ تَوَجُّهاً سياسيّاً جديداً مُلائماً للتَّوَجُّهِ الاقتِصادِيّ الجديد المُفْتَرَض، وَيَفرضُ مُجَدَّداً على دُوَلِ المنطِقَةِ والعالَمِ احْتِرامَ تُونُسَ كَدَولَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ ذات سِيادَة ، وَعَصيّة على الخُضُوعِ لِضُغُوطِ الخارِجِ الغَرْبيّ والخليجيّ والتّرْكيّ الذي ثَبَتَ بالمَرئيِّ والمَلمُوسِ أنَّ آخرَ اهْتِماماتِهِ مَصْلَحَةُ المُواطِن التُّونسيّ وَدَوْلَتِهِ.

أخيراً ، وإنْ كُنّا نُقَدِّرُ لِتُونُس مَوْقِفَها المُتمَيِّزَ في رَفْضِ قرار الرئيس الأمريكيّ “دونالد ترامب” نَقْلَ سَفارَة بِلادِهِ مِن تل أبيب إلى القَدْس ،بَدْءاً من استِدعاء السفير الأمريكي إلى قصر قرطاج احْتِجاجاً على قرار “ترامب” وُصُولاً إلى المُوقفِ الشَّعبيّ التونسيّ الدّاعي إلى طَرْدِ السَّفير الأمريكيّ احْتِجاجاً على ذلك أيضاً ، وإن كُنّا نُدْرِكُ بواقِعيَّةٍ أنّ تونسَ الرسميّة ليست بِصَدَدِ التفكير بِتَصْعيدٍ مِن هذا النّوع ، فهذهِ الدَّرَجة مِنَ التَّصعيد يَتَجَرَّأُ بِها العَرَبُ على العَرَبِ فقط ، عَلى الرُّغْمِ مِن أنَّ ذلكَ سيكونُ لو افْتَرَضْنا حُصُولَهُ في تونسَ أو أي عاصمة عَرَبيّة أخرى – تنفيذاً لِقَرارٍ أكَدَّتْ عليهِ القِمَّةُ العرَبيّةُ في دوراتِها الثّلاث الأخيرة . وعلى الرَّغْمِ مِن أنَّهُ في هذا الوقتِ بالذّات تَنْشَغِلُ مديرةُ “المكتبةُ الوطنيّة” التونسيّة وبعْض الأكاديميّين التونسيّين  بإحياءِ ذِكرى “الهولوكوست” النازيّ ضدّ اليهود في النصف الأوّل مِن القرن المُنْصَرِم  وهيَ وَهُوَ (رجاءوحبيب) يسكتانِ عن “الهولوكست” الصهيوني ضدَّ الشَّعب الفلسطينيّ المُستَمرّ مُنْذ أكثَرَ مِن سبعين عاماً.

على الرُّغْمِ مِن ذلكَ كُلّه ، فإنَّ قَرارَ إعادَة العَلاقات التونسيّة – السُّوريّة سَيَكُونُ رَدَّاً ناجِعاً ضدَّ قَرار “ترامب” وانتِصاراً لِعُروبةِ القدس وللشعبِ الفلسطينيّ في صِراعِهِ الوُجُوديِّ مع العَدوِّ الصهيونيّ، وذلكَ لأنَّهُ عندَما تُقاطِعُ  دُوَلٌ عَربيّةٌ “قَلبَ العُروبةِ النّابض” مَثَلاً  بينما هذه الدُّول ذاتها عَيْنُها تمدّ الجُّسُورَ العَلَنيّةَ والسريّةَ ، المُباشرة وغير المباشرة، مع الكيان الصهيونيّ فإنّ “تل أبيب” تكونُ وَحْدَها المُستفيدَ مِن قَطعِ العَرَب علاقاتِهِم البَيْنِيَّة ، أيّاً كانت الذّرائع!.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.