نيتشه مهدماً للأوثان

img

نيتشه مهدماً للأوثان

تناقض ديونيزوس والمسيح في قضية الدين.

عبد اللطيف بطاح، باحث من المغرب.

 

 

 

 

نحاول في هذا الصفحات بسط النقاش بخصوص إشكالية الدين religion la من وجهة نظر نتشوية، وذلك بالوقوف على التناقض بين مبادئ ديونيزوسDionysusوالمسيح، آخذين بعين الاعتبار أننا نبتغي الاقتراب ولو نسبيا من تجربة فكرية لفيلسوف أراد لتجربته في التفكير محاورة الماضي الذي يشكل حاضرنا، هذا الماضي الذي لا يمضي وإنما يفتأ يعود ليصبح ظلا للحاضر، بوصف الأخير تجلي للعدمية، التي كان سعي نيتشه من زعزعة الميتافيزيقا رهان لتحرر الفكر من سطوتها في مختلف صورها، نظرا لأنها أساس لكل ميتافيزيقا.

إن التناقض بين ديونيزيوس والمسيح في مسألة الدين، راجع حسب نيتشه Nietzsche، لتصور كل من هما لمعنى الحياة، حيث تتخذ الأخيرة عند الأول صفة الخلق عبر زاوية الفن، وعند الثاني صفة الخلاص عبر زاوية القداسة، لذلك يبدو التعارض قائما بينهما، ففي الحالة الأولى يبدو الوجود بذاته مقدسا؛ أي أنه ألم وصراع بلا حدود، في حين يغذو في الحالة الثانية مفضيا إلى القداسة والخلود بالتضرع والطاعة وأخلاق الضعفاء.

الملاحظ أن الدين من وجهة نظر المسيحية أضحى نموذجا للانحطاط، وهو ما يتبدى في شخص الزهاد والأخلاقيين، لأنهم جميعا دون استثناء على حد تعبير نيتشهمصابون بمرض عضال، مرض جعلهم يرفضون شيء اسمه الحياة هنا بالفن فوق الأرض، مرض نابع من عقيدتهم المكرسة لأخلاق الطاعة والولاء، لهذا كان يرفض صاحب كتاب أفول الأصنام الامتثال للمسيحية، داعيا إلى العود الأبدي للإله ديونيزوس ودينه الجديد، لأنه يتضمن روحا نامية بسعادة تفيض بنشوة الفرح، روحا تتجاوز تناقضات الحياة ليس عبر المفارق ولكن بواسطة الاحتفالية التراجيدية المثبتة للحياة الأرضية.

إن صورة الإله ديونيزيوس، التي استعارها نيتشه من عند الإغريق، تعِد بحياة تولد مجددا وإلى الأبد، حياة تُعزف فيها سنفونية عنوانها الموسيقى والرقص والتراجيديا كوجهة مثبتة للحياة،حياة تعترف بالدين من دون نفيه، إنها لا تتبرأ من الدين، ولكنها تتبرأ من كل ما يذم ويجعل الحياة بئيسة، لدرجة أضحى فيها الطابو جذيرا بالاهتمام؛ فالجنس رغم ملازمته للسر والاحترام فهو يحمل دلالات ومعاني مختلفة، كونه مثبت للألم الأكثر حدة لما هو قوي وغير قادر على تأليه الوجود، مثبت للسعادة الأرضية التي يتبرأ منها المسيح، ذلك أن الضعفاء محرومين من هذا الامتياز في تعاليم المسيحية، فمادام الإله على الصليب تغذو الحياة لعنة وخطيئة ينبغي التحرر منها كونها سبب العذاب والدمار وإرادة العدم.

تبعا لهذا، تبدو المفارقة واضحة بين ديونيزيوس المبرر للألم بإثباته، وبين المسيح الذي يقر أن وجود الألم يجعل الحياة غير عادلة، بل ويجعلها ظالمة ومذنبة إذ كان هناك ألم، ومن ثم وجب تبريرها، فمادام الألم فهناك الخطيئة، ومادامت الخطيئة فنحن مذنبين، بهذا المعنى، يصبح جوهر المسيحية مرتبط بمعادلة ألم/عقاب، ألم/لعنة، معادلة تجعل الموجود داخل الوجود جريحا ومريضا ومحتضرا، ليغذو التعارض بين المسيح وديونيزيوس مرتبط بإثبات الحياة وتقديرها، أو بنفيها وتبخيس قدرتها.

يعارض ديونيزيوس، حسب نيتشه، بشكل مطلق النشوة المسيحية، جاعلا من الألم تمرين لإثبات إرادة القوة في الحياة، ورمز مباشر لإثبات المتعدد والاحتفاء بالتناقض من خلال تقليص الهوة بين زراديشتZoroastreوديونيزيوس، بشكل جعل صاحب كتاب غسق الأوثان يهدم كل الأوثان التي لصقت بالإنسان بسبب مبادئ المسيحية، متوسلا إلى استطيقاaesthesisدرامية تعلمنا الرقص واللعب والفرح أيضا.

يراهن نيتشه، من خلال هذا التقابل، على الحياة بذم كل عقيدة لا تعترف بالصراع بين الأضداد داخلها، لأنها عشق وصراع، حرب وسلم لأجل تحقيق الأفضل، عبر مسار حافل بالمخاطرة، مفتوح على آفاق تخلق إمكانات جديدة، وتحدد معنى التطور الإنساني وأسبابه، ليمتد الإنسان في اتجاه المستقبل بإرادة خلاقة، إرادة تحدد بزعزعةالمقدس عن عرشه المتعالي ما يجب أن يكون عليه البشر، وتجعلنا نغير رؤيتنا عن أنفسنا وعن العالم، بنظرة تفتحنا على سؤال المصير برقصات جسد يهتف بالحياة.

مما سبق بيانه، يبقى سؤال الدين سؤالا وجوديا في كليته، نظرا لعدم قدرة الإنسان على التخلص من المقدس، حيث إن ما نراهن عليه في هذه الخلاصة هو إعادة مساءلة الألغاز بمجازفة وكبرياء وإرادة قوة، مع ضرورة الإقرار بوجود الألم والسعادة هنا وهناك، لأن الحياة تستحق أن تعاش هنا أكثر من هناك.

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: