نورا سليلة شهرزاد أو حين يصبح الحكي وسيلة لإعادة تشكيل العالم

img

نورا سليلة شهرزاد أو حين يصبح الحكي وسيلة لإعادة تشكيل العالم

بقلم : هند الزيادي

تبدأ علاقتك مخاتلة مع  رواية”خيالات نورا المدهشة” من ظهر الغلاف عندما تقرأ :”لقد كتب مجدي بن عيسى التاريخ المعاصر لأحد أكثر القضايا التي هزت السكينة الاجتماعية لسكان مدينة قليبية وأجوارها”

فيذهب الى ظنك من الوهلة الأولى أنك ستتلصص على حكاية من حكايا المجتمع التي جاء بها في خبر على صفحات جريدة ما.وهذا ليس بالأمر السّيء فكل قارئ يقرأ الأثر الأدبيّ بانتظاراته ومستوى فهمه.غير أنّ العنوان بما هو العتبة الأولى يقف في تنافر تام مع هذه الفكرة.يناقضها ويوقع في الذهن لبسا غريبا.فبين الاعتقاد الرّاسخ بواقعية الحكاية داخل الرواية وبين هذا المركب الإضافي “خيالات نورا المدهشة” مسافة شاسعة.فماذا نصدّق؟بين تذييل يحيل على الواقع ويؤصّل الرواية فيه وبين عتبة أولى تحرر الرواية من عالم المادة أصلا وتموضعها في عالم الخيال/عالم اللاواقع، عالم الأفكار من حيث هو عالم مفارق للواقع يقف على الحدود بين الفكرة والمادة. وتجد العتبة الأولى إسنادا لها يلعب نفس الدور المخاتل في صورة مجموعة فتيات تظهر على وجوههن تعابير مختلفة تعمّق اختلافهن فتذكرك تلك  الوجوه بفتيات المعمل بطلات القصة التي هزّت مدينة قليبية ذات يوم وتعيدك إلى الواقع.لكن هذا الإعتقاد يتلاشى شيئا فشيئا عندما تنتبه أنّ الفتيات لسن في الحقيقة سوى فتاتين أُخذت لهما صور متعددة بتعابير وجه مختلفة تعبر عن الدهشة والفرحة والحزن واليأس والبرود والاستغراب.بعض من الحالات التي تعتري السامع وهو يتلقى الحكي  .تتموضع الصور على الغلاف في شكل صفّين تتوسطهما  مساحة لنفس الصور لكنها ضبابية لا نكاد نتبين ملامح الفتيات منها .وهكذا يعيد الغلاف نفس اللعبة بين الحقيقة والخيال ، بين الوضوح والضباب، بين الواضح والغائم بين الواقع والفكرة الذهنية.هذا الإرباك الذي لا خلاص منه هو هنا جوهر الرواية.فمتى كان الأدب اطمئنانا ودعة؟ وما الأدب إن لم يُثر فينا التساؤلات ولم يهدم فينا مسلمات ولم يغرنا بمناطق جديدة نرى منها العالم ومناظير جديدة تفسّر غوامضه؟

/perspectivismeمن هذا المنطلق ستكون قراءتنا لرواية”خيالات نورا المدهشة” من زاوية مفهوم

المنظورية الذي يعني حسب رونيه ويليك واوستن وارن(في كتابهما “نظرية الأدب) الاحتفاظ للعمل الأدبي بكيانه القائم ذاتيا دون أن يمنع ذلك من انفتاحه على رؤى أخرى من زوايا مختلفة اجتماعية وتاريخية….

اختار مجدي بن عيسى أن يجعل روايته في ستة فصول معنونة وتقاسمت تلك الفصول في الحقيقة روايتان .إحداهما تضمنت الأخرى. فالرواية الأولى وهي المُضمَّنة تمتد على أربعة فصول داخلية و هي حكاية بنات المعمل وصورهن الفضائحية التي انتشرت في المدينة وهزّتها .وهذا خبر لحدث  واقعي  حصل فعلا منذ سنوات في مدينة قليبية وتداولته الصحف آنذاك.أمّا الرواية الثانية، وهي التي سنهتم بها هنا،فهي رواية نورا كاتبة المعمل  وقد خصص لها الكاتب الفصل الأول والفصل الأخير وجعلها بهذا ،عن قصد أو دونه،الحكاية الأم التي نبتت من رحمهاالحكاية الثانية.

 

تبدأ نورا من الفصل الأول شرح برنامجها فإذا هو برنامج قائم على محورين : الخيال والحكي فنجد في الصفحة 10:” والممكنات التي تقصدها نورا حياة مختلفة تصوغها على هواها ويخضع لها الناس طواعية….صارت تنظر إلى غوايتها الجميلة هذه كبوابة لخيالاتها العظيمة خيالاتها التي نسجتها مما اقتنصته من أحوال الناس وتحولات مدينتهم طوال إقامتها بينهم، وأخرجتها الأحداث الأخيرة من قمقمها كجني الحكايات.مأنوس وقادر مثله على تنفيذ الأمنيات الغريبة والرغبات”[ص ص11.10]

في هذا المقطع تبرز كلمتان تؤطران حكاية نورا وتضعانها في فلك السردية- الأم التي تلقي بظلالها على الرواية : ألف ليلة وليلة.فالخيال(تكررت أكثر من 20 مرة في الفصل الأول وحده) والحكي هما عماد القصة الأولى وهما سلاح شهرزاد الذي قاومت به الموت وروضت به شهريار لتنقذ رأسها وبقية فتيات المملكة.ولئن كانت شهرزاد الموغلة في التاريخ تحكي لإنقاذ نفسها وبقية الفتيات فإنّ شهرزاد العصر الحديث (نورا) تتخيل وتحكي لتنقذ مدينتها التي أحبتها حتى وإن كانت تحكي هي أيضا قصة فتيات لم يقتلهن ملك بل قتلهن الاستغلال الرأسمالي الذي اقتات من عرقهن ومن أجسادهن وفضحهن، شهرزاد العصر الحديث/نورا تحكي لترميم ذاكرة تلك المدينة  ووعيها الجمعي .فهي التي وجدت في حادثة الصور الفاضحة تربة خصبة لتمارس خطّتها فنراها تتخيل وتحكي لتعيد بناء الأحداث على ذوقها وتوجهها الوجهة التي ارتأتها فتصحح منها ما حاد عن طريقه وتعيد بناء أقدار أهل المدينة ومصائر الفتيات وعائلاتهن بهدف الحصول على السعادة الأبدية بعيدا عن العار والذلّ الذين لحقا بالجميع بعد تلك الحادثة المشينة. وهوهدف سرعان ما ستتفطن نورا/شهرزاد إلى سذاجته حين تباغتها الشخصيات وتختار مصيرها وتفسد عليها مخططاتها.

     عرفنا إذن من العتبة الأولى إسم البطلة نورا. وتتكرر دلالات هذا الأسم مع الأستاذ منيرالمجاز في الفلسفة وتاريخ الأفكار. منير صديقها والعقل الذي تستنير به وتستدل به على دربها.ثنائيّ من نور يحاولان من خلال صداقتهما أن يكونا المشرط الذي يسلط على واقع المدينة فيكشفه ويشرحه. يبدو طريقهما في الظاهر واحدا غيرأنّ الرواي العليم يحكي لنا قصة منير وبداياته ومسيرته مع التغيير بينما لا نكاد نعرف لنورا أصلا ولا منبتا. ثم ستقرر نورا،في مرحلة مّا، الانفصال عن منير لما يظهر لها عجزه وعدم قدرته على مواكبتها في الفعل.

من هو منير إذن؟ هو أستاذ مجاز في الفلسفة وتاريخ الأفكار هو” عقلاني بطبعه” حالم “يقدر الخيال حق قدره.ثائر ضد سكون الناس وركود أفكارهم وخيالهم.نذر نفسه للتدريس لتحريض عقو الناس في سبيل ممكنات جديدةلكنه بعد مدة وعدد من الاحباطات تغير وكفت الفراشات عن الخروج من فمه.يئس من مهمته ومن الناس غلبه الواقع فصار واقعيا وعادت اقدامه لترتطم تدريجيا بصلابة أرض الواقع وهنا يقول السارد العليم “لكن تحوله الى تاريخ المدينة وانغماسه الشديد في تسقط أخبار المدينة وموقفه من حكاية الصور الخليعة جعلت نورا تتوجس منه على مشروعها الخيالي الكبير”(ص25)

منير يصلح ليكون ممثلا لجيل الاستقلال، الجيل المنفتح على الفلسفة والأفكار ، الجيل الذي آمن بالتغيير نحو الأفضل وحاكم التاريخ وأمل أن يكون فاعلا في المستقبل ثم انهزم شرّ هزيمة سنة 67  لما تحطمت أحلامه وأوهامه بمجد تليد على هدير محركات طائرات العدو تقصف الطائرات العربية وهي رابضة في مدارجها ولم تطلق رصاصة واحدة صوبها.حتى انه في آخر الرواية أصابته ردّة إلى الماضي فصار مثل الجميع يطلق الأحكام المسبقة على الناس ويدينهم ويسلط عليهم سيف الماضي ليحاكمهم به على حاضرهم.يقول(ص158)متحدثا عن شراكة محتملة لنورا مع عادل “لا يشرف فتاة أن تعمل مع المخنّث،لن أروي لك شيئاعن تاريخ عائلته، أنت تعرفين كل شيء” فتجيبه نورا (ص159)”صرت تفكر كبقية الناس،لم أعرفك هكذا تحكم على المستقبل بأحكام الماضي”.

منير يحاكم نفسه في آخر الرواية ويحاكم جيله معترفا بفشله في طيرادة طويلة يشرّح فيها الخطأ الذي وقعوا فيه بابتعادهم عن واقعهم والتنكّر لماضيهم وإسقاطهم للحل  إسقاطا لا يراعي خصوصيات ذلك الواقع ومتطلباته.(ص160)

من هي نورا؟ لا نتعرف إليها في الرواية إلا بصفتهاموظفة جديدةقادمة إلى المدينة من العاصمة لتشغل منصب كاتبة المصنع الذي دارت فيه الفضيحة(تصوير فتيات المصنع مع صاحب المصنع في أوضاع إباحية مخلة بالأدب) فلا أهل لها ولا اصل ولا تاريخ ولا طفولة.يبدو أن إسمها كاف لتعريفها بوظيفتها وبدورها الذي تطمح للعبه لا بأصلها أو شجرة عائلتها وتاريخها.نورا هي ما تنوي فعله في المستقبل لا ما كانته في الماضي.هي  نور يرتمي بسناه في المستقبل لينير دروبه ويعيش له.كانت تحلم بتغيير مصائر الفتيات وكامل المدينة الفتيّة المفتوحة على ممكنات لا متناهية، متسلحة في ذلك بملكتي الخيال والحكي كجدتها العظيمة شهرزادووريثتها الشرعية في العصر الحديث، هي التي تتسلح أيضا بغواية الحكي لتغيير وجهة التاريخ. .يقول السّارد العليم: “لقد كانت نورا قادرة على التأثير في انفعالات الناس بهذه الموهبة النادرة(البلاغة في التعبير/الحكي)…تطلق العنان لمخيلتها وتحلّ في عين الانفعال الذي تريد ثم تنفثه كالعطرفي الهواء من خلال كلماتها واحاديثها المعينة بدقّة.فتصيب من سامعيها مكامن مشاعرهم الخفية. لم تكن تكشف عن أفكارها”كانت تختلق الحكايات”(ص38) تلك كانت استراتيجيتها المحكمة في السرد. فهي تختلق الحكايات وتلعب على وتر الرغبات الدفينة لفتيات المعمل فتحرك حلمهن بالحب والسعادة الأبدية بحكاياتهامستغلّة الآثار المؤلمة التي خلفتها في نفوسهن فضيحة الصور الخليعة التي اندلعت في المعمل مؤثرة على سمعتهن وسمعة المدينة .غير أنّها كانت تحمل في رحم حكاياتها بذور الفشل وماكانت تدري.فحكاياتها كانت دقيقة مشبعة بتفاصيلها حتى لا تكاد تترك منفذا للفتيات لاعمال خيالهن والاجتهاد في إكمال تصورها لمستقبلهن وهو ما أثر على قدراتهن الخلاقة على الفعل وأصابتهن الاستكانة لما ترويه ولم يستطعن تجاوز موقع المفعول به إلى الفاعل وهذا لعمري سبب كاف لإحباط نورا وخروج الأمور عن سيطرتها وعما رسمته.فقد راهنت على الفعل لكنها زرعت في الفتيات بذور العجز.شهرزاد حولت حكاية بنات المعمل من حكاية جاهزة واقعة الى حكاية ممكنة من خلال الايحاء والتجريب وعبرالمناورة التحكم في نوازع النفس البشرية بهدف السعي إلى تغيير الكائن المقدّر بمصير ممكن مفتوح على كثير من الممكنات الأخرى.وذاك لعمري جوهر الحكي بما هو بناء لممكنات لامحدودة .

 

هكذا اذن ربما تكتمل صورة الثنائي منير ونورا، بين  مثالي سابح في عالم الافكار صدمه الواقع فتخلى عن مثاليته وفشل في رسالته وساكنة ازلية في عالم الخيال عجزت عن الفعل في الواقع و تغييره  بقوة الخيال فقط ففشلت هي أيضا.وهو ما يسمح لنا بالتساؤل عن ما كان يمكن أن يتحقق لهما وبهما لو استطاعا أن يوحدا استراتيجيتهماوأسلوب فعلهما وجمعا بين القدرة على التحرر بالخيال واستنباط حلول جديدة وأفكار مغاييرة عن السائد من أجل واقعهما الذي ينخرطان فيه بوعي ودراية بالمنطلقات والغايات.

نورا ومنير هما وريثا شهريار وشهرزاد وألف ليلة وليلة السّردية العربية الكبرى التي ستظلّ تتناسل منها كل الحكايا إلى أبد الآبدين على ما يبدو.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: