الرئيسيّة » فكر » نضوجٌ في الحب: د. قيس نزار أصفري
فكر

نضوجٌ في الحب: د. قيس نزار أصفري

Share Button
د. قيس نزار أصفري
مُحاضر في جامعة كامبردج – بريطانيا

 نضوج في الحب 1 
في الحب هم ناضجون ، والإنسياق الفطري هو من يقودهم لهذه الوداعة ، دون تكلّف ، حالة النضوج وليدة الحرية والمساحة ، لعلّ ذلك يعود لتحرير الذهن من المعرفة ، ولأن المعرفة تشكل التجارب وتتحكم فيها والذهن الذي يكون نورًا لنفسه لا يحتاج إلى أية تجربة …وعدم النضج هو رغبة ملحة في تجارب أكثر وأوسع … أما حالة النضوج في الحب فهو اجتياز المعرفة وتحرير الذهن من أحكام التجربة وانسياب الأصالة إلى عالم البراءة .

 نضوج في الحب 2 
نحن لا نخوض تجربة الحب ، تلك التجربة السامية النقية بل نخوض تجربة في نظام مجهز ، ندخل في قالب ونكرر ذات القصص وذات الوظائف وذات الكلمات ، والناضج في الحب يصنع نظام محبته الخاصة ، نظام نقي ورصين من محصول الكفاح الذاتي والوجع والفرح الهارب من أرض الأصالة الداخلية والتأمل والمراقبة ورصد الخطايا ، من هناك يجلب المرء نظامه في المحبة ، وإن وجود حالة استتباب للنظام لن يقوم إلا بولادة النماذج المكررة ، النضوج في الحب يصنعه المرء بذاته ، من الداخل ، لا قاعدة ولا قالب ، وجمالية النضوج في المحبة تكمن أن لا بداية له ولا حدود … غارق هائم في بحر نورانية الآخر كوداعة الجنين في الرحم .

نضوج في الحب 3 
لست وحدك في الأرض جاهلاً بأناه ، كم منا من عاش ويعيش جاهلاً بحقيقته ، تنتزع الثقة من خلده وينبت الخوف بداخلنا ، نخاف من ظلالنا ومن ملاحقة الماضي لنا ومن صوت المجهول ، ولكن كيف يعرف المرء بواطنه في دنيا يملأها الأسى ، نحن نعيش في دنيا من التزييف ، دنيا من الجهل من الإستغلال والغش والمراءاة ، واقعاً ، نحن من جررنا الأنا فينا نحو الأسى أكثر من حصار الأسى لنا ، نحن من نتراكض نحو ما يتلاحق إليه الآخرين ، نخوض في تفاصيل البلهاء وإثبات الحضور ، نغرق في مجاملتهم وصراعهم ، نحن من نغرق في زيف وخداع أرواحنا البرية ، تلك الأرواح الأصيلة صادقة ونقية وشجاعة ، والأنا السعيدة المطمئنة هائمة بعيداً عن النسق باحثة عن سلام متفرد ، قانعة أن الشر والفناء موازٍ للغبطة والبقاء ، منساقة نحو الطمأنينة الحقيقية والوعي الحقيقي والنضوج الحقيقي بلا أمر الحاكم وقانون الدولة وسلطة البشر ، ومنها يكون النضوج في الحب ، الأنا الحقيقية غجرية دائماً عفوية ومنساقة نحو أصالتها وعمقها .

 نضوج في الحب 4 
يقول الناسك : من عرف مزاج عقله تاه في مزاجيات الحياة ، إنها تسحبه وتشده لمزاجها الشائع والمألوف … ويقول المريد : ماذا لو كانت المحبة مزاج الكون ؟ ، يرد عليه الناسك : ليس للمحبة أن تكون مزاجاً للكون ، إنها مزاج اللحظة إنها عصارة الغبطة ونشوة الرقصة وخلود المرح في الطفولة إنها من صنع براءة آنية .

 نضوج في الحب 5 
إن ما يجمع امرئ مع آخر هو الوحدوية في المحبة ، هي منفصلة عنه ، دون وجود الرغبة واللذة المتولدة من الحس ، ونتاجها يكون بالجنس ، ولكن إن كان ذاك فلماذا يذوب الحب بعد ممارسته … واقعاً إننا لا نمارس الجنس إنما نستهلكه وننساق نحوه في لحظة هجران للذات لنعود بعدها إلى التخبط في الحب ، واقعون دائماً في استهلاك الآخر والتغذي عليه ، الغيرة والتملك والواجب والإتكالية ، سأحبه ما دام لي ، وسأحبها ما دامت ترعاني .. الحب لا يعرف انتماء للآخر ، الوحدوية والحرية ليست من الآخر وإنما من الذات أيضاً ، لا يمكن أن يكون مسيجاً عالقاً في الغيرة وليدة الماضي ، فالحب ابن الحاضر ابن الآن ، ولا يمكن أن يكون الواجب والمسؤولية حباً ، هل على الإنسان أن ينصاع كي يثبت حبه ؟ عندما تفعل شيئاً انطلاقاً من الواجب هل هناك أي شيء من الحب فيه !؟ بنية الواجب دمرت الإنسان كلياً ، وهل هناك أجمل أن نحب أحدهم بدون كراهية، بدون غيرة، بدون غضب، بدون الرغبة في التدخل فيما يفعل أو يفكر به الطرف الثاني، بدون نقد، بدون مقارنة عندما تحب أحدهم بكل جوارحك، بكليتك كلها، ذهنك وجسمك، بكامل وجودك، هل هناك مقارنة؟ ، وعندما تضحي بذاتك كرمةً لذلك الحب فقد صرت في صيرورة المحب والتصوف به .

 نضوج في الحب 6 
وحال المحب في الوصل كحاله في الهجر ، وإن كان حضور المحبوب يفنيك عنك فإن هجره يبقيك معك ، وإن تعطّل عمل الجوارح فإن عمل الروح يبقى … وإن كان الفراق من أمر المحبوب وعمله فلا يؤثِر المحب حظه على حظ المحبوب فيغرم به حال هجره كما غُرم به حال وصله ، فكل ما يفعل المحبوب … محبوب .

 نضوج في الحب 7 
الحب نقلة ، تحوّل … لا يجري أبدًا مع الوقت والزمن…الزمن لن يعطينا النقلة ؛ يمكن له فقط أن يُحدِثَ تغييرًا ، تعوّداً ، كما أنه يحتاج إلى أن يترمم دائماً ، ككل الإصلاحات…أما الحب متحرر ، متجرد من الزمن ، والحرية فيه … ومن دون الحرية ثمة دومًا اختيار ونزاع .

نضوج في الحب 8 
ولا يبدأ الحب بالحس حتى ينتهي به ، فالهائم في محبوبه يربط المعنى بالحس كما يربط الذاتي بالعرضي ، وإن تعثر الحس بالفراق والأمكنة فيما بين المحبين فلا يتعثر المعنى والخيال ، فيفرغ المحب إلى خياله كخيال الصبي أول بلوغه ، يصنع الدنيا على مثال أحلامه ، وحين يرقد لنومه يزوره طيف المحبوب الذي دونهما كل الأسباب والبحور السبع ، حتى إذا زاره الطيف فزع إلى محبوبه يخترع أزمنة غير الأزمنة وأمكنة غير الأمكنة ، وبشراً غير البشر ، وقواعد غير التي يحيا بها … فيهيم به إلى النجوم ويتكشف له ماض الأرض وعوالم الكون .

 نضوج في الحب 9 
ولا سلطان على الحب … إذ لا مكان يقيّده ، ولا حياة ولا ممات ، فحيثما أراد المحب اختلى بمحبوبه ، فيطلبه في الخلوة حين شوقه له في الملأ ، ويطلبه في الملأ حين فقده له في الخلوة ، ولعلّ الحب بلاء الإنسان على الأرض وزينة وجوده في آنٍ واحد ، فلا تقمعه السنين ولا تهزمه إرادة الغير ولا يبقى بالإفصاح عنه ولا يفنى بكتمانه ولا يظل الحب معدوماً طالما بقي سراً في القلب ، سلطانه فوق سلطاننا ، أمره فوق أمرنا ، وإثمه نشوة نعترف بها تتردد على وجداننا إذ تتواطؤ الضرورات بأحكامها لتلبّي مطالب الرغبة في السر والعلانية .

 نضوج في الحب 10 
حالة أن تحب ، أن تكون واقعاً به … أن تكون قيمة الجمال حاضرة لكل حواسك ، حاضرة كالظل … تلك الحالة في رؤيتك للتفاصيل بجمالية خاصة ، يرافق الجمال كل ماهو مألوف ومعتاد ، النجوم التي ما لمعت يوماً تتوهج فوق رأسك ، والأحلام التي ما كنت تذكرها ترتلها كل صباح ، تغدو الأكلات كلها لذيذة ، والشراب كله حلو ، حينما تصير النكات التافهة نشوة مضحكة … الحب بالفعل يصنع المعجزات ، يجعل منّا أن نطير … الحب براءة دائمة .
 
Facebook Comments
Share Button
الكلمات الدلالية

اضف تعليقا

انقر هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬410 مشتركين