نشطاء الحقل الثقافي و المدني في تونس يرفضون العنف المسلّط على المبدع

img

بقلم سميرة ربعاوي 

 

طالما كان المبدع في تونس “كيس الرّمل” الذي يتلقّى اللكمات من كلّ حدب و صوب، فمن ضربات المجتمع، الى ضربات الأنظمة المختلفة التي تعاقبت على هذا البلد. وقد تفاقمت موجة العُنف الموجهة ضد المبدعين خصوصا منذ أحداث ديسمبر 2010- جانفي 2011، فماذا يخفي هذا العنف المسلط على باعثي الابداع في تونس؟

تمرّ ثماني سنوات على احداث 14 جانفي.فترة تتالى فيها الاعتداءات على المبدعين في مختلف المجالات الثقافية والاوساط الفنيّة وقد وصلت الى حدّ اصدار فتاوى من اجل اهدار دمائهم. لعلّ ابرز هذه الاعتداءات ما تعرضت له قناة نسمة سنة 2011 على اثر عرضها لفيلم “بلاد فارس”من محاولات اقتحام واعتداء بالعنف من قبل مجموعة من المتشددين، تسلح بعض من أفرادها بأسلحة بيضاء بدعوى ان القناة قد اساءت للمقدّسات. وفي سنة 2012  وقعما يُسمّى بحادثة قصر العبدليّة في ولاية المرسى،  حيث تعرض القصر إلى هجوم ممّن يُحسبون على التيار السلفي، اذ خرّبوا محتواه و أحرقوا لوحات فنية معروضه بداخله ادّعوْا انّها مسيئة للدّين الإسلامي.وباتساع دائرة العنف، تسببت هذه الأحداث في مقتل شخص وإصابة أكثر من مائة آخرينوذلك بعدحدوث مواجهات بين رجال الامن ومجموعات سلفية مما حتّم على السلطات فرض حظر التجوّل في عدة ولايات.

لم تقف موجة العنف عند هاتين الحادثتين بل اخذت تتفاقم وتتسع في السنوات الموالية والى حدّ اليوم . ولعلّ اخرها ما تعرّض له مجموعة من الشبان المسرحيين في ولاية سيدي بوزيد من اقتحام لمنزلهم والاعتداء عليهم بالعنف الشّديد  دون ان تحرك السلط الأمنية بالجهة ساكنا امام استغاثاتهم المتتالية. وقد انتهت الحادثة بنقلهم للاسعافومن بينهم من تلقى إصابات خطيرة حتّمت اقامته بالمُستشفى، لتكون هاته الحادثة شاهدا اخر على  الاستهداف الواضح لصُنّاع الابداع في تونس، فمن مطرقة المعتدين الى سندان مؤسسات الدولة التي تتوانى عن حماية المبدعين .

 

ياسر جرادي : الاعتداء على الفنّان في تونس يعكسُ أزمة وعي وأزمة ردع

في حديث اجريناهُ مع ياسر جرادي وهو فنّانٌ مُلتزم ومسرحيّ وسينمائي و حُروفيّ وفنّانٌ تشكيلي، يرى أنّ الوعي أكثر نجاعة من الرّدع في صدّ المُعتدي على الفنّان ولكنّهُ يتطلّب أكثر حكمة وأكثر وقت.

ويرى الفنّان ياسر جرادي أنّ الدولة مسؤولة على تحديد قدر الاحترام للفنّانين،فإذا لم تعطهم ما يستحقّون من الاحترام ينعكسُ ذلك مُباشرة على موقف عامّة المواطنين ليصل في عديد الأحيان الى االاعتداءات بمختلف اشكالها بما فيها  من تهديد لحياة باعثي الابداع في هذا البلد.

ويضيف ياسر جرادي أنّ الاعتداءات مُمنهجة لأنّها تكررت أكثر من مرّة ومن نفس الجهة التكفيريّة،فمنذ احداث 14 جانفي تتالت الخطابات المُتطرّفة التي تُبيح سفك دماء المبدعين في مختلف المجالات. وهنا يستحضر حادثتين بارزتين عايشهما في تلك الفترة. أولهما حادثة افريكاارت  سنة 2011 ويقول بشأنها “كسّروا البلار وهدّدونا علنا بالذّبح لأننا كنا بصدد مشاهدة فيلم “لا ربّي .. لا سيدي” ولكننا تمسكنا بالعرض و ذلك ما حدث فعلا”. أما  الحادثة الثانية فهي حادثة “اليوم العالمي للمسرح” والتي كان السبب فيها ما قام به وزير الداخلية آنذاك علي العريّض الذي  منح ترخيصين لتظاهرتين في نفس اليوم ونفس المكان :شارع الحبيب بورقيبة. وهذا ما يؤكّد ان العُنف كانمُمنهجا ،بالفعل، منذُ البداية … “نهارتها منعونا من انا نعملو المسرح ونغنّيو في شارع الحبيب بورقيبة، وأكثر من ذلك، أجبرنا البوليس على أننا نتخباو في المسرح البلدي، وحاول تقريبا خمسة الاف سلفيّ أنهم يكسرّوا باب المسرح ويهجمو علينا.. كُنّا 150 فنّان في مواجهة قرابة خمسة الاف سلفي .. فما جملة مازالت محفورة في ذاكرتي قالهالنا بوليسيّ وقتها  » يعيّشكم خبيو العلم رانا غير قادرين على حمايتكم «. وهنا يحكي على عَلم تُونس.. على خاطر عَلم تُونس كان ينرفز السلفيّين اللي جاو براياتهم السّوداء”.

ويقول ياسر جرادي أنّ الدولة هي التي تتحمّل مسؤولية هاته الاعتداءات المتكررة على المُبدعين في تونس. فهي التي يجب ان تضمن حسن تطبيق الدستور الذي يأتي في اعلى هرم القوانين والذي يكفل بدوره حريّة التعبير والاختلاف وحريّة الضميرأيضا.

 

 

محمّد الناصر المولّهي :المبدعون دائما في الصفّ الاوّل من قوى التنوير والتغيير وحتّى الثّورة.

في حديث اجريناه مع الشاعر والصحفيّ محمد الناصر المولهي، يرى انوظيفة المبدع تتجاوز مجرد التغيير الحيني المُؤقّت كما هو حال السّياسي، فالمبدع لا يغير الواقع بل يغيّر الوعي الذي يمكنه تغيير الواقع جذريّا. ومن هنا نفهم خطورة الابداع على النُّظُم الأحاديّة التي ترى كلّ ما يُخالفُها عداء. هذه القوى ممثلة خاصّة في الدّين والعادات والمُجتمع العام. اذ يُحاربون التغيير في الوعي بقوّة أكبر وأشرس من التغيير السطحي.

ومن وجهة نظره،يرى الشاعر محمد الناصر المولّهي انّ اول من تعرّض للاعتداء زمن الثّورة هم المبدعون وقد استمرّ ذلك بعد الثورة،مستشهدا في ذلك بحادثةالعبدليّة والهجوم على السينمائيين مثل مخرج مسرحيّة الهاكم التكاثر”نجيب خلف الله” سنة 2017، وحتّى على الشعراء. اذ تفاقم العداء ضدّ المبدعين الذين وجدوا أنفسهمبين من خيّر الصمت ومن واجه بشجاعة مثل المخرج نصر الدّين السهيلي الذي مازال يُقاوم الى الان ومثل الشعراء الشّباب الذين مازالوا يتعرضون للتضييق والتغييب. والاكيدُ انّ الحرية وتغيير الوعي معركة طويلة.

 

محمد علي بوعلاق : استهداف المبدعين يعكس ازمة وعي

في تحليله لظاهرة العنف المسلّط على المبدعين، يرى الكاتب والمسرحيّ محمد علي بوعلاق انّ العنف بالأساس معنويّ اذ ينزع التونسيّ في المطلق الى الحطّ من قيمة الأمور التي لا يفقهها وخصوصا ذات الطابع الابداعيّ. اذ القول بانّ الابداع هو لغة تسبق العصر الذي يتواجد فيه المبدع سبب رئيسيّ. ثمّ ان مجموعة الضوابط المبنيّة على الحلال والحرام هي الأخطر بمضامينها التكفيريّة الوافدة او الطّافية على السّطح بعد الثّورة. هذه المضامين الرافضة لكلّ شكل “ينحرفُ” وفقا لمعايرتها القائمة على الصّدّ والمنع بالأدوات التي اعتُمدت قبل 1400 سنة متّهمون.

كما يرى الكاتب محمّدبوعلاق انّ الفنّ والابداع ثوريّين بالأساس، بمعنى الثورة على نواميس المُجتمع ثمّ على منظومات الحكم عبر التاريخ وهذا يُقلقُ من يسوس البلاد لأنْ لا يتعرى امام شعبه في قصيدة أو قطعة مسرحيّة، فيتحالف الجهل مع السُّلطة على كلّ مُبتكر حديث حتّى لا يتعدى لفضاءات هي مجالهم الحيويّ. وربما اتضح بعد 14 جانفي انّطرفا بعينيه يُمنهجُ الاعتداءات على المبدعين ويمدّها لوجستيّا. كون الدولة التي تحوي مثقّفين عضويّين لا يُمكنُ حكمها بسهولة كما لا يمكنُ مسّ مدنيّتها وما وقوف بعض المُثقّفين ضد السّير بتونس نحو نظام تيوقراطيّ الا مثالا على ذلك.ونتيجة لذلك كانت اعتداءات العبدليّة ثمّ عدّة محطات أخرى تنجزها الدّولة بأدواتها المختلفة من شذاذ الأفق والبانديّة الى البُوليس ومنع مجموعات فنّ الشارع في فترات سابقة أفضل مثال.

وحسب اعتقاده، فإنّ تونس اعتادت قتل ونفي مُبدعيها لأنّ من يُمسك بالسلطة دائما ما يكون غير ذي ثقة ولا موهبة في شيء.

 

أحمد بالي : العنف المسلط على المبدعين نتاجّ لغياب ثقافة الاختلاف.

في لقاء مع أحمد بالي وهو مُختصّ في علم الاجتماع، تحدّث عن العنف الذي يستهدف المبدعين بانّه لايخفي ازمة وعي، بل هو نتاج غياب الوعي وثقافة الحوار وقبول الاخرين على اختلافهم. ومن ناحية أخرى، يرى انّ من يلتجئ للعنف يمكن ان يكون هو نفسه ضحيّة عنف مع انّ هذا لا ينفي صفة الاجرام عن سلوكه.

حسب رايه، المبدع مثل ايّ مواطن عاديّ في تونس، يمكن ان تتسلّط عليه جميع اشكال العنف، كالعنف الاقتصادي، العنف المادي وكذلك العنف المعنوي وخصوصا الرمزي الذي يُسرّبُ الينا في المعرفة ويمارَس فيالاعلام.. وحتى في المنابر الدينية والخُطب السياسيّة. مما يؤدي الى فرض العنف، بالحديد والنّار، كوسيلة لرفض الاخرين بما فيهم المبدع الذي يحارب هذه الظاهرة وكأننا به يدفع ضريبة فنّه وثقافته وابداعه.

وفي حقيقة الامر، وفق قوله، المبدع مرفوض من الجميع. مرفوض من المجتمع بإرثه الثقافي وعاداته وتقاليده والمعتقدات التي يحملها. وهو مرفوض، من جهة ثانية، من الأنظمة السياسية المختلفة. فالمبدع يكون متجذّرا في الواقع، ولكنّه ينظر الى الاحداث التي تدور حوله بعين ناقدة رافضة لما هو موجود، ساعية نحو المنشود.

ويرى أحمد بالي أن المبدع كان ولازال ضحيّة عنصرين،فإما الترغيب وامّا الترهيب. اما مبدعا في بلاط الحكام وخاضعا لنواميس المُجتمع، وامّا مبدعا في السّجون.  فكلّ من يحاول احداث رجّة على مستوى الثوابت بمختلف مجالاتها وخصوصا منها الفكرية، الا وتلقّى صناع الابداع اللكمات من كل الجهات.

كما يرى انّ ثورة 14 جانفي وما احدثته من تغييرات على المستوى السياسي خصوصا، قد نتجت عنها حالة من الخلط بين مفهومي الحريّة والفوضى. وقد ساهمت وسائل الاعلام بشكل واسع في تغذيه العنف من خلال الرسائل التي تنشرها والتي لطالما تضمّنت مغالطات بخصوص المبدعين والابداع، فلم تُنصفهم ولم تحاول تبسيط منتجاتهم الثقافية وابداعاتهم للعموم.

ويُضيفُ، ان ظهور التيارات الفكرية المتشدّدة إثر الثورة، قد غذّى العنف وساهم في انتشاره، بل وصار وسيلة من اجل دحر كلّ مُختلفِ وهذا ما يعكسُ ازمة على جميع المستويات وخاصة منها الفكريّة والسياسية كذلك. فنحن اليوم نتحدّث عن معجم جديد تمّ فرضه، مضمونه التكفير والشتم والاعتداء على الحرمة الجسدية للمبدع.

وفي كلمة أخيرة يقول السيّد احمد بالي “رفقا بالفنّانين، رفقا بالمبدعين.. المُبدع هو الذي يبكي من أجل أن نبتسم، هو الذي يُسجن لأجل أن نكون أحرارا، هو الذي يتألم حتى نتعلّم… المبدع الحقيقيّ هو الذي يحترقُ فتيلا من أجل اضاءة دُرُوبنا”.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.