الرئيسيّة » نصوص نقديّة » نسرين مباركة حسن :لمن يكتب الصادق بن مهني؟
نصوص نقديّة

نسرين مباركة حسن :لمن يكتب الصادق بن مهني؟

Share Button
لمن يكتب الصادق بن مهني؟
أو ماهي الرسائل التي وصلت من سارق الطماطم؟ ولمن وصلت؟
بقلم : نسرين مباركة حسن 
 
ان أول سؤال تبادر الى ذهني وأنا أقرأ “سارق الطماطم او زادني الحبس عمرا” وبعد ان انتهيت من قراءته أيضا: لمن يتوجه الصادق بن مهني برسائله؟
ذلك أن كاتبا ما -أي من اختار ان يكتب ثم ينشر لابد يحمل رسائل يوجهها والا ما كان لينشر والرسائل لابد أيضا موجهة لفئات معينة وان كان الكتاب للجميع
1- الكتاب موجه لي:
 
قرات الكتاب فشعرت أني في عائلتي، في مهنتي، في محيطي.. شعرت اني في حياتي أغلب الاسماء التي ذكرت جمعني شيئا ما معها – فقط اختلفت المسافة وحجم المعرفة
 
2- الكتاب موجه الى الصادق بن مهني:
 
ذكرى خاطفة ….مثلما يرصده بلور النافذة في فصل الشتاء وقد غزاه الضباب. موجه الى الصادق الذي طلب منه كثيرا ان يكتب عن ما حدث منذ 43 السنة منذ أكتوبر 1974 أو ما حدث طيلة الفترة التي مضت بين أكتوبر 74 وماي 1980.
و لكن مخاضا منتظرا جاء فقط سنة 2017 فلا أفهم كيف أواجه ما غاب من تفاصيل. هل هو ارضاء لطلب قديم جديد للكتابة عن ما حدث؟
هل هو الصمود الذي عرف به الكاتب في الحياة طبع أيضا صفحات أوراقه فلم يعترف بالسجن المظلم : لم نر ألوانه الشاحبة، لم تغشينا ظلماته، لم نشتم روائحه التي كانت تهب من “شرق المتوسط”، لم نسمع صراخ رواده، لم نتألم كثيرا..بل أحيانا وددنا لو نلتحق بالجماعة وأحاديثهم ، قد نشارك نقاش فيلم او عرض كتاب.
لم نعد نعرف ان كنا في الحبس أم دار الثقافة في احدى المدن التونسية ذات زمن
لقد بهت السجن في كتابة الصادق بن مهني.
هل كان لابد ان نعظمه؟ ان نرسمه مثلما رأيناه، مثلما عاش فيه الكاتب
لقد طمست الثورة أو نتائجها او مسار الأحداث فيها ملامح السجن المدني 9 أفريل بدل أن تبقي عليه معلما شاهدا على فظاعات النظام ..اخرون رأو انه الافضل هدمه ونسيانه وهكذا صار.
هل هكذا فعل الكاتب بالسجن، هده سطرا سطرا ونفضه حرفا بحرف فما بقي منه الا كما يقول “انطباعات وأحاسيس ألم أو نشوة” تنتابه “من حين لحين اما الجزئيات والتفاصيل فهي قد غارت وبهتت واوهنت ملامحها افاعيل الحياة”.
 
3- الكتاب موجه لرفاق الدرب والاصدقاء:
 
هم الذين يعرفون التواريخ وهم ابناء المرحلة وهم يعرف بعضهم بعضهم. فلا وقائع مسجلة ولا تواريخ محددة ولا تعريفات لمن ذكروا بين صفحة وأخرى.
الكل يعرف الكل.
تاريخ يشيخ فيه النظام ويشهد خلاله أشد أزماته.
تاريخ تشحنه الحركة النقابية بتقدمها الصفوف… لكن النذر القليل يذكر عن ذلك وعن اطار تلك الفترة. ربما لأن الكاتب في لحظة الكتابة كان يضع في الاعتبارات بان هذا الذي يقرأ لابد ملم بالتاريخ والاوضاع والاشخاص.
4- الكتاب موجه للشباب:
 
الشباب المنتظم سياسيا في أحزاب أو حركات اجتماعية يقول لهم الكاتب : لا تتنظموا!
أو ربما يقول ان ما فعلناه كان حلما..أضغاث مراهقة – أحيانا فهمت انه يقول :أن ذلك كان خطأ وانه في السجن تعلم ان يستفيق.
من ماذا ستفيق الشباب؟
من حلمهم بان التنظيم سيحررهم و سيحرر من يدافعون عنهم؟ من القناعة بأن النضال داخل التنظيم يزيل النظام و ينتصر عليه؟ من ان قضيتكم انتم الذين سجنتم وعذبتم كانت خطا؟
لماذا خاف منكم النظام اذن؟
هل لأنكم “رومنسيون” و “شعراء”؟
هل كان ذلك لحظة بوح اثناء كتابة ام خلاصة درس؟
لماذا اذا(حسب ما يقول الكاتب) “أشهر صوركم في كل مراكزه وتجد زباينه في مطاردتكم”؟
لماذا “تحبسون فرادى في العزل أو مجموعات صغيرة أو كبيرة”؟
لماذا عذبكم ولماذا اطال حبسكم؟
لقد كنتم مربكون جدا ومخيفون بالنسبة لسارق افتك حق الآخرين فخاف تجمعهم ففرقهم.
دخلتم من أجل قضية تنهش أطراف النظام جسدا واحدا صامتا صامدا.
ولكنكم خرجتم فرادى، كان الحبس دربة على النسيان..نسيان ما من أجله حشرتم بين قضبانه ..ونحن نقرأ الكتاب لا ندرك جيدا كنه القضية والسبب الحقيقي الذي دخلتهم من أجله السجن..
 
5- الكتاب موجه للانسان:
 
“زادني الحبس عمرا” يخاطب الانسان الكوني، فيه رسالة علا صوتها على صوت السياط بل على صراخ وتأوه لم يلفظ به السجين المناضل. الكتاب حمال رسالة واضحة حول القراءة هي أبلغ ما قرأت وهي رسالة الرسائل في الكتاب.
قراءة رسائل الاهل و الأحبة للاخرين: مشهد فيه تشاركية عميقة للشوق والاطمئنان والحب للأهل الذين صاروا اهل كل سجين ولرائحة الخارج التي تعطر بها كل داخل.
قراءة الكتاب والجريدة والخواطر و الشعر قراءة كل شئ، “قراءة في التعمير والقانون وعلم النفس والروايات والسير والرحلات والطب”. قراءة هي نظرة على الانسان في كل افقه من كل افق.
رسالة لمواجهة القمع ومجابهة قضبان السجن بالانسياب منها كلمة كلمة والسفر بعيدا عنها رحلة رحلة.
كم بلدا زار السجين؟ وكم علما تزود به وهو في “جامعة” جديدة درس فيها كل المواد دون فصل..
درس العلوم والاداب..القانون والطب..التاريخ وعلم النفس..درس كما يليق بالانسان ان يدرس دونما حرمان باسم التخصص..فتح كل الأفق. .دروبا كانت مظلمة

فتخصص في جميعها وانارها بالقراءة.
قال الزعيم القمعي: “خلولي البقية لعيد ميلادي” يزين بهم عمرا فزاد الكاتب من قمع الزعيم والنظام لعمره.
في كتاب الصادق بن مهني رسالة تقول ان السفر في ظل قمع الفقر ممكن
أن التزود بالعلوم في ظل قمع الجهل ممكن
ان المعرفة بالقانون في ظل قمع التخصص المغاير ممكن
ان المستحيل بالقراءة ممكن
بالعفو من الممكن أن تغادر باب السجن
بالاعتراف من الممكن ان تعود الى بيتك وهزيمتك
بقضاء فترة السجن، ستعود.
بالقراءة، تحلق عاليا، تدخل حدودا دون تاشيرة وتعرف ما امكن عن العالم والإنسان
رسالة من زاده الحبس عمرا هي رسالة من دخل السجن “ولم ير من الدنيا رؤية عين” فخرج والدنيا بين يديه، يتصفحها، يعود لها، يجتازها، يقلبها ويعرفها عن ظهر كتاب.
الكتاب خلاصته “اقرأ”
“إقرأ” ليس كما علمونا:
إقرأ لتنجح
إقرأ لتعمل
انها “إقرأ” كما علمنا الصادق بن مهني:
“إقرأ” لتنتصر
إقرأ لتصبح انسانا
Facebook Comments
Share Button

اضف تعليقا

انقر هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬410 مشتركين