نزيف على الرصيف-ايفان هنتر

img

قصة مترجمة 

نزيف على الرصيف 

    On The Sidewalk Bleeding

ايفان هنتر Evan Hunter *

ترجمة : زيد الشهيد – العراق- السماوة

على الرصيفِ ، وتحتَ المطر كان الصبي ذو السادسة عشر من العمر مُمدَّداً وينزف . يرتدي   سترةً أرجوانيةً زاهية ، على جزئها الخلفي كلمةٌ احرفها تقول : “رويالز. “** اسمه آندي ، مكتوبٌ بدقَّةٍ وبخيطٍ أسود على الجزءِ الأمامي من سترته ، وتحديداً فوقَ القلب .

مُمدَّداً كان ، وقد طُعن قبلَ عشر دقائق بسكين أسفلَ قفصِه الصدري مباشرةً  ؛ طعنةٌ اخترقت بطنه بعنفٍ شديد مُسبِّبةً فجوةً واسعةٍ في جسده . كان مُستلقياً على الرصيفِ تحتَ مطر  آذار الذي تشبَّعت به سترتُه ، وبلَّلَ جسمَه ، وغسلَ الدمُ الذي انسكب من جُرحِه الفاغر . يشعرُ بألمٍ مُبرحٍ جرّاء سكينٍ مزَّق اعضاءه ، غير أنَّ ارتياحاً نسبياً مفاجئاً اعتراه حين سحبَ النصل . لقد سمعَ لحظة طُعن صوتاً يقول ، “هذه الطعنةُ لك ، يا رويال ! ” ، اعقبه صوتُ خُطى تُسرع هاربةً في المطر ، وسقوطه على الرصيف ، مُمسِكاً بطنه ، ومحاولاً وقفَ تدفّقِ الدم .

حاولَ الصراخَ طلبًا للنجدة ، لكنَّ صوته كان غائباً . لم يكن يعرف لماذا غابَ صوتَه ، ولماذا هناك ثقبٌ مفتوحٌ في جسدِه تهرب  من خلاله حياته بسهولةٍ وبثبات ، ولماذا أصبحَ المطر شديداً بغتةً .

كانت الساعةُ تشير إلى 11.13  ليلاً ، لكنَّه لم يكُن يعرف الوقتَ بالضبط .

كذلك كان هناك شيءٌ آخر لم يكُن يعرفه.

لم يكن يعرف أنَّه يموت.. إنَّه مُلقىً على الرصيف ، وينزف . وصار يُفكِر : ” كان ثمّة شِجارٌ عنيفٌ وكنتُ أنا بينَهم بأحسنِ حال .”، لكنه لم يكن يعلم أنه يموت. سيشعرُ بالرعب لو كان يُدرك ذلك  . ووسطَ جهلِه بما سيحدثُ له كانَ ينزف . يَهمُّ بالصراخ طلباً للمساعدة ، غير أنَّ حنجرتَه عاجزةٌ تماماً . فقط هناك فقاعةٌ من الدم ترتفعُ بين شفتيه كلّما فتح فمَه كي ينطق . إنَّه ممددٌ وسطَ الالم منتظراً مَن يعثرُ عليه .

كان بإمكانه سماعَ أصواتِ عجلاتِ السيارات خافتاً بتأثير المطر الذي يجتاح  الشوارع ، تأتي من الطرف البعيد من الزقاق الطويل الذي هو فيه ، مثلما بإمكانه ووجهه مضغوطً على أرضية الرصيف رؤيةَ شيء من ضوءِ نيون  في النهاية البعيدة للزقاق . ضوءٌ أحمر واخضر يتألق مُشعاً في المطر .

تساءل عمّا إذا كانت لورا غاضبةً منه الآن بسببِ تأخره . خطفةُ قدمٍ من أجل شراء علبة سجائر وأعود ، قال لها ، بضعة دقائق لا غير . وإذ هبطَ الى الطابق الاسفل وجدَ متجرَ الحلوى مُغلقًا . وكان يعرف أنَّ محل ألفريدو في البلوك التالي سيكون مفتوحاً . لذلك سلكَ درب الزقاق  الذي يقود اليه ، ولم يكن يعرف أنْ ثمَّة كميناً منصوباً له .

يتناهى لمسمعه صوتُ موسيقى باهت ، قادماً من مكانٍ بعيد . تساءل عمّا إذا كانت لورا ترقص الآن ، وتساءل عما إذا كانت  افتقدته ، وما إذا ظنت أنه لن يعود . أو هي اعتقدت أنَّ تأخرَه لصالحِه . وقد تكون استبطأت خطفةَ القدم وعادت إلى المنزل . استعادَ ملامحَ وجهِها ، استعاد عينيها الجوزيتين ، وشعرَها الأسود الفاحم . وبتذكرها  نسيَ ألمَه قليلاً ، نسيَ الدم الذي يتدفَّق من جسدِه .

يوماً ما سيتزوج لورا … سيتزوجُها وسيكون لديهم الكثيرُ من الأطفال ، وبعد ذلك سيبرحون الحي. سينتقلون إلى قطّاعٍ  نظيف في برونكس ، أو ربما ينتقلون إلى جزيرة ستاتن. بدخولهم حياة الزوجية سيخلفون اولاداً بالتأكيد .

سمعَ خَطواتٍ على الطرفِ البعيد من الزقاق ، فرفع خدّه من الرصيفِ ونظر إلى الظلام محاولاً الصراخ  ، ولكنْ مجدداً لم يكن هناك سوى فقاعةُ هسهسةٍ لينة من الدم على فمه.

ولجَ الزقاق رجلٌ  لم ير آندي بعد . مشى ؛  ثم توقف ليتكئ على حائط المبنى ويواصل سيرَه  بعد ذلك .. بعد ذلك شاهد آندي ، فتوجَّه نحوَه .. وقفَ عنده ، وأطالَ الوقوف لدقائق .. كانت الدقائقُ  تدقُّ ، وتدقُّ ، وهو يطالعُه ولم يكلَّمه .

أخيراً سأله : “ما الأمرُ يا صديقي؟”

لم يستطع آندي الكلام ، بالكاد كان يتحرك. رفعَ وجهَه قليلا ونظر إلى الرجل ، وفي الزقاق المغمورِ بالمطر شمَّ رائحة خمرٍ مُقيتة . فعرف أنَّ الرجلَ  في حالةِ سكرٍ.

كان الرجلُ يبتسم .

“هل سقطتَ يا صديقي؟ ” توجّه بالسؤال إلى آندي . .” لابدَّ أنكَ  سكران مثلي “. 

جلسَ القرفصاء جنباً إلى جنبِ آندي :

“ستصابُ بالبرد هنا . ما الأمر؟ أيروقُ لك التمدّد في البَلل ؟ “

لا قدرة لآندي على الاجابة ، والمطرُ كان يتناثر  حوله .

“هل تودُّ جرعةً من الشراب ؟ “

 هزَّ آندي رأسه .

” لديَ قارورةٌ . هنا ،” قال الرجل . وسحبَ زجاجةً بحجمِ نصفِ لتر من جيبِ سترته الداخلي. حاول آندي التحرك ، ولكنَّ الوجعَ  في احشائه أعجزه عن أداءِ أيَّةِ حركة .

قال الرجل : “خذ ” ، وظل يراقب آندي .. “خذ .” 

وعندما لم يتحرك آندي ، قال : ” لا بأس ، سآخذُ جرعةً لنفسي  ” . رفعَ الزجاجة إلى شفتيه وارتشفَ ، ثم مسحَ فمه بظهرِ كفِّه . راح يخاطب آندي : ” أنتَ ما زلتَ صغيراً جدًا على تناول الكحول ، على أيِّ حال.. يجب أن تخجلَ من نفسِك .. أكانَ عليكَ  أنْ تشربَ وتضع نفسَك في هكذا موقفٍ مُحرجٍ في زقاق .. عليَّ استدعاء شرطي .

 هز آندي رأسه. نعم ، حاول أنْ يقول. نعم ، اتصل ، لعلَّ شرطياً يحضر .

” أوه ، لا ترغب أنْ استدعي شرطياً، ها  ” خاطبه الرجل السكران. ” لا تريد أنْ يراك شرطي وأنتَ بهذا الحال  ، ها .. سكران ، ومبلل بالماء ، وفي هذا الزقاق .. حسنا ، يا صديقي. تريدني أنْ اتركك لحالِك .” تراجع قليلاً  , وهو يردد : تريدني أن اتركك لحالك .” . لوَّح لآندي وهو يبتعد ” سأفعل يا صديقي”.

” انتظر ! ” ، حاول آندي النُّطق  . ” انتظر ، أرجوك ، أنا أنزف.”

قال السكير مرةً أخرى : “سنلتقي  في الجوار” ، وابتعد خارجاً من الزقاق.

كان آندي مُمدَّداً ، ويفكر: لورا ، لورا. أترقصينَ أنتِ الآن ؟

فتىً وفتاةٌ دخلا  إلى الزقاق فجأة ؛ دخلا راكضَين تحت المطر والفتى يُمسكُ بكوعِ الفتاة . الفتاة تنشر صحيفةً على رأسها لحمايةِ شعرِها .. شاهدهما آندي وهما يعدوان في الزقاقِ ضاحكَين بمرحٍ ، ثم يلوذان في مدخلِ بيتٍ لا يبعد عشرة اقدام عنه .

” يا أنتِ ، إنّه لمطر هادر ! .. ستغرقين إنْ حاولتِ الخوض في الماء  ! .”

قالت الفتاة : ” عليَّ العودةُ إلى البيت .. لقد تأخرتُ ، يا فريدي. عليَّ أن أعود .”

“لدينا وقتٌ كافٍ ، وأهلُكِ لن يلومونكِ إنْ تأخَّرتِ قليلاً . هطولُ المطر سيشفعُ لكِ .”

قالت الفتاة ، “المكانُ مُظلمٌ “.

أجاب الفتى بصوتٍ منخفضٍ جدًا: ” نعم .”

” فريدي ….؟

“إم ؟”

“أنتَ … تلتصق بي “.

“أم .”

كان هناك صمتٌ طويلٌ قبل أنْ تفوه الفتاة ، “أوه” ..  تلك كانت الكلمةُ الوحيدة التي تفوَّهت بها ، وكان آندي يعلم أنَّها تلقَّت قبلةً من فريدي ، فانبثقَ تعطُّشِه لفم لورا . تلك اللحظة تساءل عمّا إذا كان سيُقبِّل لورا مرةً أخرى . أم أنّه سيموت .

كلا ، فكّر في نفسه ، كلا ، لنْ أموت . لنْ اموت من دربكةِ شارعٍ صغيرة ، لنْ أموت من مُجرد جرح  . الرجالُ تحصلُ لهم جروحاً بشِجاراتٍ في أوقاتٍ كثيرة . لنْ أموت. لا ، هذا غباء . هذا لا معنى له على الإطلاق.

قالت الفتاة: “لا يجب عليكَ فعل ذلك”.

“لمَ لا ؟”

“هل ترغب ؟”

“نعم بالتأكيد.”

“وماذا بعد ؟”

“لا أدري، لا أعرف… أنا أحبُّكِ يا أنجيلا” “، قال الفتى .

“وأنا أحبُّكَ أيضاً يا فريدي” ، قالت الفتاة .. استمع آندي للاثنين ، ففكر: أحبُّكِ يا لورا.. لورا ، أعتقد أنني أموت.. لورا ، هذا غباء ، ومع هذا أظنّني أموت.. لورا ، أعتقد أنَّني أموت .. حاولَ الكلام . حاولَ التحرك. حاول الزحفَ نحو مدخل الزقاق . حاول إحداث ضوضاءٍ ، صوتٍ . ولم يصدرُ منه غيرُ نَخرٍ مُنخفضٍ . نخرُ حيوانٍ يعاني من ألم .

“ما هذا ؟” قالت الفتاة ، مُعبِّرة عن انزعاجِها وهي تنفصلُ عن الفتى .

أجاب: “لا أعرف”.

“اذهب ، وانظر ، يا فريدي”.

” كلا ، انتظري .”

حرَّك آندي شفتيه مرَّة أخرى .. جاء صوتُ النخر منه مُجدَّداً .

” فريدي! “

“ماذا؟”

“أنا خائفة.”

“سأذهبُ وأنظر” ، قال الصبي.

خطا الى عمقِ الزقاق . مشى إلى حيث  آندي مُمدَّداً على الأرض. وقفَ على مَقربةٍ منه يطالعُه  .

” أأنتَ على ما يرام ؟” سأل.

“ما هذا؟” قالت أنجيلا من فمِ المدخل .

قال فريدي: “شخصٌ ما جَريح “.

“لنخرجَ من هنا” ، قالت أنجيلا.

” لا. انتظري لحظةً .” ركَع بجانب آندي. ” أأنتَ مَجروح ؟” سأل.

هزَّ آندي رأسه . استمرَ الفتى يُطالعُه فرأى الحروفَ على سترته “رويالز” . 

التفتَ إلى أنجيلا. وقال: ” إنَّه رويال “.

“هيّا ماذا … … ماذا … ماذا تريد أنْ تفعل ، يا فريدي؟”

“لا أعرف. لا أعرف. لا أريد أنْ أزُجَّ نفسي في هذا الأمر . إنّه رويال. إذا ساعدناه  سنعرض انفسَنا لانتقام ” الـﮔارديَنز ” *** . لذا لا أريد أنْ أزجَّ نفسي في هذا ، يا أنجيلا “.

“هل هو … هل مصابٌ بأذى؟”

“نعم ، يبدو هكذا .”

“ماذا عسانا نفعل؟”

“لا أدري ، لا أعرف.”

“لا نستطيع تركَه هنا تحت المطر” ، قالت أنجيلا بتردد . “هل نستطيع؟”

وقال فريدي: “إذا استدعينا شرطياً ، فإن الـﮔارديَنز سيكتشفوننا .” “لا أعرف كيف نتصرف . لا أعرف ، يا انجيلا “.

تردَّدت أنجيلا فترةً طويلةً قبل أنْ تنطق : ” أريدُ العودة إلى المنزل ، فريدي. أهلي سيقلقون .”

“نعم ،” قال فريدي ؛ ثم نظر إلى آندي وسأله :  أأنتَ بخير؟ ” … رفع أندي وجهه من الرصيف ، وجعل عينيه تتضرعان : مِن فَضلِك ، الرجاء مساعدتي . 

قد يكون فريدي قرأ ما قالته عينا آندي ، وقد لا يكون .

تفوَّهت أنجيلا الواقفةُ خلفَ  فريدي :” دعنا نخرج من هنا! أرجوك!” .. نهض فريدي فألقى نظرةً أخيرة على آندي ، وتمتم :” آسف..  آسف”. أخذ ذراع أنجيلا وراحا يعدوان مَعاً باتجاه انارةِ النيون في الطرفِ البعيد من الزقاق.

لماذا هُم خائفون من الـﮔارديَنز ، فكَّر آندي مندهِشاً . لماذا ينبغي أن يخافوا ؟ أنا لم أخَف من شِجار الـﮔارديَنز ؛ فلديَّ قلبٌ . لكنّي الآن  أنزف .

كان المطرُ قد هدأ نوعاً ما. لكنَّه كان باردًا . أما جَسد آندي فبعمومِه ساخناً ، عملَ المطرُ على تبريده .. لطالما أحبَّ آندي المَطر فراح يستعيد ذكرى وجودِه يوماً في منزل لورا  والمطرُ يرشقُ النوافذَ بينما هو يطالعُ الشارعَ ، ويشاهد الناسَ يفرون هاربين من المطر. كانت تلك في بدايةِ انضمامِه إلى الرويالز .

تذكَّر كَم كان سعيداً عندما كسبته جماعةُ الرويالز  . كانت الرويالز والكارديَنز أكبر مجموعتين . وكان لعنوان الرويالز معنىً ذو اهمية  ، وهو عضوٌ من عصبتهم . 

هو الآن ، في الزقاق ، والمطرُ البارد يَغسلُ جسدَه الساخن ، تساءل بحسرةٍ عن معنى هذا . إنْ ماتَ سيموت آندي وليس رويالز. ببساطةٍ سيكون آندي قد مات .. تساءلَ اللحظة : أكان  الـﮔاردينز الذين نصبوا له كميناً وغرزوا السكين في احشائه يعرفون أنّه آندي؟ هل عرفوا أنَّه آندي أم أنَّهم ارتكبوا فعلتَهم لمجرد ارتدائِه سِترةً من الحرير الأرجواني التي تشير الى الرويالز  ؟ هل طعنوا آندي أم قاموا بطعنِ السترةَ والعنوان فحسب ؟ .. ما فائدة العنوان إنْ كنتَ ستموت؟

أنا آندي ، صرخَ بغضب ، أنا آندي.

في الطرفِ الآخر من الزقاقِ توقَّفت امرأةٌ عجوز . ثمَّة حاوياتُ قُمامةٍ فيها علبٌ مكدَّسةٌ تُصدر ضوضاءَ صاخبةً بفعلِ المطر. كانت العجوز ، مِثل ملكةٍ ، تحملُ مِظلةً مُتكسرةَ الاذرع وحقيبةَ تسوّقٍ تتدلى من ذراعِها . خطت إلى فمِ الزقاق وتوقّفت عند الحاويات . رفعت غطاءَ حاويةٍ ولم تسمَع نخر آندي ، ذلك أنَّ بها شيئاً من صَممٍ اضافةً لرشقاتِ المطر تضرب على العِلب فتتسبَّب بضجيج . التقطت من أحدى الحاويات سلسلةً ومجموعةَ صحف ، وقبعةً قديمةً عليها ريشةٌ ، ومَسندَ قدمين خشبي مكسور ، ثم اعادت غطاءَ الحاويات ورفعت المِظلة عالياً ، وتحركت مسرعةً خارجةً من الزقاق .

بدا الزقاقُ طويلا جداً الآن. يمكن لآندي مشاهدة الناس يمرونَ في الطرف الآخر منه . تساءل مَن يكونون اولئك الناس ؛ هل كان يعرفهم قبلاً . أتراهم من زمرة الـﮔارديَنز الذين طعنوه  وغرزوا السكينَ في أحشائه .

“هذا لأجلِك ، يا رويال! ” قال الصوت .. “هذا لأجلِك ، يا رويال! ” ظلَّ يتردد حتى في ألمِه . كان هناك نوعٌ من الفَخرِ في التظاهرِ أنّه رويال .. أما الآن فلا فخر على الإطلاق لأنَّ جسمَه أخذَ يبرد بتأثيرِ المطر ، والدمُ صار يسيل بانسيابيةٍ بين أصابعه ، ودوارٌ شرعَ يتعالى في رأسه مع تمتمةٍ صامتة : أريد أنْ أكون آندي فقط .

لم يكن لديه ما يريد أنْ يتوجه للناس بسؤال . طفق يشاهد الناسَ يمرون عند الطرفِ الآخر من الزقاق. لكنَّ الناسَ لم يعرفوا  أنه آندي . الناسُ لا علمَ لهم أن آندي كان على قيد الحياة . لقد أراد أنْ يقول ، “مَهلا أيُّها الناس ، أنا حيٌّ ! مَهلاً ، انظروا إلي! أنا حي! ألا تُدركون أنَّني على قيدِ الحياة ؟ أصحيحٌ انَّكم لا تدركون أنَّني موجود؟ “

شعرَ بالضعفِ والوهنِ الشديدين ..إنَّه الآن وحيدٌ بمفرده ، مُبللٌ ومحمومٌ ، ويرتجف . راوده شعور أنْ سيموت اللحظةَ فاعتراه حزنٌ شديد . حزنٌ أوحى له تلك اللحظة أنَّ حياتَه ستنتهي بعمرِ السادسة عشر كما لو أنَّه لم يفعل شيئًا أبداً ، لم يرَ شيئًا اطلاقاً ، وأنّه لم يكن في أيِّ مكانٍ من قبل . كانت لديه الكثيرُ من الطموحاتِ تتطلَّبُ تحقيقَها. تساءل لماذا لم يضعها بالحسبانِ مِن قبل .. تساءل لماذا كانت تلك الشجارات  والنزق والسترات الأرجوانية تبدو له وكأنَّها مَشاهدُ بطولية .. هيَ الآن تبدو اشياءً تافهةً في عالمٍ يفقده . عالمٌ يندفع للطرفِ الآخر من الزقاق ليصبح شيئاً من الماضي .

لا أريد أنْ أموت. أنا لم أعش ما يكفي . بدا مُهمّاً جدًا له انتزاع السترةَ ذات اللون الأرجواني . لقد كان قريباً جداً من الموت ، وعندما سيعثروا عليه ، لا يريدُهم أن يقولوا  ” أوه ، إنَّها سترةُ رويال “.

بجهدٍ كبير ، تدحرج على ظهره. وبتحركِه شعر بالألمِ يمزِّق احشاءه .. كلُّ ما ارادَ فعله هو خلعَ السترة ، فقد كان لها مَعنى واحداً فقط ، لا غير . مَعنى بسيطاً جداً . فلو لم يكن يرتدي السترة ، لما تعرَّض للطعنِ . لم تكن السكينُ لتغور في بطنه كُرهاً بآندي إنّما لكرهِها للسترةِ الارجوانية . السكينُ كانت تكره فقط السترةَ الأرجوانية . سترةٌ كانت من الغباء الذي لا معنى له بحيث تَتسبَّبُ بسرقةِ حياته .

إنَّه الآن يكافحُ من أجلِ خلعِ السترة المبللةِ اللامعة.. ذراعاه ثقيلتان ، وما أنْ يهمُّ بالحركة حتى  يسري الألمُ مُتفشياً في عمومِ جسده . ومع هذا راح يتلوّى ويكافح وينحني حتى تحررت إحدى ذراعيه ، ثم تلتها الأخرى .. انتزعَ السترةً من جسده واستكان صامتاً ؛ يتنفسُ بشدَّةٍ ويصغي إلى صوتِ تنفسه ، وإلى الأصواتِ التي يُحدِثها المطر ، مُفكراً : المطرُ جميلٌ ، أنا آندي.

لقد وجدَته في المدخلِ بعد منتصفِ الليل بدقيقةٍ . كانت تركت الرَّقصَ للبحثِ عنه . وإذ وجدته ركعت بجانبِه : “آندي ، أنا ، لورا”.

لم يرُد عليها ؛ تراجعت عنه ، وقد تدفقت الدموعُ  من عينيها .. ركضت خارجةً من الزقاق. ولم تتوقَّف عن الركضِ حتى عثرت على شرطي .

هي الآن  تنظرُ الى آندي والشرطي يتفحصه . رفعَ الشرطي نظراته وقال : “لقد مات”. عجزت عن البكاء . بقيت واقفةً تحتَ المطرِ ولم تقُل شيئًا ، نظرت إلى السترةِ الأرجوانية التي كانت بجوارِه .

التقط الشرطي السترةَ وقلَّبها بين يديه.

“رويال ، هاه ؟ ”  قال.

نظرت إلى الشرطي ، وبهدوءٍ شديدٍ ، قالت: “اسمه آندي”.

وضعَ الشرطي السترةَ على ذراعه ؛ ومن جيبه أخرجَ كرّاسةً سوداء  ، راح يقلّبها وصولاً لصفحةٍ فارغةٍ ؛ قال :

” إنَّه رويال ”  

ثم شرعَ بالكتابة .


*ايفان هَنتر  مؤلف أمريكي ، اسمه الحقيقي إد ماكباين . نُشرت القصة لأول مرة في مجلة Manhunt في عام 1957 …. واختيرت كمادة تعليمية في المدارس الابتدائية والمدارس الثانوية والكليات تدين العنف بين الفتيان ، وتحذر من الانجرار إلى الصراع الفاتك بين شريحة عمرية حساسة .

**رويالز عصابة ، وتعني ” العائلة المالكة .. وكلمة رويال تعني  ” ملكي “

*** ﮔارديَنز : وتعني  ” الاوصياء ” ، وهم عصابة مناهضة للرويالز …

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: