نخاف أن يأتي يوما نحن فيه الى خبز تونس

img

 

نخاف أن يأتي يوما نحن فيه الى خبز تونس

بقلم: نادية الشاوش

( باحثة في علم الاجتماع )

أحن الى خبز امي… قالها محمود درويش يوما، ومن استأنس بأشعاره يدرك ان المعنى المبطن الي يبعثه في كلماته ابلغ من ظاهره فالأم هي أيضا الأرض التي نفترشها والسماء التي نلتحفها والحصن الدي نذود به ورائحة التراب بعد المطر والحنين الدي يجدبنا دائما الى جذورنا هي الأصل والفصل والمنتهى …كذا جال بخاطري وانا اقرأ تدوينه على احدى الصفحات التي تعنى بالمغتربين الأجانب في تونس  معظمهم من فرنسا و بريطانيا والولايات المتحدة ،كان صاحبها يسأل عن” أفضل واسوأ شيء استرعى انتباهك في تونس ووجدته مختلفا عما تعودت اليه في بلدك”. التدوينه استفزت الكثيرين على ما يبدو وتفاعلوا معها بالمئات على غير ما هو معتاد وانا التي كنت اتابع هذه الصفحة باستمرار لتحسين لغتي الإنجليزية مع الناطقين بها. 

ما اثار انتباهي في ردود الافعال حول هذه التدوينه هو ان الأشياء التي استراقت للأجانب في تونس هو طعم الخضر والغلال الطازجة، لا شواطئ ولا انهج او ازقة ولا تاريخ …فقط الخضر والغلال الطازجة وطعم الأكل الذي وجدوه مختلفا. ذكرني هذا الموقف بما شعرت به عندما زرت منذ سنوات احدى البلدان الأوروبية واستقبلتني الطبيعة بوشاحها الجميل والخضار الذي يملئ الأنهج واسررت في نفسي من كذب علينا وسمانا تونس الخضراء؟ واي اخضرار امام هذا الذي ينبسط امامنا في كل خطوة نمشيها هنا؟ وكيف يمكن للإنسان ان يشعر بغربة والطبيعة تبتسم له وتطوقه الألوان حيث ما ولى وجهه؟ وتمنيت لو كانت شوارعنا تحظى بربع الاهتمام الذي تحظى به الشوارع هنا وتتوشح بالأزهار والألوان بدل السواد الأعظم واكياس القمامة المرمية تحتها ، ورسائل الاحتجاج والغضب المرسومة عليها واستسلمت في النهاية الى ان الشوارع بدورها تعكس مزاج شعوبها.

لكن مع مرور الوقت بدأ الحنين يدغدغ مشاعري في العودة الى تونس، الحنين الى تفاصيل صغيرة لكنها بالغة الأثر في النفوس هنا كل شيء جميل لكنه بلا روح، الأكل على ما تشتهي الانفس لكنه بلا طعم، والقهوة لا يتجاوز ثمنها بعض السنتيمات  في أحيان كثيرة مقارنة بتلك التي نحتسيها في أحد ازقة بلدنا لكنها كالترياق وان اضفنا لها السكر، كنت الوم اختي اول ما وصلت على ما رأيته تبذير وهي تلقي بالسمك الذي احبه في سلة المهملات ، فمن خبر عادات الساحل يدرك ان عادة اكرام الصحن(أكل كل ما فيه من طعام  ) وعدم القاءه  لأن ذلك يعد عيبا  مازالت راسخة   ، وبعد ذلك قلت لعل  المسألة متعلقة بنوعية السمك، ثم انتهيت بعد ان جربت الكثير من أنواع السمك واللحوم  ان الامر يتجاوز مسألة التبذر، انه بلا نكهة  لدرجة لا تستطيع ان تغصب نفسك عليه، ومختلف تماما عن ما تعودنا عليه في تونس على الأقل في المنطقة التي انحدر منها وهي قريبة من البحر و الأسماك في مجملها طازجة ، فأيقنت وان مربط الفرس ومكمن الداء هو التدخل الذي احدثه الانسان في غذائنا من اجل مردودية اعلى في وقت اقل بمنطق السوق . بذور يقع تدجينها ونباتات يقع تطعيمها وحيوانات يقع تسمينها بطرق شتى حتى فقد كل شيء قيمته واختلط المذاق. قد يبدو الامر هينا بمجرد الحديث عن المذاق او الطعم لكن حتما مخاطره لا يمكن ادراكها على المدي القريب او البعيد على صحة الانسان الحديث الذي اخترقته يد السوق وسلعته وجعلت منه كائنا مستهلكا مبرمجا، يتكلف الأمر احيانا مجرد ومضة اشهارية حتى يتدافع الناس لشراء السم بأيديهم. 

تونس ليست بمنأى عن هذا التحول في نمط الاستهلاك هي جزء من عالم متشابك تتقاطع فيه المصالح بعض مما نأكله يأتينا من هنا او هناك من أي رقعة من العالم. الى جانب ان أراضينا أصبحت خزانا غذائيا   للدول الكبرى من خلال الاتفاقيات التي تبرمها مع المستثمرين الأجانب بشروطهم في أحيان كثير وليس بشروطنا. وهو ما يضر بالمنتوج  والتربة التونسية  واصبح الفلاح التونسي يتخبط في المديونة وارتفاع التكلفة واصبحنا غير قادرين على انتاج بذورنا بأنفسنا واصبح نظامنا الغذائي مرهونا بأيدي هاته اللوبيات التي تقبض على رقبة الشعوب من اجل مصالحها ، وان المعلومة التي تم تناولها في علاقة بوباء كورونا وربطه بنمط غذاء الصينيين، على رغم ما ينطوي عليها من صور كاريكاتورية تحمل في طياتها تحديات، تبدو بعيدة على اجندات مهندسي سياساتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولا يبدو نظام امننا الغذائي صلب اهتماماتهم وكأن الامر تحول الى مسلمة مفادها ان لا مفر مما يسطره لنا أصحاب رؤوس المال، واذا ما سألتهم عن ضرورة الاهتمام بفلاحتنا فهي مستقبلنا سيقولون ان مائدتنا المائية غير كافية  بينما يوجهون انظارهم الى منوال سياحي فاشل  بكل المقاييس يعتمد على الكم دون الكيف ، يلقون على مسامعنا في كل مرة عدد السياح الذين دخلوا الى تونس وهم فخورين بالملاين الذين وطئت اقدامهم ارض الوطن  ،دون ان يجرئوا على القول من يكونون ،و أي قيمة إضافية قدموها ،و أي تأثير عاينوه  من خلالهم اقتصاديا كان او ثقافيا على المجتمع، وكيف يتم  دفع ثمن اقامتهم  التي لا تدرعلى الدولة الا النزر القليل بعد ان أصبحت وكالات الاسفار تتكفل بالسائح قبل حتى دخوله الى حين مغادرته .ولا كم تكلفوا على المائدة المائية وهم لا يبرحون نزلهم الا قليلا ليلقوا نظرة على هؤلاء الشعوب التي لا يعلمون عنها شيئا الا ما يصلهم عن طريق اعلامهم ليكتشفوا فجأة كم نحن طيبون فنطرب لسماع كلماتهم فتحل علينا بردا وسلاما كالحبيب الدي انتظر طويلا ان يجود عليه خليله بكلمة ترد له روحه  .

ودون ان يصارحونا كم تكلفوا على مخزون الدولة الغذائي واطباق بأكملها قادرة على اطعام فقراء تونس تتلف ويلقى بها في سلة المهملات. ودون ان يجرئوا على القول ان السياحة التونسية انطلقت قبل السياحة المغربية والتركية بسنوات ولكنهم سبقونا بأشواط ليس بفضل النزل الضخمة كالتي عندنا، ولا بالبهرج الخداع، بل بأشياء بسيطة نابعة من قلب الثقافة بإبريق شاي من النعناع وجلابة او قفطان وطجين من الطين وجلسة في الصحراء او حتى في المدينة على سجاد بسيط …يندمج السائح الأجنبي مع المواطن المغربي ويدخل في عمق التفاصيل التي اوصلت السياحة المغربية الى العالم.  وبالتركيز على مخزون البلد من المناظر الطبيعية وبعض المسلسلات والأعمال الدرامية التي تخلد ابطالها والملاحم الوطنية على دمويتها يتم إضفاء بعض المساحيق عليها ليخرج لنا التاريخ العثماني والتركي في شكل مثير ومدهش ومرغب فيه. 

اما نحن وبعيدا عن جلد الذات لكن من المهم ان نقف لنرى وجوهنا في المرأة ونصارح أنفسنا على حجم الهنات التي ارتكبناها في حق تاريخنا وثقافتنا وتراثنا بشقيه المادي والرمزي حد التمييع. هنات وزلات اذا لم نتم تداركها لنحافظ على خيرات ارضنا وتدعيمها وعلى ما تبقى لنا من الأصل كطعم الخضر والغلال الطازجة كالتمر والزيتون والحبوب … واحياء الأراضي البور التي لم يتمكن منها الكيميائي بعد وثروتنا الحيوانية المائية والبرية التي لم تطلها يد السوق، في عالم بدأ يستفيق على هول ما صنع في نفسه بأن دمر الطبيعة، واصوات تعلو بضرورة العودة الى ما هو بيولوجي، ان لم ننتبه لكل هذا ولم ننقذه نخاف ان يأتي يوما نفقد فيه مذاق تونس وخبز تونس وسحر تونس بكل جزئياته وتفاصيله وعندها لا يجد السائح ما يندهش اليه ليحل بيننا .

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: