نحمل الحلم و يحملنا

img
نحمل الحلم و يحملنا.
يتردد كثيرا في أوساط المثقفين و جمهور القراء حكم بات أصدره الفيلسوف الفرنسي “جون فرونسوا ليوتار” الذي يتحدث عن فقدان الثقة في السرديات الكبرى التي قامت في رحم الحداثة، وهو يشير نحو سرديتين بالأساس الاولى يمكن أن نقول أنها السردية التنويرية التطورية التي تجد اساسها النظري في كتابات الفيلسوف الألماني “إيمانوال كانط” و من بعده “هيغل” و السردية الثانية هي الشيوعية و التي تجد أساسها النظري عند كارل ماركس و رفيق دربه إنجلز، و هنا يمهد ليوتار الطريق نحو ما يسمى ب “السرديات الصغرى «وهي عبارة عن خطاب تشكل من قبل جماعات، أو تجمعات معينة لتحقيق أهداف محدودة ذات طبيعة مرحلية ووقتية وبرغماتية، ولا تحمل الطابع الشمولي ولا السلطوي القسري للسرديات الكبرى » (1)، ربما هذا التعريف يساعدنا لوهلة على إيجاد المدخل الرئيسي نحو ما نبتغي الكشف عنه والمتمثل بالأساس بعلاقة الذات المنتجة أو المتبنية للفكرة والممارسة للفعل و بين الغايات القصوى المطروح تحقيقها من حيث كونها تمنحنا معنى و قيمة لوجودنا. أو كيف نكون “برغماتيين (تحقيق النّجاعة التكتيكية و الإستراتيجية المطلوبة) من جهة و شموليين بما هي معاني نشترك في إبداعها لكنها تتجوزنا كأفراد؟
في تونس على سبيل المثال نلاحظ أن الحركة الاجتماعية ما بعد الإنتفاضة انتجت سرديات صغرى مثل (مانيش مسامح) و (فاش نستناو) و كانت حملات ذات طبيعة شبكية متخلية بذلك عن التراتبية الهرمية التي تميز العمل الحزبي و الجبهوي و مثلت بذلك شكلا إبداعيا جديدا في مستوى نجاعة الفعل و الخطاب السياسي كذلك و حتى في المستوى العمري أيضا فكان ممثلو الحملتين من الشبان الذين يحاولون مجابهة “الشيخوخة السياسية” والتي يتميز بها الفاعلون السياسيون في تونس،لكنها سرعان ما تلاشت مع تلاشي أسباب وجودها و لأسباب أخرى سنوضحها لاحقا، و لكي ندخل صلب الموضوع المراد الحديث عنه سأتحدث في البدئ عن مقارنة بسيطة بين أسلوب داعش كتعبيرة رديكالية بإعتبارها سردية شمولية لكنها إتخذت لنفسها شكل تنظم جذموري يصعب التحكم فيه و ضبطه (ونعني تحديدا داعش قبل أن تتمأسس و تتحول إلى دولة و تنظيم هرمي وتُهزم بعد ذلك)، إن الملاحظ في تفكير و سلوكيات و أفعال الداعشي كفرد في الفضاء الافتراضي خصوصا يلاحظ ذلك الحماس المفرط الذي يميز كتاباته و إيمانه الإطلاقي بما يفعله و استعماله الكثيف لرموز اعتقاده (الاعلام..الصور الدعائية..الفيديوهات المصورة بجودة عالية، كتابات منظري الحملة من أجل قيام دولة الخلافة الخ) بما يجعلنا نستنتج التعامل الحميمي (بغض النظر عن حكمنا القيمي) بين الذات “الداعشية” الفاعلة و موضوع اعتقادها و بالتالي مدى استبطانها لقناعتها و مدى تطابق سلوكها معه، إن هذا الاندماج بين الذات و الموضوع هو ما يجعل النجاعة المطلوبة حاضرة و من هنا قد نجد إجابة عن كيفية تحقيق النجاعة المطلوبة، وهو ما غاب جزئيا عن الحملات التي بدأت في تونس مثلاً حيث لم تستطع هذه الحملات خلق عالم من الرموز مثل إبداع و من ثم توحيد (المصطلحات الأغاني، اللباس، السلوكات الخ) لتحقيق وحدة ذهنية تستبطنها الذوات الفاعلة و من ثم تحولها إلى ممارسات يومية أي تلك العلاقة الحميمية بين الذات الفاعلة و موضوع إعتقادها. و الأن سنتناول على سبيل المثال حملة (السترات الصفراء) تحديدا في فرنسا خصوصا في مستوى الزي الموحد، إن هذا الاختيار الذي يقوم على توحيد اللباس ينمي في ذهن الفرد الموجود داخل الحملة إحساس بالانتماء للمجموعة، فما بالك إذا نجحنا مستقبلا في توحيد أمور أخرى تكون ذات رمزية ثقافية جامعة (مثال على ذلك “الدنقري” بماهو لباس يحمل دلالة ثقافية منحازة طبقيا للمهمشين و المقصين و المضطهدين و أغاني من الموروث الشعبي تصاغ بطريقة جديدة تراعي التطور التقني الحاصل في الإنتاج الموسيقي الذي يراعي الإلتزام الإيتيقي من ناحية و القدرة على الإبداع الجمالي من ناحية ثانية)، ربما يكون ما أذكره مدخلا لتعميق النقاش حول هذه المسألة، و بالعودة لجوهر موضوعنا المتعلق بتوحيد الفضاء الذهني الفردي مع الفضاء الذهني للمجموعة أي للملائمة بين قلق الفرد حول مصيره (مصالحه المادية و المعنوية) و معناه الوجودي (الإحساس بالإنتماء) و قلق المجموعة في علاقة بمصالحها الطبقية و الفئوية نحن بحاجة لما يشبه تجاوزا لقصور السرديات الكبرى التي تقوم على صلابة عقائدية تنفي إمكانيات الفرد في إبداع معناه الخاص و “فرقه” الانطلوجي من حيث هو مجموعة إمكانات مفتوحة على الانهائية من جهة الإحتمالات و قصور الأحزاب الإيديولوجية (الماركسية تحديدا) على إستيعاب النزعة البرغماتية للأفرد من حيث هي مجموعة إمكانات إبداعية تتجاوز أصنام الماضي التليد، و من جهة ثانية تجاوز قصور السرديات الصغرى من جهة كونها لا تؤسس لطقوسية جماعية تجعل الفرد يشعر بنوع من الإرتياح النفسي نتيجة إيجابايات الإنتماء لقيم و غايات و طقوس جماعية تختلف عن ما سبقها و تتمثل أساسًا في كونها إبداع إيتيقيًا يؤسسه “المنظر الممارس” في نفس الوقت، بحيث تخلق تلك الحميمية في التعامل بين الذات الفاعلة و موضوع إعتقادها و من ثمة يتم تشيع جثمان تلك الثنائية المرتبطة بالذي يأمر (رأس الهرم الحزبي) و الذي ينفذ (المناضل القاعدي)و هذا ما نجد صداه في إطلالة شبح ذلك المثقف العضوي الذي كان متجسدا لحما و دما في شخصية غرامشي.
 
إنني في الحقيقة أكتب هذه الأسطر و أنا على علم تام بأنني أفتح ورشة تفكير لدى كل من يهمه أمر السؤال عن المصير البشري في الأزمنة المعاصرة، و الذي يتسم بالميوعة النظرية و الإنحطاط العملي، إننا نفكر هنا من حيث أننا كائنات محكومة بالفناء الأكبر و محكومون بالفناءات الصغرى لإمكاناتنا و التي تقوم السلطة المبثوثة في كل مكان بمحاصرتها و من ثمة تصفيتها و تحويلها إلى جثث منتشرة في شوارع الحلم، فكما يكون القمع من كل مكان تكون المقاومة قوة حيوية لا تكتب تاريخ فرادتها إلا بماهوا إبداع محايث لا يكف عن نحت أشكال جديدة لتعبير الذات الفاعلة في التاريخ عن ذاتها و تذاوتها في شراكة مع الأخرين، لربما ينبت الورد بيننا يوما و نكون جزء مهمًا في هذا الإنتماء العميق للأفق البشري، بأن نتجاوز إشكالاتنا الخاصة في علاقة بإعادة قراءة إشكالات غيرنا و استخلاص العبر و الدروس من تجاربهم، و مثلما نحمل الحلم في ممارساتنا و أفكارنا و طقوسنا و أحلامنا يحملنا الحلم أيضا بأن يعطينا معاني متعددة لتجربة الوجود في العالم.
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.