نبش في ذاكرة متبول-راوية صالحي

img

اليوم وبي من تعب وإرهاصات هذا الكون المعاق الذي يتكئ ويستند على عصا متشققة قررت أن أنجو
من جل هذا . كثيرون سيتساءلون كيف مات؟هل انتحر ؟هل غرق ؟هل قتل ،لا إنه قضاء وقدر ؟ ولكن لا
أحد قال هل عاش ؟ وكيف عاش؟ . أنا المسمى “ك ر”دخلت لهذا الكون عبر باب الميتم :باب أزرق
ضخم يلامس السماء شموخا ،يفتح على مصراعيه كاشفا عن حديقة غناء للناظر أن يختار شجرة
صنوبر ،شجرة عرعار ،شجرة زيتون ،شجرة كروم كل سيختار أي شجرة تضلله إلا أنا عيناي
الصغيرتين مثبتتين صوب هذا السور مترف العلو زرعت على حافتيه قطع عديدة من البلور ،إلى جانب
العديد من الأسلاك الشائكة المتشابكة التي تصنع من تلاصقها سقفا لهذا المبنى . أعبر البوابة الرئيسية
فأجد نفسي بعد أمتار معدودة مرتطما بجدار سميك آخر أنا السيد “ر ع”مسؤول الميتم . أقترب مني
وهمس بصوت ينقب خوفي ويثقبه ليتهشم وينكسر “لا يحق لك التفكير يوما في الهرب !جميع عيوني
تراقبك أينما حللت من الحمام إلى المطبخ إلى مخدعك إلى سروالك الداخلي . ظللت متسمرا في مكاني لا أبرحه ،تصلبت وقوفا كجذع شجرة طاعنة في السن لم تمر عليها يد حطاب
أو تاجر لوح ،لكن بطرف عصاه نهرني سر ورائي سأآخذك إلى سريرك وأعرفك على أترابك ،نهرني
ثانية وثالثة ولكن لم أتحرك تسمرت أكثر كنت أجوب بعينايا أرجاء الميتم أبحث عن هاته الكميروات
المثبتة التي تراقبنا وعن الأعين التي تحرسنا ولم أنبش لا بكلمة ولا بحركة لأني لم أدرك أين وضعت
وكيف شكلها ،عاد لينهرني بشكل أعنف فكادت عصاه ثقب جنبي الأيسر ،ولم أتحرك ولو نبشه صوت
تقدم المدير ولم أتبعه ،ألتفت فوجدني لم أبرح مكاني “ويحك يا أبن الزانية أتبعني ،أيها القذر !لم أتبعه
بل تحركت قدماي للوراء خطوة ،أفكر “كيف لي أن أتخلص من هذا السيد البغيض ؟كيف لي أن أهرب
؟ما أنا فاعل صوب أهانته لأمي سأصمت وأدعى أني أخرس لا أسمع وأني أبكم لا أتكلم ” عاد ونيران
الشر والغضب تقدح من عينيه صفعني بقوة لليوم لم أنسى وقع أصابعه على خدي الضعيف فسقطت
أرضا لكن سقوطي لم يهدئ من غضبه بل ركلني بقدمه وبحذائه المطبب صوب مثانتي فتبولت لا إراديا
” . بركة بول يا خنزير ”
من ياقة قميصي القطني المتهرئ بدء بسحبي نحو الداخل وأنا صامت لا أتوجع من وقع الركلة فبركة
البول تلك التي خلفتها ورائي كانت باعثا لي لأتحرر من هاجس الكاميرا والعيون ،ماذا لو تبولت على
ثيابه ،على حذاءه على عصاه ،لا لا يجب أن أتبول على خوفي أولا وأتبول على عقله ثانيا،كيف سأتبول
لم أفكر قط لكن سأتبول وهذا ما سأفعل ،في الغرفة وجدت عديد الأطفال يلعبون بدمى ورقية في
مخادعهم وأصواتهم عالية فقط يسمعها إما أخرس وأبكم مثلي أو مجنون آخر أما السيد “ر ع” فقد
حملني وألقى بي على سريري الحديدي وأنا مازلت غارق في التفكير هل تبولت وكيف سأتبول ؟ .
غادرنا صافعا الباب ومضى يلهث “ابن الزانية يجب أن أغتسل لأزيل رائحة البول من يداي”كل الوجوه
الطفولية مشرئبة الأعناق تتطلع بي محدقة “هل تلعب معنا” لم أجبهم بل تبولت في مكاني” من يومي
الأول في الميتم كل سؤال يطرح عليا أو شتيمة أو ضرب أو نهز أتبول كانت جل إجاباتي تبول لا إرادي.
في مساء اليوم الأول ،عاد لزيارتنا مدير الميتم معه بعض الملابس والخرق البالية غطاء في هذا البرد
ولكن ما إن اقترب من فراشي ووضع عليا الخرقة حتى تبولت عليه لا على حذائه المطبب المدهون
بالصبغ الأسود اللامع رمى الخرقة أرضا وهرول صوب الحمام مجددا ليغتسل ،باب غرفتنا كان مفتوحا
فسرت ببطء لأتجسس عليه وأرى كيف كان يغتسل لا لأهرب من سجني ،من ثقب باب غرفته كنت
أسترق النظر نزع جوربه المبلل وألقى به في الحاوية وصوب خزانته يعبث في أدراجها باحثا عن
جورب آخر نظيف ليرتديه ،ساقاه رقيقتين بيضاء الملمس خالية من الشعر ،وخوفا من اكتشاف سري
عدت لغرفتي مسرعا فقط ساقاه البيضاء الناصعة تمر ببالي.
مر يومين وساقاه النسوية لم تغادر مخيلتي.
اليوم المدير في حملة تفقدية للغرف ، جميع الصبية يؤدون تحية الصباح له إلا أنا أقف صامتا في
قوقعتي الذهنية ما إن نهزني بعصاه حتى تبولت على سرواله وإنحنيت لألمس ساقاه فركلني مجددا
وغادر .يوم أخر مضى وأسبوع وفكرة الساقان البيضاء لم تغادرني كلما تذكرتهما تبولت ،كدت في كل
صمتي هذا أن أنسى صوت الطفل القابع داخلي ،هل هو تبولي ونجاستي الفردية أم تلك الساقان
المربكتين لمخيلتي أحب أكثر.
مضى أكثر من شهر وأنا في الميتم لم أرى المدير ،طقس ربيعي هذا الصباح عصافير تزقزق ،أترابي
ودماهم الورقية فقط أنا أنتظر المدير ،سرنا إلى قاعة الأكل التي ستطؤها قدماي أول مرة فهناك ضيف
قادم لزيارتنا ،اصطففنا في صف طويل فأحد الأثرياء اليوم سيختار طفلا منا لخدمته في قصره كنت أنظر
لساقي المدير وهي تقترب مني”ابني العزيز كيف حالك اليوم ؟لم أنبش بحرف فقط عدت وتبولت على
نفسي هذه المرة ليسحبني نحو الحمام وأغلق عليا الباب بإحكام ومضى،اليوم الثاني لي في الحمام فتح
لي الباب “يا عفن اذهب لفراشك سيأتي الطبيب لمعاينتك ؟في فراشي خلعت سروالي وتدثرت بإحدى
الخرق لا يوم أحسست أني أتبول فقط من حولي كانوا يدركون ذلك أما أنا فلا ،لم يزرني الطبيب قط
يومها ولا ليلتها ولا بعد أسبوع وأنا قابع في مخدعي متدثر بتلك الخرق ،في آخر الليل كان المطر ينهمر
بغزارة شديدة والتيار الكهربائي مقطوع أحسست بيد تقبض عليا من رقبتي وتجرني معها صوب الباب
الخارجي للمطر ظللت ليلة بأكملها وأنا ملقى أرضا ،صوب الفجر تقبض عليا تلك اليد وتدخلني للحمام
للاستحمام ما إن فتح صنبور الماء وانفجر ماء ساخن على جسدي صرت أرتجف وأرتجف وتبولت
مجددا على المدير لم يكترث زمنها بتبولي بل كان يضحك من تبعثر خصلات شعره بالماء متناسيا
وجودي حتى ملامسا جسده رافعا سرواله كاشفا عن ساقيه البيضاء ،لساقيه سطوة سحرية عليا كلما
نسيتها ألا وغزتني ركعت أرضا وتمسكت بهما.
في نشوة وامتزاجه مع الماء وبحب طفولي راح المدير ينزع ثيابه ويرميها أرضا كاشفا عن جسد
أنثوي خضب وخصب مختفي في ملابس ذكورية سلطوية عفنة. ما كان المدير إلا امرأة متخفية في
ثياب زوجها المدير الفعلي للميتم الذي قتلته منذ مدة بسبب عذاباتها المتكررة وضربه المبرح لها كل
مساء وحرمانها من الإنجاب وتشويهها لجسدها من قبله ،قتلته لتتحرر فقط من جسده لا من سلطته
التي اقتبستها وتقمصتها ،هكذا أخبرتني بعد أن كشفت سرها ،في صباح جديد آخر للحياة مدت لي
برزمة نقود وحقيبة ملابس وتذكرة قطار وفتحت لي الباب أذهب فلقد سجلتك بإحدى المدارس الخاصة
لتزاول تعليمك وكل مصاريفك سأتكفل بها .تبولت في مكاني للمرة الأخيرة ،شكرا لن أنسى ساقاك وعاد
لي صوتي.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: