مِن ذاكرة الحجر..

img

مِن ذاكرة الحجر..

بقلم :تيسير بالطيّبي

تجمعنا نشرة الأخبار هذه اللّيلة أيضا.. تجمعنا كما لم يفعل وطننا منذ عهد.. نتابعها بصمتٍ جنائزيّ رهيب، بل لعلّنا نسلّ من صمتنا صمودنا وتماسكنا إزاء مصيبتنا.. تتوالى الضّحايا أرقامًا على الشّاشة، تفزعنا قائمات التّرتيب العالميّة: فيروس هلاميّ/مجهريّ استطاع أن يجعل منّا أرقاما تزيد أو تنقص وفقا لحركيّته الجنونيّة في الكون، استطاع أن يتحكّم في نمط عيشنا وساعات أرقنا وعزلتنا وعدد حبّات المهدّئ التي نتناولها خلسة كلّ ليلة..

نحن، لا يهلكنا استشراف الموت بقدر ما ترعبنا حركيّته المسعورة.مشهد هو أشبه بصرخة الرسّام إدفارد مونك في أشهر لوحاته على الإطلاق عندما اكتشف ذات عزلة أنّه يعيش خوفًا وجوديًّا من مجهول لم يدركه، شحنة دراميّة مكثفة عبّر من خلالها في لحظة يأسٍ وإنهاكٍ عن تماسكه حدّ الامتلاء.هي نقطة فاصلة/مفصليّة ما إن ندركها حتى تثور كلّ الخلايا فينا لتعيدنا إلى خطّ البداية.. أظنّنا في هذا الحجر نتدرّب أوّلا على حفظ مسافة الأمان التي تقينا شرّ فقدان السيطرة على هذه النقطة.. بل أظنّنا، لو خُيّرنا، نفضّل العدوى على بلوغها !

يقولون إنّنا بأمان ما دمنا في الدّاخل.. ينصحوننا بإغلاق الأبواب والنوافذ وتعقيم المساحات والبضائع والتوجّس من الآتي.. كلّهم يسهرون على راحتنا الجسديّة، وكأنّ سلامتنا النفسيّة -أو ما تبقّى منها- لا تعني أحدًا غيرنا، بل كأنّ مجرّد حديثنا عن أزمات منهِكة مثل الضّجر والملل والوحدة والاكتئاب يغدو ترفًا فكريًّا لا يروق لأصحاب الأفكار البراغماتيّة الجادّة، كيف لا وهم مستعدّون لتغيير العقليّات في أسبوع لإنقاذ ما تبقّى منّا.. راديكاليّون حدّ النخاع !

يقولون إنّ الخارج أصبح رديفًا للموت أو شروعًا فيه.. أتجرؤ إذن، وأنت مَن أنت، على توقيع وصل جريمتك الأولى عن سبق إصرار وإدراك ؟حتما لن تفعل، أعي جيّدا أنّك تريد أن تحيا.

ولكن..

نحن الآن نعيش فقط.. رهن الإقامة الجبريّة والبقاء المهدّد.. نحن أسرى الانتماء القسريّ لوطن لم يعد يأوينا، بل لكونٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة ببقائنا..

نحن اليوم أقرب من أيّ وقت مضى إلى الحقيقة كاملةً، إلى الأصل من كلّ شيء، إلى التّفاصيل الفارقة والموجعة في آنٍ، إلى الأسئلة الوجوديّة، إلى الثوابت.ولعلّ الميثولوجيا تسعفنا الآن أكثر من أيّ وقت مضى لنوقن بأنّ صخرة سيزيف ليست سوى الحياة بكلّ  عذاباتها وإخفاقاتها الأبديّة.. كلٌّ يحمل صخرته ويتحمّلها.. كلٌّ يُساق نحو قدره خاضعًا راضيًا.

هنا..

نقف على أطلال قوالبنا اللغويّة الجاهزة فيتساءل المعنى: أيستقيم جمع الرّضا والخضوع ؟أيّ مجاز يجعل منهما في ذات المستوى الدّلالي ؟لا إجابة.

نواصل إيماننا بقدرتنا على تحمّل المجهول.. نستعير بطش زيوس لنخاتل الحياة بما تبقّى لنا من دهاء.. تراوغنا الحياة/الصّخرة لتنال منّا قبل نهاية الطريق بقليل..

نحن الآن في النّقطة الصفر: لا حياة / لا ذاكرة.

تيسير بالطيّبي

تونس في 20/05/20

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: