مُباشرة ودون توقف-بلال طاهر ،اليمن 

34

مُباشرة ودون توقف-بلال طاهر ،اليمن 

تُشعل الأضواء ككل ليلة؛ تُهيأ المكان كعادتك للإحتفال، تتلفع الهندام اللائق بإطلالةإنجازك البعيد، تشتم رائحة خفيّة تهمس بمبالغتك على غير العادة، يحتسي رفضكزُغلة من ذهول، تجيء الذاكرة لحيرتك بعبارة من العُمر، تمر بحماستها أمام محاولة هزأ اللحظة منك، تتغلغل بمعنى كلماتها الباذخة، تتفوه بها وكأنك عدت أعوام لتنطقها أول مرة: تتملكني فكرة تحويل المنتجات إلى أشياء محمولة. تنبهر بإيمانك بها آنذاك؛ تستحوذ جزالتها على مشاعرك المضطربة فجأةً، تفتش ثقتك عن سِرّ قلقك، تهمهم

 بحقيقة إستحقاق إختراعك لصفة: آدم مجالك. غير أن المهاتفة المنتظرة لرؤيتك،وسماعك، تستعرض مُباشرة ودون توقف عبثية عنادك بصنع المجد، وتذهب بإستدارة عينيك للأمام: لترى ثبات الأشياء.  فيبحلق صمتك بعدمية استخفافها، وأنت تُصغيلصراحتها البائنة من وسط غيابك بشغف مهترأ.ينقاد إعترافك طواعية؛ تصيح بكامل ثملك: كان عليّ الموت كما يليق بإرث بشري.

 تتفحص أناقة مُغادرتك للحياة قبل نجاح محاولة دفن إبداعك للأبد؛ يهمس صوتمبحوح من أعماقك: لكنّي مارتن لورانس كوبر. تضحك، فتجيب بفم مملوء من كأس نخبك: المتعثر بالثالث من ابريل في العام 1973م. يتلاشى نبل الصوت الذي همسلك بمواساته للتو؛ تُغلق المسوغات يُسرها مُبدية أفول نجمك، تميل لإنصاف الحُقبةلنبوغك حينها، تشعر بصواب مناولتها راية النصر لغيرك، يؤرقك جدوى بقاءك للسابعة والثمانين من العمر، وأنت تشهد أكثر من نهاية لإعتراف العالم بثورتك، وفرح بتكنولوجيا جديدة، يهطل كل يوم من أماكن متفرقة، وتنهمر غزارة ثمارهفي بشتى أصقاع الأرض، بينما لا تزال إلى ما قبل لحظتك، تتخطى حقيقة كونك آدمالأول لشركات الهاتف المحمول، وتُصرّ على التشبث بعزلتك كما يُفترض بإله يُراقب قصة خلقه بصفاء مطمئن.

تتخيل ما يُمكن له أن يمنع معدتك من التقيؤ، ورأسك من الدوران حول نفسه، وأنتتغادر إلى هاواي من مكانك، وتتحقق بالصوت والصورة من خداع إبنتك الوحيدةلآمالك، لكنك لا تجد سوى ذكرياتك عملك هناك، حين عملت غواصاً لعام ونصفمن حياتك، إلاّ أن هذا لا يمنع خوفك من اليقين المفاجئ لصفريتك المتكاثرة، حتىأنك تلجأ للأحتماء من هطول الحيرة على رأسك، بالجزم بإستحالة إنطلاق كل هذاالتطور، لولا الصفر الذي وضعته بطريق خطوات جميع كل القادمين خلفك: لكن غراهام ألزم سبعة وتسعون عاماً من السجود بين يدي إبداعه. تصمت، وصوت كأنه من داخلك، يردف بنبرة هازئة: وكان ذلك فقط منذ لحظة وفاته. يتلوى حولك غيضك منك؛ تنط كفك إلى الطاولة أمامك، ترفع عودتها الهاتف الصغير لوجهك، تصغي لاقتراح أصابعك بالخروج من خلاله بحثاً عنك، يتبدى هاجس إصرارها على رتق خيبة نخب رديء، تمضي رفقتها بمشاعر إله معزول، تدخل بك أكثر من مهرجان يحتفي بميزات جديدة، لشركة هاتف هنا وأخرى هناك، تتلفع غريزة مُصافحة لحظتك بظهور ما، تناول مقولتك الشهيرة للمعان عدسات الكاميرا الحديثة، وأنت ترويحكاية بهجتك: خرجت للشارع كأول من يفعل، وبيده جهاز هاتف، كنت أمشي واتحدث حتى كادت أن تدهسني سيارة. تُغمض أهداب تنقلك من أيقونة بحث لأخرى، لكنك لا تسمع التصفيق المنتظر لصمتك، فتشعر أنك واقع بمحنة تؤكد استفاقة هلعك، وإبن الآلهة الذي رافق ميلاد إبتكارك كصفة لنبوغك، يختفي من كل كرنفالات التكنولوجيا الآتية منك، وتبدو منزوياً وذابلاً بردهات تلك الشركات كشجرة زينة صناعية: لا حاجة لمن ينقل البشرية من حياة لأخرى، أن تنطلي عليه لعنة العيش بتفرده، ويتجاهل حتمية إحتمال رصد نظراته لحُرقة خسوف قمره المتلألأ. تخلص لهذا، ونتائج البحث تنبهر لبقاء كهل مثلك على قيد الحياة تارة، وأخرى تُعرج متلصصة على عُزلة دنجوان عجوز، وسكير لا يُغادر ثمله: من يُحدث بالكون علامة فارقة؛ ليس عليه أن يبتهج لرقص الحياة معه، وحين تُجمّل أهمية إعتزال ألوهيته،فهي تُمهد لصيرورة لياليه كما بكائيات رديئة لشاعر فاشل بالعشق. تُحدق بكل الأشياء من حولك؛ تُطل مُبالغتك بتسهيل مهمة الهزأ منك، من وسط قناعتك بسلامة حقيقته، فتُسكت حماستك العائدة للتو، وأنت تردد: ومع هذا يُمكن لحياة متوفيّة أن تحيا بقلوب غيرها، لكن الأيام لا تمنح الفكرة المناسبة أكثر من عُمرها.

Facebook Comments



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *