مينرفا في سماء بغداد:رواية سير ذاتية تستعرض فظاعة الحرب …

img
Share Button
(مينرفا في سماء بغداد)
رواية سير ذاتية تستعرض فظاعة الحرب و تكشف عن حقيقة العلاقات الحميمية في العالم الإفتراضي
بقلم عمر دغرير 
الأكيد أن الإبداع اللغوي مادته اللغة ومجاله الخطاب، و الأكيد أيضا أن جمالياته تتحدد وتتجدد بفضل قدرة الكاتب المبدع على إنجاز نص لا ينضاف إلى الموجود السابق بقدر ما يضيف إليه ما لم يكن موجودا من قبل و الكاتبة عواطف الزراد في ( مينرفا في سماء بغداد ) قد أتت بالجديد و أنجزت كتابة فنية لا تحتمل التأويل المتعدد ولا تحسم دلالتها بانتهاء قراءتها. وهي في الحقيقة رواية جمعت بين السيرذاتية والغَيريّة .إضافةً إلى تمكن الكاتبة من تقنية اليوميات والمذكرات و قد حضنتها بكل تفاصيلها و حولتها وفقاً لاحتياجاتها. ولقد استطاعت بفضل اعتمادها المخيلةَ كأداة تنفتحُ من خلالها على المحتمَل أن تضفي الشرعيّةَ على مشاكستها للوقائع دون التعرض للتشكيك والريبة.
و يبقى السؤال :إلى أي مدى يمكن أن تذهب الروائية لسرد أحداث حقيقية حدثت لها في حياتها الشخصية ؟ وهل استطاعت أن تتخلص من الضغوط الاجتماعية لتعبر عن وقائع حدثت لها خلال فترة في حياتها في رواية سوف يقرأها آلاف الناس؟
من العنوان نكتشف الإجابة. (مينرفا في سماء بغداد ) فهوعنوان يحيلنا مباشرة الى المكان حيث وقعت أحداث الرواية لنكتشف الزمن و بقية التفاصيل من خلال حوار فايسبوكي جمع بين الراوية (رموز) و صديقها الشاعر الإفتراضي (شميم) .
و البداية كانت مع (رموز) و هي تتصفح ما تم نشره على جدارها في الفايسبوك. فتقع عيناها على وجه أثارتها ابتسامته الدافئة و شدت انتباهها تفاصيله الحية الناطقة بكثير من العذوبة إضافة الى الإسم الجميل الذي رافق الصورة ( شميم ).
و تنطلق المغامرة مع هذا الشاعر دون أن يفارقها التساؤل المرتاب حول الإسم و الصورة . فقد يكون الإسم مستعارا و الصورة لا تخصه هو بالذات لأن في الفايسبوك لا شيء يجبرنا على الظهور بوجوهنا الأصلية و بأسمائنا الحقيقية . و قد نفتح أكثر من حساب بأسماء مختلفة و بشخصيات افتراضية تمزج أبعادها بين الحقيقة و الزيف .
و من خلال هذا الحوار الثري و المثير في آن تعود الراوية الى سنوات الثمانين وقد كانت طالبة في بغداد و تستعرض بعض التفاصيل و الجزئيات عن حقيقة الحرب العراقية الإيرانية التي قد لا نقرأها في كتب التاريخ أو حتى عبر وسائل الإعلام .
كما تعرضت الرواية الى حادثة السابع من شهر جوان 1981 حين ضربت اسرائيل مفاعل (تموز) النووي في غارة جوية . و كذلك اغتيال السادات و ما قابله من فرح بعض العراقيين في بغداد . و لم تنس (رموز) معاناة الشباب العراقي في المواقع الأمامية أثناء الحرب و بالخصوص الطلبة الذين بمجرد انهاء الإمتحنات تقلهم حافلات اليأس من باب الجامعة الى ساحات المواجهة و قد لا يعودون الى بيوتهم سالمين بسبب الحرب . وكيف بالزغاريد تودع الأمهات أبناءهن حين يعدمهم النظام في الساحة العامة بسبب أو بدون سبب . و تبقى الكلمة كذبة و المواساة كذبة و الأمل كذبة و الإرادة كذبة و حقوق الإنسان كذبة و كل الحياة لا تزيد عن كونها أكبر كذبة في زمن الدكتاتورية و الحرب .
و يستمر الحوار بين (رموز) و حبيبها (شميم ) لفترات طويلة . لتكبر العلاقة و تصبح أكثر حميمية و يتعلق الإثنان ببعضهما وتغمرهما سعادة لا توصف. و في كل مرة يطل طائر مينرفا بعينيه المتوهجتين بأقباس الضوء فينير عتمة االإنتظار و ينتشل حبيبته من براثن الفراغ و معا يغوصان في حلم قد لا ينتهي .
في الرواية تروي لنا الكاتبة بكل التفاصيل عن ولادة ابنها فرات و ابنتها دجلة و عن مدينة بغداد العظيمة التي لا تقبل على نفسها الإنكسار و لا ترضى السقوط و الإنهيار . و هي بالفعل عروس شامخة تتحنى بتمور نخيلها الباسق و تتكحل بالذهب المتدفق من عيونها أسودا صاف يخطف الأنظار .
و في الرواية نكتشف أيضا صديقتها عبر الفايسبوك (عالية) و هي تونسية و من خلالها تكتشف (رموز) خيانة هشيم الذي كان يبادلهما نفس المشاعر و الأحاسيس و قد قاومت وجع الخيانة بأن رتبت لقاء غير منتظر للعاشقين في المطار و انسحبت و هي تقول : أشتهي حلما جديدا …
إن التجربة الحياتيّة في الرواية ليست هي نفسها التجربة في الواقع و الكاتبة اجتهدت في صياغة نصها حتى لا يكون نسخا أو إستنساخا لروايات سابقة . و قد بقيت مشدودة إلى روائيتها ملتزمة بمبدأ مخالفة صلابة الواقع بتمييعه وإحالته ليصبح واقعا آخر موازيا ومفارقا وقابلا لقراءات مختلفة.
غير أنه على الرغم من ارتباط السرد القصصي بالسرد السيرذاتي في مفاصل كثيرة من هذه الراوية إلاّ أنها تنحو نحواً متخيلاً في صنع الحكاية وتمثيلها سرديا . فكل الحيثيات المرافقة للسرد القصصي تقع في منطقة السيرة الذاتية للمؤلّفة البطلة (رموز) و لكن عجائبية المروي تحيل القص على المتخيّل المصنوع حتما لأنّ طبيعة الحكاية مما لا يمكن حدوثه في الواقع إلا على سبيل التخييل السردي .
لقد صدرت الرواية عن دار آفاق برسبكتيف للنشر و التوزيع في طبعة أنيقة من الحجم المتوسط في أكثر من 220 صفحة و قد جملت الغلاف صورة للوحة الفنانة العراقية إلهام ناصر الزبيدي .
و قبل أن أختم لا بد أن أشير بأن الكاتبة عواطف الزراد أنهت الرواية و هي تتشهى حلما جديدا . و الحال أنها أغرقتنا في حلمها الأول لفترة خلناها لن تنتهي بهذا الشكل و لكن طعم الحقيقة أكثر مرارة من المرارة نفسها . و ستبقى (مينرفا في سماء بغداد) رواية سير ذاتية بامتياز و قد استعرضت فظاعة الحرب و كشفت عن حقيقة العلاقات الحميمية في العالم الإفتراضي .
Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً