مونولوج داخليّ – عبداللطيف خليل  

img

 

مونولوج داخليّ – عبداللطيف خليل  

 

 

للمَساءات الخريفية المَاطرة قدرة عجيبة على سيلان كلماته وذكرياته، تتساقط منهُ الكلمات وتفر كقطراتِ مطر تنسابُ على صخور لزجة، كان يتحدث عن طفولته بتلذذٍ وكنتُ أستمع إليه ولا طاقة لي لانتشال نفسي من وهدة الضَّجر والسأم، صوته كان يصلني تارةً مهموسًا حتى يكاد يكون غير مسموعٍ وتارة أخرى خفيضا لكنه واضح.. عرفتهُ أيام الجامعة كان قليلَ الكلام كثيرَ التَبسُّمِ، وكان أمرهُ يبدو مُستفزا إلى درجة لا تحتمل، لا أنكر كنتُ أستغرب منه حينما أرى محفظته مليئة بالروايات لا بكتب القانون، أذكر ذات مرة كنا مقبلين على امتحانٍ في مادة “القانون الجنائي” ورأيته في مقصف الكلية يقرأ رواية “لأغاثا كريستي”، في البدءِ خُيل إلي أنه حصل على مرجع غير إعتياديّ، لكنني أدركتُ في ما بعد أنه يقرأ الأدب حتى في ذروة انشغالاته، ويكيّفه مع كل شيء يصادفه في حياته..

كانت هذه هي الليلة الأولى التي سَيخترق فيها ستار انطوائه، أو نخترقه معًا بمحض إرادته.. تحدثَ كثيرا على غير عادته، حكى لي عن سبب تعلقه بالأدب قال لي وهو يتكئ على مرفقه، نحن في عالم طغتْ فيه المادة وأحكمتْ قبضتها جيدا، عالم مربك ومزدحم بالمظاهر التي تتكدس بها الأرجاء والأعين، وماريو بارغاس يوسا أدرك ذلك مُبكرًا، لأنه “كان مقتنعا بأن المجتمع الذي بلا أدب أو مجتمع يرمي بالأدب كخطيئة.. هو مجتمع همجيّ الروح”. ثم سألني، هل سمعت بهذا الإسم من قبل؟
ودون أن ينتظر منّي جوابًا، أردفَ؛ أنتم زملاء الكلية، كنتم ترون الروايات في يدي كأنني أمسك بخطيئة.. كنتم تتعجبون منّي بل وتسخرون أحيانًا، أليس كذلك؟.. بلى، اعترفتُ في سري بصحة ما قاله، كلماته لامستْ دواخلي كما لامستني مقولة “يوسا” الذي كنت قد قرأت له قبل شهور روايته “شيطنات الطفلة الخبيثة”، بيد أني لذت للصمت ولم أُصرّح له بشيء،
ثم أفهمني ما مفاده؛ أنه منذ طفولته وجدَ نفسهُ في عزلة لم يخترها، جدتهُ كانتْ تريد له أن يكون تاجرًا أو حِرفيا بسيطا، كانتْ ترى أن الكُتب خُلقتْ لأبناء الأغنياء، أما أبناء الفقراء فيجب عليهم أن يتمدرسوا ليتعلموا الأرقام والحسابلا أكثر.. غير أنها كانتْ خاطئة وهي غير مُلامة على ذلك، لأنها سيّدة مُسنة تخاف على أحفادها من مخالب الفقر، ثم إن التقنية والحساب قد يعطيا للإنسان المادة لكن من يعطي لإنسان انسانيته، من يعطيه معنًى وشعور؟…

 

بعد صمتٍ خفيف، مسح بكفّ يده اليمنى على شعر رأسه، حسبته أنهى كلامه، لكنه تململ وتحدث من جديد.. وكأنه أصرّ على إفراغ كل قِرَب سره المخبوءة، إلا أنني لم أشأ سماعه، ولم أشأ مقاطعة كلامه أيضًا، آثرت الصمت حتى ينهي ما لديه سريعًا.
هكذا وجد نفسه يميل للعزلة ويجفل من حياة طفولية لم ينل نصيبهُ منها. كل أترابه كانوا يملكون دراجات هوائية وأجهزة لعب إلكترونية، إلا هو كان يملك جدة، وكانت تكدر صفو حياته الطفولية بهمومٍ أكبر منه، وكان لكلامها تأثير واضح عليه. نعم، هذا ما فهمته من كلامه. في طفولته كانتْ ثمة جدة، كما كانت ثمة معلمة زرعت بداخله رغبات أخرى وطبعتْ شخصيته بطباعٍ جعلتهُ مصرا على مقاومة كل شيء، أربكته الاختيارات ولم يعرف أي طريقٍ سيسلك؛ طريق جدته المحفوف بالتعب وبالتَخوُّف أم طريق معلمته المُجلل بالمَعنى والسكينة. لكن صوت المعلمة كان أحلى وأقرب إلى مسامعه، كانتْ ترى في ميله للعزلة، في صمته وفي  إطراقاته الطويلة، تفرُّدًا على أترابه، فَطنتْ إلى تمزقات روحه الصغيرة فأغدقت عليه بالقصص ثم بالروايات لتُرتق تلك التمزقات. وهكذا أصبح يجد في القصص ملاذه الوحيد الذي يهرب إليه من عذابات نفسية ومن طفولة مربكة، قهر الفقر والقهر بالأدب كما قهر طه حسين “العَمَى” بالعِلم وأنار ببصيرته سماء الأدب العربي.
تركته يجتر حديثه الذي طال وتُهتُ في شِعاب أفكاري، تمنيت لو أملك القدرة لأتقهقر إلى الوراء، لو عدتَ طفلاً، لكي أحبّ الأدب وأخلص له. وددت لو كنتُ مثله أملك لغة ثرية وثقافة واسعة، وأعرف أشعار الشابّي وعبثية كامو وصعلكة محمد شكري ومأساة كافكا..

كَلّنِي التعب وتجمدتْ أطرافي بالبرد، خصوصًا أصابعي التي كنتُ أمسك بها الكتاب الذي لم أقرأ منه سطرا، تمادى في كلامه أكثر ما يجب، رجوته أن يصمتَ لكنه تجاهلَ رجائي، صرختُ فيه بنرفزةٍ، فصمتَ، غاب وجهه وتبدّد… مالي! رأيتُني أُهذي، تحسستُ جبهتي بظاهر يدي، حرارتها عادية بل باردة جدًا، فمالي!، لم يكن معي أحدٌ، كنتُ أنا المتحدث والمُستمع، المتلقي والملقي، كنتُ أنا الذي أُناجي نفسي وأُحادثها في حوارٍ داخلي مهموس غير أني سئمتُ من ثرثرتها.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.