موسم الهجرة الى الشمال في القراءات الحديثة (رولاط بارث)

img

 

بقلم: طارق الشيباني

لماذا الطيّب صالح؟ ولماذا مصطفى سعيد؟

ينقسم الفلاسفة والمفكرون إلى نوعين. نوع يشبه العناكب. عناكب تعمل دون كلل. تنسج خيوط العقل وتحيك شبكة الأفكار. عمل عضلي يتطلب الكثير من المثابرة والصبر. أما النوع الثاني، فهم الصقور. صقور تحط فوق أعالي القمم. تراقب وتشاهد بعيون ثاقبة، ثمّ تنقضّ وبسرعة على كبد الحقيقة وتختطف شعلة الحكمة من يد الآلهة. يدخل في هذه الخانة فريديريك نيتشة وسيجموند فرويد وكارل ماركس، كلّ في ميدانه وكلّ حسب تخصّصه ويدخل معهم الطيّب صالح. صقر سوداني ينقضّ على السرد العربي من أعلى. يمزّق كبد الاسلوب القديم. يحدث رجّة وشرخا في نسق الحكي. يهزّ هزّا عنيفا تسلسل الحدث ويغيّر ملامح البطل تغييرا كليّا وينفخ نفسا عميقا في رئتي الكتابة لتستمرّ في الركض الى الامام، بعد أن كادت تتقطّع أنفاسها.

 

 ـ موسم الهجرة الى الشمال بين صرامة الدرس وانطلاق الفراشة:

يولد النص الابداعي شعرا أو نثرا، كما يولد مثلما يولد رضيع هشّ. يحتفي به القرّاء ويزورون سريره المزيّن بأجنحة الملائكة و قرون الآيائل. ينمو شيئا فشيئا فوق رفوف المكتبات وعلى أعمدة الجرائد وفوق شاشات الاعلام. عندما يشتدّ عوده ويستوي واقفا على قدميه، يأتي النقّاد والدارسون حاملين معهم حقائبهم السوداء المخيفة. تلك الحقائب الممتلئة بترسانة مرعبة من أدوات التحليل والتفكيك والتشريح والنقد والدرس والغربلة. أدوات جراحة تطوّرت بشكل فضيع مع تطوّر وسائل النقد الحديث وتعدّد مدارسه وتنوّعها.

أنا بصراحة، لا أستطيع التعامل مع هذا الكيان الحيّ، بل المفعم بالحياة والمزدحم بها حتى الصخب ـ نص الهجرة الى الشمال ـ كما يتعامل جرّاح بمبضعه البارد الرهيب مع جثّة محايدة.

كلّ ما سأفعله، أنّي سوف أجعل من الموسم المهاجر يثرثر قليلا مع رولان بارت. يجالس جوليا كريستيفا في مطعم صغير في أزقّة باريس الخلفيّة ويقرع كأسه بكأس تودوروف شاربين معا نخب الأدب ونخب فنّ الحكي الجميل

1 ـ موسم الهجرة الى الشمال يثرثر مع رولان بارث:

“وحينئذ سوف تنقلب اسطورة التوراة الهرمة رأسا على عقب ولن يكون اختلاط اللغات بعد ذلك عقابا. بل إنّ تعاشر اللغات وعملها جنبا الى جنب سيدفع الذات الى بلوغ مُتعتها. فلذّة النصّ هي بابل السعيدة”[1]

المعروف عن رولان بارث، هذا الفرنسي النزق، كما يحلو لبعض زملائه أن يصفوه، أنّه يغيّر أسلوبه وطرائقه ومجالات بحثه، كما يغيّر المرء حذاءه. إنّه يكتب في كلّ شيء: الاشهار، الدعابة، فتاة الغلاف، النص الديني، الصورة والايقاع والصوت، اللسان واللغة…لا يمكن حصره في مجال أومستوى أو بنية أو حتى مدرسة…وحين قيل عنه :” أنّ كلّ مجال بارت، هو النص” فقد كانت تلك هي الورطة بعينها، لأن النص هو المجال الأرحب، هو مجال تنضوي تحته كلّ المجالات. النص ينطلق من الطبيعة ليصل الى الورقة. ينطلق من اللغة الكيميائية للحشرات وأحفورات الكائنات المنقرضة مارّا بالهيروغليف والخط المسماري وحبر الحروف، حتى يستقرّ في نقاط الضوء للكمبيوتر وللعالم السبراني اليوم. إنه سيميولوجيا، تتشظى وتتجمّع وتنثني وتحيط بنا من كل الجهات وتخترقنا أيضا من كل الجهات.

وهنا يشتغل بارت. يشتغل على خصائص النص. ولكن ثمّة ثيمة تجمع أشغاله أو تكاد تكون القاسم المشترك بين جميع مجالات بحوثه. ألا وهي اللذة. لذّة النص.

هذه اللذة التي سوف نسعى الى وصفها في نص الطيب صالح. وأقول وصفها وليس تعريفها و تقديمها في شكل قاعدة أو نظام، لأن بارت نفسه يقول: “اللذة تأتي هكذا، إنّها حضور من غير سؤال ووجود يعمّ كلّ شيء…تأتي بقدح زناد الروح، فلا يدركها إلاّ من تحرّر من نفسه جسدا ودخل في نفسه نصّا”.[2]

في موسم الهجرة الى الشمال، لا توجد لغة بل توجد جمهرة من اللغات. لغة مصطفى سعيد ولغة جدّه ولغة بنت مجذوب ولغة جين موريس. لغة الشمال ولغة الجنوب. لغة الثلج ولغة الرمل. لغة يرحل بها البطل عبر اجساد النساء ولغة اخرى تصدم روحه بروح أمرأة أحبّها وقد تكون أحبّته وكرهته. لغة النص ليست لسانه، هي فكره وثقافته ومرجعيّاته. هي بيئته من بشر وشجر وحجر. هي نصّه وسيمياؤه وضوءه وحتى ظلال كهفه الافلاطوني. هي في النهاية تلك الكيفية، التي سرد بها الطيب صالح صخب الحياة في لندن وهدوء شجرة الجميز يزرعها الجدّ، فتنمو ببطء وثبات على حافة نهر النيل في قرية في السودان. هي لغة قسمت ظهر لغة التوراة المقدّسة وقلبتها رأسا على عقب وتعدّدت مفلتة من العقاب…بل خلقت لذّة النص. خلقت بابل سعيدة…

مصطفى سعيد يا حضرات المحلفين إنسان نبيل استوعب عقله حضارة الغرب ، لكنها حطمت قلبه ، هاتان الفتاتان لم يقتلهما مصطفى سعيد لكن قتلهما جرثوم مرض عضال أصابهما منذ ألف عام…”

في هذه الجملة القصيرة من السرد وحدها، تتجمهر اللغات. تتجمهر الحضارات وتتعدّد زوايا النّظر. كلّ يقيس بمقياسه وكلّ يكيل بمكياله. لغة محامي الدفاع عن مصطفى سعيد هي مستوى من اللغة يختلف حتى عن لغة سعيد نفسه، فهو يرى نفسه مذنبا، يقترب من لغة “العطف المسيحي” ويقترب ربّما من لغة ورؤية معينة لمثقفي الغرب اليساريين. يتعارض في نفس الوقت مع لغة وثقافة فئة أخرى من الغربيين.

كل تلك اللغات وكل تلك الثقافات والبيئات ومستوايات الخطاب، يجمعها الطيب الصالح في قاعة محكمة في لندن. يجمعها في جملة عابرة ويمرّ.

تبلغ اللغة أوج اختلاطها وتتعدّد وتفلت من عقالها كوسيلة لايصال المرجعيّة الثقافية والدينية للطرف الآخر من الخطاب أو ما يعرف بالمتلقي، في شخصية بنت مجذوب، وهي تقول:” خمرة النصارى هذه رهيبة…” وتروي مغامراتها الجنسيّة أمام مجموعة من الرجال، بمن فيهم حتى الجدّ المتديّن للراوي.

 كسر بذلك السارد مفهوم المرأة السودانية في قرية معزولة على ضفة مجهولة من ضفاف النيل. قرية مسلمة. تتكلّم لغة مسلمة. تعيش وتموت بطريقة وأسلوب مسلمين. يكمن جمال هذه الشخصية لا في كونها متحدّية رافضة كافرة بالأعراف والنواميس، بل يكمن في أنّها تمرّ بدعة.  تمرّ كزورق ورقيّ خفيف يصنعه طفل مشاكس حرّ، عابرة نهرالسرد. عابرة اللغة. عابرة كما يعبر بيت شعري لعمر الخيام من رباعيّاته العصور بدعة، في حين يعلق علمه وبحثه الفلكي في كتب الاختصاص[3]. بطلة الحكاية تشبه في هذا الحكي لونا آخرا مختلفا على قماشة رسم. لونا لا يشعرنا بالنشاز بقدرما يشعرنا، أنّه لولاه لما انتبهنا إلى اللوحة بأكملها من الأساس.  بنت مجذوب، لغة تفلت من معاجم الفقهاء وتعكس الاخلاق الرفيعة للحكاية، حيث يترفّع السارد الجميل عن محاكمة أبطاله. هو فقط يسردهم…والقارىء، الذي يحاكم بنت مجذوب ويعتبرها شخصية لا أخلاقية، فهذه هي في الحقيقة أخلاقه هو أو أخلاق قرائته.

سوف تفلت لغة بنت مجذوب من لغة التوراة المقدّس. سوف تعاشر اللغات الأخرى في السرد وتعمل معها جنبا الى جنب. سوف تدفع بالذات الى بلوغ مُتعتها.

يتحدّث بارت أيضا عن قشعريرة المعنى. هذا المعنى، الذي لا يفلت من العلامة الصوتيّة، بل ينبع منها ويحتويها كما تحتويه. وقد يقابله تعبير آخر قديم جميل  لعبد القاهر الجرجاني: ” معنى المعنى”.

الكلمات بما هي أصوات تحمل في ذاتها معنى جماليّا. معنى اعتبره النقاد القدامى مفارقا للصوت واعتبروه صورة مستقلّة اعتباطية يخلقها اللسان وتتبناها اللغة، ليتحوّل مع بارت الى كلّ لا يتجزّأ يكمن جماله أو تكمن لذّته في شكله وفي معناه ممتزجين. ليس هناك مسافة بين الدال والمدلول. كلّ ما هناك أصوات وعلامات وصور يدرك المرء معناها في ذاتها وأشكالها وموسيقاها.

في سرد الطيب صالح هناك جملة تتكرّر” شنّي يعرف متى يلاقي طبقه”. هذه الجملة أشبه باللازمة الموسيقيّة في المعزوفات العظيمة. يكرّرها السارد كل مرّة، مُلحقا إيّاها بجمل تسبقها وأخرى تليها، فتتحوّل الى ما يشبه الايقاع العروضي، ولكن في نص نثري. هي كمجموعة من غرزات الخياطة، تربط فقرة من الألحان باللحن الذي يليها. ويتحوّل النص المنثور بذلك الى نصّ موسيقي لا نمسك فيه بالمعنى، بقدرما تعترينا قشعريرة المعنى ويُقذف بنا الى متعة النص، كنص في حدّ ذاته. نص هو كل مجال بارت وهو كلّ جمال موسم الهجرة الى الشمال.

   

 


 

[1] رولان بارت: لذة النص ترجمة منذر عياشي

[2] رولان بارت: نفس المصدر ص 7

[3] راجع رواية سمرقند لأمين معلوف…الوجه الآخر لعمر الخيام النيسابوري

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: