من حكاياتنا حول الكورونا

img

من حكاياتنا حول الكورونا

بقلم:كاهنة عباس .

 

هي سلطة ما انفكّت تزداد سطوة  وقوّة في غفلة منّا ، دون أن تكون سلطة الحاكم على المحكوم ولا سلطة العالم على طالب المعرفة ولا سلطة المال على المحتاج ، قد وهبناها من الإشارات والعلامات والرموز ما يمنحها أهميّة قصوى، إنّها سلطة الأشياء ، فما يفرّق بين شخص وشخص في أيّ فضاء كانا،ما يمتلكانه من لباس أو أمتعة، لذلك لم يكن للفقير المعدم أيّ حضور أو وجود في نظر النّاس.

علاقتنا بذاتنا أو بالعالم تحدّدها الأشياء حتّى باتت جزءا من هويّتنا  فأنستنا أنّنا نحن من بعثناها إلى الوجود وصنعناها و أثّثنا بها محيطنا فحوّلناها إلى  مدن وطرق وأرصفة وجدران وبنيان وأدوات ومعدات وأمتعة .

أينما اتّجهنا أو وجدنا، امتلأ الفضاء بالأشياء على اختلاف تركيبتها : بلاستيكيّة كانت أم حديديّة أم حجريّة أم نسيجيّة أم معدنيّة أم ذهبيّة أم فضيّة أم بلوريّة حتّى أنّ إنسانيتنا باتت مرتبطة بها  أشّد الارتباط، فنحن الكائنات الوحيدة الّتي تجمعها  بالأشياء علاقة ليست ماديّة فحسب  بل و أنطولوجيّة  أيضا أي متّصلة بكينونتنا.

لذلك لم نتردّد في إزاحة الغابات ولا إتلاف الأشجار والأزهار ولا تجفيف الوديان والأنهار ولا قتل  عدد لا يحصى من الحيوانات والطّيور.

ربمّا لأنّ الفلسفات والأديان والقوانين طيلة التّاريخ الإنسانيّ في عدّة  ثقافات، لم تنشغل بالحياة من حيث أنّها قيمة عليا ،لا شيء يعادلها أو يعوّضها، بل كان اهتمامها الأساسيّ هو اكتشاف أسرارها و استعمالها لاستغلالها.

فنحن في قطيعة مستمّرة مع أحاسيسنا أي مع أنفسنا من أجل تقمّص دور ما ،لنيل اعتراف غيرنا ، سعيا لتلبية رغباتنا وتحقيق أحلامنا ،مازلنا  نبحث عن السّعادة  خارجا عنّا.

مسألة معرفة النّفس ، التأمّل فيها ، وتحقيق الكيان دون حاجة إلى فكرة أو مساعدة أو علاقة أو إنجاز عمل أو تقمّص دور لم تكن متاحة إلاّ  لثلّة قليلة من النّاس يتمتّعون بميزات نادرة تجعلهم في درجة تفوق طاقة البشر لقدرتهم على الزّهد في الدّنيا وما فيها  حينا و اعتزالها أحيانا أخرى .

أمّا نحن فلا حياة لنا ولا وجود إلاّ خارج أنفسنا بفضل  ما ننجز ،ولا قيمة للحياة من منظورنا إلاّ من حيث أنها مصدر للّذّة والمتعة والثروة والقدرة والسّلطة .

كلّ هذا الصّرح من الأوهام ينهار الآن أمام أنظارنا ونحن لا نغادر بيوتنا خشية العدوى بوباء الكورونا ،لقد توقّف الضّجيج وخلت مدن العالم الكبرى نيويورك ، باريس ، روما برشلونة من الحركة وحتّى من النّاس، وانتشرت أجواء يسودها الهرع من الموت، فإذا بنا نقبع في سجون منازلنا لا نبرحها ، قد بدت لنا الأشياء خالية من أيّة قيمة أو معنى بعد أن استرجعت الحياة قيمتها.

كلّ ما هو حّي داخل ذواتنا أو خارجها استرجع قوّته المسلوبة منه ، فإذا بالفنّ الّذي اعتبر ترفا أو أداة للترفيه ، يبرز في أبهى تجلّياته ، لحنا وموسيقى وشعرا وأدبا وكتابة للتعبير عمّا تختلج به نفوسنا ،إذ ببعض النّاس يخرجون إلى شرفات شققهم للغناء والعزف والتّواصل في ما بينهم .

فجأة تحت تأثير الخوف من الموت ، نتوقّف عن العمل والإنتاج والاستهلاك، للاعتكاف والتغنّي والانتظار والتّساؤل عمّا يخفيه لنا الغد ، فجأة تصبح الحركة الوحيدة والممكنة متّجهة نحو هجرة العالم الخارجيّ للاستقرار بالنّفس، فجأة تتشابه ردود فعلنا في مواجهة الموت الّذي غالبا ما تنكرنا لحتميّة  وقوعه .

فجأة  تنقلب مقاييسنا بفعل كائن ينتقل بيننا دون أن يرى اسمه فيروس الكورونا ، ذلك الّذي من مخاطر العدوى به الموت اختناقا بأن نصبح عاجزين حتّى على استنشاق الهواء .

إذا بنا نشهد انهيار أكبر صنم آمنّا به : ألا وهو صنم المال ليحدث رجّة كبيرة في الأرض، لقد توقّف سحره عن التدفّق بين الأيدي وفي الجيوب وبين الخزائن وعلى شاشات البورصة , إثر سقوطه أرضا دون أن يتكسّر .

ما الّذي بقي لنا : الحبّ أي خشية فقدان الأحبّة من أقارب وأهل وأصدقاء بفعل العدوى ، الشّك في ما سيحمله لنا الغد القريب ، الخوف من الموت والشعور باقترابه ، مواجهة أنفسنا والترويح عنها في سجنها ونحن نتغنّى حزنا أو بكاء أو فرحا أو خوفا .

وبين الأزّقة وفي الدروب ، تخرج علينا الطيور والغزلان وحيوانات أخرى لتحتلّ أرصفتنا الحجريّة تبحث لها عن الغابات الّتي أزلناها .

فتدبّ الحياة في غيابنا ، تدبّ دون ضجيجنا وتوتّرنا وصخبنا المتواصل وزحمة سياراتنا بعد انطفاء أضواء مدننا المهجورة لتذكّرنا بحقيقة لم نتقبلها بعد :  أنّنا لسنا أسياد العالم وأنّ كلّ منجزاتنا ليست قادرة على حمايتنا من حتميّة الموت وأنّ ملاذنا الوحيد هو التّصالح مع أنفسنا وأنّ الحياة هي أعلى وأسمى قيمة لا تحتاج إلى أيّة قيمة أخرى أو معنى يبرران وجودها وأنّ الأشياء الّتي صنعناها هي أكثر هشاشة منّا ، ليس لها من وجود فعليّ إلاّ في مخيلتنا وتصوّرنا .

هل سنستوعب الدّرس ؟ ربمّا ،رغم  أنّ داء الكورونا  ليس أولّ وباء عرفته الإنسانيّة ،ترى لو زال هذا الدّاء ،ما الّذي سيتركه من آثار في ذاكرتنا ؟

حكاياتنا المتعدّدة، المختلفة، الغريبة، العجيبة، الحزينة والأسطوريّة، ما رويناه لأنفسنا حين كنّا في معزل عن العالم .

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: