من المسرح إلى المعيش الجامعي-عيّادي العامري 

img
من المسرح إلى المعيش الجامعي-عيّادي العامري 
“أيها المعلمون اتركوا الاطفال وحدهم” (مقطع من أغنية “Another Brick In The Wall” لفرقة الروك الإنجليزية “Pink Floyd”).
يطل الشيخ غوغل برأسه، مع كل محاضرة تلقى في جامعات “سياق” دولة الاستقلال، ضاحكا بطريقة هستيرية من كل الذين مازال لديهم وهم أن معلوماتهم الخام يمكن أن تضيف شيئا جديدا لدى الطالب، نقصد هنا بالمعلومات الخام ذلك الضرب السكولائي الذي يمكن أن يكون فيه الناقل فاعلاً سلبيًا يحفظ المعلومات كما وجدت في بطون الكتب و ينقلها في شكل دروس و محاضرات متعللاً بقصور وجودي أو ابستمولوجي معين يمنع به نفسه و غيره من أن يمر من الإخبار عما قال الفلاسفة مثلا في سياق درس عن الفلسفة إلى تأويل معان نظرية و إمكانات عملية تجد لها طرافة تسمح للمتعلم ألا يضع سماعات الموسيقى في أذنيه و أن يفتح صفحة هذا الشيخ المعلوماتي الرهيب ويعرف كمًا من المعلومات تفوت بأطنان ما يمكن أن يقوله هذا الناقل السالب للمعلومات الخام.
ليس غياب المعلومات هو ما يمثل إشكالا لهذه الجامعات كمؤسسات فقدت جزء كبيرا من مشروعيتها لدى طلبتها كما أساتذتها، إنما هو الملل الذي يصيب الجميع حيث يدخل الكل في نوع من العمل المسرحي على الذات الجامعية التي تظن أن الأمور بخير و لا داعي لأي مراجعات جذرية من الداخل و على البنية الاجتماعية و السياسية التي تقول “ما أجمل الصروح العلمية التي نملك..إنها جزء أصيل من إبهار العالم”.
هذا الملل هو الشعور الذي يتعمق يوما بعد يوم فثمة رتابة عميقة تجعل من الجميع داخل الفضاء الجامعي يعرف مسبقا ما سيقال و كيف يقال و متى يقال، إنها تراجيديا العبث المسرحي الذي يلامس بنية النظام الجامعي في سردية باثولوجية لنظام تدبير جامعي لا يزال غير قادر على إستيعاب التجاوز التكنولوجي الذي جعل من رهانات جامعات سياق “دولة الإستقلال” تفقد أسباب وجودها من الناحية المعرفية و الإيتيقية.
1-المعرفة
تتشكل الأزمة المعرفية في الجامعة داخل إطار مرتبط بالتغير الذي تطرحه السهولة التقنية للوصول للمعلومات، حيث لم يعد ممكنا من ناحية المضمون التعويل حصرًا على تخصيص حيز زمني كبير في الوقت المخصص لنقل معلومات يمكن لطالب الحصول عليها عبر الانترنات بل يمكن له تحصيل أكثر منها من الناحية الكمية و النوعية أيضا، وبالتالي يصبح دور الأستاذ يقتصر على تطوير ملكات أخرى مرتبطة بجعل المادة التي يقوم بتدريسها تدربًا على القدرة التوليفية لمجهود مجموع الطلبة من ناحية بحثهم كما و نوعا و ذلك داخل إطار تفاعلي نقدي ينطلق من معالجات راهنية لها علاقة باستراتيجية الأقسام الجامعية المتنوعة و من ثمة منح أكبر حيز زمني من الوقت الدراسي لنقاش المعطيات و خلق التوليفات الممكنة وبالتالي الحصول على أقل مجهود ذهني للفرد و للمجموعة في قسم معين أو في عمل مشترك بين مجموعة من الأقسام، وهذا ما سيضمن تحقيق نجاعة عملية متعلقة بتطوير معارف و تقنيات الطلبة بالكثافة اللازمة وبالتجدد المعرفي المستمر، إضافة إلى تطوير العلاقات الذاتية و الموضوعية للجماعة العلمية بما يؤسس لإيتيقا التضامن التي سنخصص لها فضاء خاصا في هذا المقال.
ثمة جانب آخر يجب الإشارة إليه في علاقة بالمعرفة في ضوء التطور التكنولوجي الذي اسس لسهولة معينة في ايجاد المعطيات و المعلومات، و هي المتعلقة بآليات العمل داخل الحقول المعرفية التي يتم تدريسها في جامعاتنا، من العلوم الإنسانية وصولا إلى العلوم الصلبة، وهنا الحديث عن الجانب المتعلق في الاستثمار في الجانب البيداغوجي و النفسي للأعمال السمعية البصرية (أفلام (واقعية وتصويرية)-وثائقيات-محاضرات مسجلة، لوحات فنية الخ)، فمن الناحية البيداغوجية يمثل المجال السمعي البصري حيزا أساسيا في تسهيل عملية بناء المعرفة و الإدراك المكثف و المركب، و من الناحية النفسية يمثل العمل الفني في حالات الأفلام مثلا إمكانا تكثيفيا يسهل عمليات بناء علاقة سليمة بين من يشتركون في معايشة فضاءات رمزية مشتركة تخلق تراكميا وحدة للفضاء الذهني والنفسي.
2-الإيتيقا
ما سبق و ذكرناه يفتح المجال نحو مرور الفاعلين الجامعين من أفق العلاقات الزبونية المبنية في الأساس على التملق و على النفاق الذي يؤسس لازدواجية المعلن و المخفي وهذا الشكل من العلاقات المسمومة هو المغذي لغرائز الانحطاط مثل الضغينة و الحقد والنميمة والرغبة في الإنتقام التي تسود في خبايا المسرح الجامعي و تطل برأسها بين الحين و الاخر، إلى أفق جديد يتشكل من جزأين.
في مرحلة أولى: التوقف عن الاكتفاء بممارسة “المسرح الجامعي” الراهن، هذا التوقف ليس مجرد قرار إرادوي و إن كان اقتدارا معرفيا و إيتيقيا (عندما نقول إيتيقي هنا لأن الأمر سيتعلق في مرحلة أولى بالاستثنائات التي أفرزتها البنية)، بل هو أيضا تضحية في حدود معينة بامتيازات الحاضر المسرحي من أجل امتيازات أفق “المعيش الجامعي”.
هذا المعيش الجامعي الإيتيقي الذي نسعى لطرح بوادره الأولى، هو تلك القدرة على تحقيق هدفين رئيسين يمكناننا من تأسيس هذا البيت من جديد
فمن ناحية هو يؤسس لضدية تعقيدية تقطع مع التصور الفوردي للإختصاصات الجامعية، فلا يمكن بأي حال، و في حدود ما يمكن أن نعاينه، أن تستمر عمليات العزل المعلوماتية و المعرفية التي تؤسس لها سردية التخصص، و إن كنا هنا نطرح المسألة من ناحية تصور مؤسساتي للتعقيد، بحيث تبدأ عملية التشبيك بين الاختصاصات بطريقة تصاعدية، مما يطرح عملية توحيد الاستراتيجية البحثية للعقل الجامعي، هذا التوحيد الذي نطرحه يتجسد عبر طرح إيتيقا الاشتراك و المشاركة بدلا عن صنمية تقني المعرفة و بدلا عن نظام نجاح أو فشل فرد بعينه، هنا بالذات تمنحنا إيتيقا الاشتراك في المعيش الجامعي نجاحا جماعيا أو فشلا جماعيا، لسنا أفرادا في سباق مع بعضنا البعض وإنما جماعة بحثية تسابق عجزها و تخلفها و تؤسس لخروج إستثنائي من مأزق بنيوي، إضافة إلي تحصيل تعقيدا معرفيا مؤسستيا ينعكس مع الوقت في الأغلبية الكمية لأفراد المؤسسة.
الهدف الثاني الذي يمكن أن يحققه هذا المعيش الإيتيقي الذي نطرح إرهاصاته الأولى يتمثل في التأسيس لسياق جديد للبنية الجامعية من الناحية السياسية، نطرح هنا السياسة في ضربين من فضاءات الحركة، هذه السياسة الجامعية لها جذرها المتعلق بتأصيل و أصالة المحلي و تكثيف انتمائه للفضاء المادي و المعنوي لسرديته بإشكالياتها وخصوصيتها وجذرها الثاني المتعلق بتأسيس الإنتماء للفضاء الامبراطوري المضاد حيث تستطيع البنية الجديدة للمعيش الجامعي اختراع الجمهور الجامعي بماهو فرادة و تفرد داخل شراكة المعيش المعرفي وأصالة تكثيف و توليد المعاني، هذا الجمهور الجامعي هو القطيعة الانطلوجية مع الشعب الجامعي الذي تنتجه البنية الحالية.
أن نعيد إختراع جامعاتنا اليوم، هو بالأساس أن نعيد إختراع الإمكان النظري و العملي لتدرب على الإنتماء إلى أفق المقاومة الحيوية، هذي المقاومة هي إعادة إختراع لنمط جديد من العلاقات مع التقنية و مع الزمن و مع مصائرنا،حيث لا يمكن بأي حال اليوم أن نكتفي بالمواصلة في إعتبار الأمور بخير مادام الجميع قادرا على التواطئ مع الكائن، هذا التواطئ المسرحي يخفي سراديب من البارود القيمي الذي لا يؤسس إلا لضربٍ من مواصلة العيش في الزمن الدائري، هذا الزمن الدائري حيث لا امس مضى و لا غد سيأتي و لا حاضرا يفصل و يصل بينهما..نحن نعيش الأبدية منذ زمن بعيد، ربما هي أبدية على شاكلة “إنتظار غودو” الذي سيأتي فقط عندما نكف عن إنتظاره ونمضي لغدنا واثقين بصدق الخيال و معجزة العشب.
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: