من أين تأتي القصيدةُ ؟شعريّة الذّاكرة و الانكسار

img

قراءة في ديوان “سلامٌ يا وطني ” للشاعر نور الدّين الصّولي

بقلم : عبد الرزاق السومري 

صدر للشاعر نور الدين الصولي سنة 2018 ديوانٌ بعنوان “سلامٌ يا وطني ” و قد سبقهُ ديوانٌ آخرُ سنة 2012 بعنوان “أنشودةُ الحرفِ” و بين العمليْن مسافةٌ في الزّمان و في تبدّل الأحوال . و كمن يستفيقُ من نشوةِ الحُلم على رُعب الحقيقة يخرجُ الكلامُ الشعريُّ من طور النّشيد (في ديوانه الأوّل) إلى طور الإنشاد الجنائزي (سلامٌ يا وطني )يطفحُ قتامةً و سوادًا فإذا الحلمُ كابوسٌ و إذا الحرفُ المحتفى به يوماً ما من سنة 2011 غدا “جُرحاً سكن فيه الألم” في زمن الخيانات و الخيبات .
لذلك و نحن نقرأ الدّيوان الأخير ارتأينا أن يكون العنوان الرئيسي مستوحىً من قصيدة للشاعر العراقي عدنان الصائغ يقول فيها :

وأحتارُ..
كيفَ تجيءُ القصيده؟
وتَضْرِبُ – كالموجِ – شطآنَ قلبي
… بلا موعدٍ
و بنفس الحيرة أيضاً يخامرنا السؤال : كيف تولّدت القصيدةُ لدى شاعرِنا؟ و هل بإمكاننا أن نقبض على بعض منابتها و نستجليَ شيئا من مداراتها ؟
إنّ الرّاصد لمتن الدّيوان المُتكوّن من إهداءٍ و ستَّ عشرةَ قصيدةً ليُلفي توزّعا إلى ثلاثة مدارات كبرى على الأقلّ : مدار الذّات المنكسرة و مدار الوطن الجريح و مدار العشق المتبقّي . و إذ ما اعتبرنا وجع الذّات من عذابات الوطن فهل يمكن أن نضع الدّيوان ضمن سلسلة من نصوص أخرى برزت بعد ثورة الحرية و الكرامة و توشّحت بالسّواد و الانكسار ؟ هل هي قصائد الخيبة و الانهيار إذا ما استثنينا قصيدتيْن يتيمتيْن في العشق و الغزل ؟
و مهما بلغ الشّعرُ من ترميزٍ و تخييلٍ فإنّ القصيدة و الكتابة عامّة تظلّ تُوقّعُ صوت عصرها إيماءً أو تصريحاً و شفّاً أو مخاتلةً . و قد يُعيدُ السياقُ نفسه إمّا في شكل مهزلةٍ أو في شكل مأساة كما يُقال و نحن نستقرئ التّاريخ : ألمْ يكتب نجيب محفوظ “ثرثرة فوق النيل” بعد سبع سنوات من ثورة 1952 ؟ و نشر السياب ديوانه بعد سنوات مما يُسمى بثورة نوري السعيد ؟
أليس قدرُ الكتابة أن تظلّ مُلاحقةً للخيبة و الذّكريات ؟ ألمْ يقل درويش يوما : “ما نفعُ القصيدة في الظّهيرة و الظّلال ؟ ”
و نحن نتصفّح الدّيوان تستوقفنا صورة الغلاف كعتبة نصّية أوليّة تختزل أجواء المتن و تؤسّس لعَقد قرائيّ بين الشاعر و المتلقّي : صورة ليست من صنف التشكيل بل قائمة على فنيّة المحاكاة بشيء من الإيحاء أي هي تمثّل للعالم في شكله المختزل Le monde miniaturisé صورة موشّحة بالسّواد و مباني تطلّ في شكل منظوريّ و تبدو كالمحترقة إن لم نقل متفحّمة و هياكل آدميّة كالأشباح تنعكس ظلالها على الماء و لا يبرز من ملامحها شيءٌ و بقعةٌ من الضّوء تُطلّ من عمق الصّورة و لكنّه ضوءٌ رماديّ فاترٌ يحجبه الدّخان  و بين الأفق المُعتّم و خلفيّة الصورة القاتمة ينتصبُ العنوانُ في الوسط و قد اختار له الشّاعرُ جملة اسميّة نصّها “سلامٌ يا وطني ” و قد حُجب الخبر من الجملة الاسمية فلا ندري كيف نقدّرُ المحذوف من الجملة هل هو سلامٌ عليك أم إليك أم لك ؟ و لا كيف نتأوّلُ دلالة السّلام هل هو سلام التحيّة و التّرحيب بالوطن الجديد أو هو سلام الوداع و الغياب لوطنٍ ينزف ؟ و بين هذا و ذاك يظلّ العنوانُ راسماً لأفق انتظار لا تفكّ ألغازَه سوى النّصوص . فالعنوان كعتبة نصيّة أوليّة يظلّ مُوجّها لذائقة المتلقّي و انتظاراته الجماليّة فيضطلع بقوّة قوليّة دافعة إلى الحيرة و السّؤال إذْ ما نلبثُ أن نضع الرسالة الأيقونية للصورة مع الرسالة اللسانيّة للعنوان في سياقيهما من النصّ و التاريخ فيحضر السؤال بامتياز و نحن نستنطق الأصداء التي تبعث بها إلينا قبل أن نفتح الديوان : هل هي رسالة الـــــــــتيه و الضياع لثورة ما تزال ملامحها غائمة مجهولة المصير من خلال الأفق الغائم في الصورة و الضّوء الّذي يحجبه الدّخان ؟ هل يكون الشاعر و قد تناثر من حلمه الأمل أم تراه الرسام و قد خبت في روحه الآمال أم نحن معشر الناس و القراء و قد ضاعت بوصلتنا في خضمّ الخيبــــــــــــات و الانكسارات . تلك هي الصورة ترشح حزنا و سوادًا و كأنّها تستبق النصوص التي ستأتي .
مدار الذّات المنكسرة
هذا المدار تُجليه نصوصٌ تتعلّق بمسيرة الشّاعر في الحياة و ذكرياته و أشيائه الحميميّة أو لنقل تغريبتَه في الحياة و الوجود فنقرأ “شجون السّندباد” و “الجرح” و “أنت هو أنت” و الّتي أهداها إلى المناضل الراحل عادل العرفاوي “الّذي رأى الثورة بعيوننا” كما يقول و “مثقّف أرهقه الصّمت” و “يا نجم الشّمال” و “إلى مدرّس متقاعد” مهداة إلى صديق الشاعر الراحل “محمد العيّادي” و قصيدتيْن “ترنيمة الصّبا” و “أهزوجة العشق” واحدة مهداة إلى فنان وهو الشيخ إمام و أخرى إلى شاعر وهو أمل دنقل .
و لئن تعلّق هذا المدار بما يمكن تسميته تغريبة الشاعر الذاتيّة و ما تستدعيه من ذكريات الشاعر و عذاباته فإنّها لا تخلو من نفحات وجوديّة نرصد بعض ملامحها مثلا في قصيدة “شجون السّندباد” في مفتتح الدّيوان قائلا :
أنشوانُ أنا
بلا خمرٍ و لا عنبِ
و ظلام الليل أدركني ؟
أسكرانُ أنا
برحيق السّفر
أم برضاب بحر
أعياه عناد الرّيح
و المحن ؟

و إذا ما بدا السّؤالُ هنا مُشاكلاً للمألوف و العاديّ في حكم القراءة السطحيّة البسيطة فإنّه لا يخلو من بُعدٍ وجوديّ بامتياز إذْ ما نلبثُ أن ندرك من خلال بعض الومضات كـ “عناد الرّيح” و “المحن” و “ظلام الليل ” كيف تغدو رحلة السّندباد في القصيدة مجرّد سفر في الزّمان برياحه و محنه و رحيق لذائذه أيضا و لا نستفيق من نشوته إلاّ و قد أدركنا الليلُ بظلامه و نحن في خريف العمر . هذا التقاطع بين الذّاتي و الوجودي يُعدّ في رأينا إحدى سمات الشعريّة و به يتخلّص النصّ من كونه مجرّد استعادة فجّة لسيرة الشاعر في الواقع . فسؤال الوجود يبرز في كثير من القصائد من خلال استدعاء الذّاكرة للأصدقاء الذين رحلوا (عادل عرفاوي ، محمد العيادي) و تتّسع الدائرة لتشمل الوجع الكونيّ الأكبر في مساءلة الموت و الزّمن فيقول :
للرّيح هذا المساء
طعمُ الصَّبا
و طعم الحنين
و ارتعاش الصّدى
اللاّهث من وراء السّنين
و حينما يمنح الشاعر للرّيح مذاقاً في طعم مقام الصّبا وهو من المقامات الموسيقية العربية الحزينة ثمّ يتّسعُ الإسقاط النفسي فتغدو الريح مبعثاً للشوق و الحنين و ما الصّدى في المقطع المذكور غير ترجيعٍ لأصواتٍ تُطلّ من كوّة الماضي و زمن البدايات ، زمن الحبّ و أيّام الحلم و النّضال .
غير أنّ الصّدى يُعاودنا مرّة أخرى في قصيدة “مثقف أرهقه الصّمت” و لكن بدلالات أخرى تبدو أقرب إلى معنى اليأس و الإحساس بالانكسار ، إحساسٌ ولّده الضيق بحاضر تُلجمُ فيه الأفواه لاسيما و أنّ القصيدة قد كتبت سنة 2002 بإمضاء “شعراء على الرصيف” . فنرى كيف تطفو نبرة غنائيّة شبيهة برثاء الذات ، ذات الشّاعر المثقف و غدا “يلتحف السّكون” و “طواه ثلج السّراب” و قد شارف الانكسار في أفق مسدود فغدا القلبُ بارداً و الحلمُ بعيداً كالسّراب . و إذا ما وصلنا القصيدة بسياقها الأصلي أفلا يكون هذا الصوت قد اختلج يوما ما في كلّ منّا لمّا ساد الاستبداد بكلاكله على الجميع ؟ و لكن أيضا ها نحن نقرأ القَصيدة في سياقٍ جديد بعد سبعة عشر سنة من تاريخ تأليفها فنكتشف أنّ صورة “المثقّف الذي أرهقه الصّمت” تتجدّد و لكن هذه المرّة ليس ضيقاً بالقمع و التّجييش و إنّما بالغُبن و التّهميش و ها هو الصّوت يعاودنا و كأنّه يقول على لسان شاعرنا الراحل الطاهر الهمامي :
ألمْ يحك المنجّمُ عن زمانٍ بلا عدّ مهازله “حرامي”
يُحالُ على العَطالة عاقلوه و يُرفعُ للبهائم في المقام؟
مدار الوطن الجريح
لابدّ من الإشارة أوّلا أنّ ضمن هذا المدار تنضوي القصيدة الأمّ “سلامٌ يا وطني “و التي سُمّي الديوان بعنوانها كما نرصدُ تراجعاً في لغة الشاعر من حيثُ درجة التّرميز و التّخييل و التّكثيف فيتحوّل الكلام الشعريّ إلى نوع من الخطاب المُباشر ، خطابٌ فرضه هاجس القضيّة و صدق العاطفة و همّ الالتزام فلا ننسى أنّ الشاعر نور الدين الصولي قد اضطلع في جزء كبير من مسيرته الحياتية وفي أحلك الفترات بالدفاع عن حقوق الإنسان و خاصة مطلب حرية التّعبير كما لا ننسى أيضا أنّه عاش تقريبا أهمّ الأحداث و التّقلبات السياسيّة و هو اليوم يقف على تخوم ثورة لم تكتمل و لا تزال ملامح آفاقها غائمة في طيّ المجهول .
تنبني القصيدة بكاملها على سؤال جوهريّ يرشحُ بألمٍ و حيرةٍ حارقة فيقول : “من أكون يا وطني حتّى أجمّع صدى الذاكرة ” ثمّ يتكرّر السؤال في شكل لازمة تحضر و تغيب و لا نكاد نقبض على شيء من الدلالات في جوهر السؤال و الحيرة : هل هو سؤال عن الذات و الماهية بمعنى من أنا في هذا الوطن؟ و أيّ معنى لوجودي وسط اللاعبين الجدد من “المتأمركين و المتأوربين و المتسوعدين و المتقوطرين و المتطبعين؟ ” أم هو سؤال عن مصير “وطن ضائع قد يعود” و قد لا يعود . بنبرة غاضبة ساخطة يدفع الشاعر بالسؤال تلو السؤال بشكل تصاعديّ يصل حدّ الدّعاء المغلّف بالوعيد إذْ يقول : “فكن يا وطني عليهم مُرّاً … مرارة الحنظل ” .
فالالتزام بالموقف و مناصرة المبدأ في هذه القصيدة على حساب بعض الجوانب الجماليّة دفع باللغة إلى التّحلّل نسبيّا من الاستعارات و شتّى أشكال التّرميز لتتحوّل إلى نوع من الخطاب المباشر يلتقط اليوميّ من لغة الساسة و رجال الإعلام فيقول الشاعر و قد أُخذ بالقضيّة دون الشّعر :
و هناك دماء الشّهداء
مازالت مُنتفضة
رغم مساحيق الحوارات
و الشّعارات الزائفة

و في نهاية القصيدة تخفتُ النبرة السّاخطة في الخطاب الشعريّ لتحلّ محلّها نبرة التّحضيض و استنهاض الهمم لثورة أخرى مستكنّة في الأفق فيقول :
فانهضْ يا وطني
و أشعل قبساً ثانياً
من نارك الآدميّة

فهل فرض نُبل القضيّة و مُتطلبات الالتزام إيثار لغة التّحفيز و التّحريض على لغة الإيهام و الغموض؟
مدار العشق المتبقّي
نرصدُ ضمن هذا المدار الثالث بعض المكوّنات الجماليّة المختلفة و أهمّها ظاهرة التّخييل والتّضخيم في تشكيل الصّورة بصريّاً كصورة الإبحار في العينيْن و غرق العاشق و تكسّر أشرعته في بحر المقلتيْن وهي لئن أضحت من القوالب الاستعارية المألوفة في كثير من التجارب فإنّها لا تزال محافظة على وهجها الجمالي و الفنّي . يقول الشاعر :
أغمضي عينيك
و احبسي البحرَ
في مقلتيْك
ثمّ احمليني غريقاً
على راحتيْك

فتشبيه العين بالبحر زرقةً و صفاءً و سحراً و تصويرُ العشق كالإبحار تمثيلا للمعاناة و ركوب المخاطر ساهم بدرجة أو بأخرى في توسيع طاقة التّخييل و تخليص اللغة من عقال المستهلك و المألوف و إذا ما عقدنا بين قصائد الغزل ضمن هذا القسم و مضامين المداريْن الأوّليْن فإنّ الأمر يبعثُ على التساؤل : هل يحتفي الشاعر في بعض قصائده الغزليّة بامرأة ذاتِ كيان و ملامح مخصوصة أم بالمرأة النّموذج كقيمة جماليّة و رمزيّة ؟ أليست المرأة أيضاً هي الملاذُ و نقطة الضّوء المتّبقية في خضمّ عذابات الذات و بكاء الوطن الجريح ؟
هكذا بدا لنا ديوان “سلامٌ يا وطني ” تتجاذبه أقطابٌ ثلاثةٌ و الشاعر واقفٌ في مهبّ رَحَاها يستذكرُ ماضٍ بعيد و يضيق بحاضرٍ مُترجرجٍ و يرنو إلى مستقبلٍ غائمٍ ، فيبدو لنا حالةَ قلقٍ مستمرّ و لقد قالو ا قديماً أنّ المتنبّي قد لخّص تجربة الشعر العربي في نصف بيت فقط : “على قلق كأنّ الريح تحتي” و ما علينا اليوم سوى أن نواصل هذا القلق ….

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: