من أجل ماذا تقاتل ؟ لا تستسلم أبدا !!

img
بقلم : محمد عطية 
مايك تايسون أسطورة الملاكمة الذي أصبح بطل الوزن الثقيل بلا منازع في العالم سنة 1987 قال ذات مرة ” عندما اقاتل شخص ما فانني أريد ان أكسر ارادته أريد ان آخذ رجولته أريد أن أكسر قلبه و أريه اياه ” هذه الطبيعة العدوانية و الشراسة التي عُرف بها الملاكم الأمريكي جعلت منه خصما صعب المنال و رجلا يخشى الجميع الوقوف بالزاوية المقابلة له في الحلبة ، خاض مايكل ما يقارب ال58 مباراة طوال مسيرته ، فاز منها ب50 انهى 44 مباراة منهم بالضربة القاضية بأرقام كهذه تمكن تايسون من كسب قلوب عشاق هذه الرياضة و تخليد اسمه كأسطورة للملاكمة لكن أعتقد و هذا مجرد اعتقاد أن هناك مباراة واحدة لن ينساها تايزون ، تلك المباراة التي خاضها و وضع لقبه العالمي للوزن الثقيل على المحك ، تلك المباراة التي واجه فيها باستر دوغلاس مواطنه صاحب العزيمة الحديدية .
في الحادي عشر من فبراير سنة 1990 بمدينة طوكيو إلتقى باستر دوغلاس و مايكل تايزون في تلك المباراة التاريخية كان الرهان لقب العالم في الوزن الثقيل , مايكل كان في أوج عطائه و لا يختلف اثنان على أنه افضل ملاكم في تلك الحقبة اما باستر فقد بدأ تقدمه بالعمر ينال من سرعته و قوته لكن هذا لم يمنعه من تقديم آداء اسطوري
انها أفضل مباراة ملاكمة في التاريخ فما حدث لم يحدث قبلها و لا من بعدها , كانت النتيجة متعادلة تقريبا لكن الجميع كان شبه واثق من فوز البطل الذي لا يهزم ربما بالضربة القاضية كما هي العادة .. و لم يكن تايزون ليخيب أمل جمهوره الذي هتف له بحرارة منذ بداية المباراة فقد كان باستر يقاتل ببسالة حتى الجولة الثامنة مما جعل البطل يشعر بالاحراج فوجه له لكمة يمينية مباغتة طرحته ارضا , بدأ الحكم العد العكسي و إعتقد الجميع انها نهاية المباراة اذ لم يسبق لأحد ان سقط امام مايكل و نهض من جديد . كان الحكم يقول سبعة .. ثمانية .. باستر يترنح و يتحامل من أجل النهوض , وقف على قدميه في لحظة سيخلدها التاريخ .. ذهل الجميع حتى البطل لم يستطع اخفاء ملامح صدمته لكنه ربما قال لنفسه حينها لقد نلت منه لن يتمكن من المتابعة حتى لعشر ثوان أخرى ، انها القاضية لا محالة .. لكن كان للجرس رأي أخر و على دوغلاس ان يكون ممتنا للحظ الذي انقذه هذه المرة فقد انتهت الجولة بمجرد وقوف باستر على قدميه ..
ذهب كل الى زاويته , البطل لا يشك بأنه قد حقق الفوز و أن الأمر سينتهي في الجولة القادمة لا محالة , دوغلاس لا أحد يعلم ما يجول بخاطره في تلك اللحظات هو ربما استسلم و أدرك أنه لن يتمكن من الفوز او لعله الى الأن لم يصدق الأعجوبة التي نجا بها , أما العالم فقد تحدث عن البطل الذي لا يقهر ، تايزون الذي لا يهزم .. حُسم الأمر بالنسبة لهم سيسحق بطلهم هذا الملاكم الهزيل إلا انه قدم مباراة جيدة حتى الأن و يستحق الاحترام من أجل هذا , و هذا ما حدث فعلا قاتل مايكل و كأنه واثق من فوزه لكن خصمه كان شخصا لا يمكن توقعه أو بالاحرى له قوة احتمال و رغبة في مواصلة القتال لم يتخيل أحد أنها بهذه العظمة , توتر تايزون و قد كان هذا جليا في ضرباته و تحركاته هو متأكد من ان المباراة حُسمت لصالحه لكن دوغلاس راوغه ، دافع بشكل جيد و هاجم بكل ما لديه .. وصل الاثنان الجولة الأخيرة و الجميع يرجح كفة البطل الذي ظهر بعزيمة و شراسة كبيرتين, انتهت الدقيقة اللاولى بنتيجة غير متوقعة لقد هيمن باستر على مايك تماما و ها هو يوجه سلسلة من اللكمات القوية طرحت الملاكم الذي يقهر أرضا و سجل العالم أول خسارة لمايكل تايزون أفضل ملاكم في التاريخ .
كتبت الصحف في اليوم التالي ” الضربة القاضية التي لم تُحتسب ” و علق البعض الأخر ” اضطراب تايزون.. سقوط جالوت ” استحوذت الصدمة على الكل لكن صحفيا ما توجه الى دوغلاس و سأله ” كيف تمكنت من هزيمة مايكل تايزون ؟ كيف تمكنت من العودة الى القتال عندما اعتقد الجميع أن الأمر انتهى ؟ كيف نجوت ؟ ” سؤال منطقي للغاية و السؤال الوحيد الذي تستطيع أن تطرحه على البطل الجديد , أجابه دوغلاس بكل ثقة : لقد أخبرت أمي كل من حولها انني سأهزم مايكل تايزون و اصبح بطل العالم و قبل المواجهة بأيام توفيت والدتي , كان علي الاختيار بين أن أخسر و أموت مع أمي او أن أفوز و أعيش من أجلها .
هكذا أجاب باستر بكل بساطة و هذا السر الذي يقف وراء فوزه التاريخي على تايزون و هو في أوج عطائه ,لقد كان لديه سبب يقاتل من أجله , سبب كان أقوى من كل اللكمات التي تلقاها و الهتافات التي سمعها , سبب كان مستعد للموت من أجله . و ما أريد ان اقوله هنا هو أن حياتنا هي مباراة كهذه .. ان لم يكن السبب الذي نعيش من أجله أكبر و أقوى من كل الضربات التي نتلقاها فسوف نقع كل يوم و نفشل في تحقيق أحلامنا , لأنه اذا لم يكن لك سبب تستيقظ من أجله كل صباح , تتعب من أجله ليلا نهارا بدون ملل أو تذمر , تقدم أفضل ما لديك و ترفض التوقف او الاستسلام لأن هذا السبب يعني لك أكثر مما قد يعتقده كل من حولك . من وجهة نظري الفرق الوحيد بين شخصين في هذه الحياة هو السؤال ” لماذا القتال ؟” , السبب الذي يدفعنا لمواصلة المعركة حتى النهاية , السبب الذي يدفعنا لتلقي الضربات و مواصلة القتال الى النهاية , هذا هو مصدر قوتنا الحقيقية فأي كان ما تقاتل من أجله في هذه الحياة فإن قوتك و حجم التضحيات التي ستقدمها يرتبط بحجم رغبتك في تحقيق هذا الشئ , لهذا تبدأ حياتك الحق عندما تبلغ اليوم الذي تدرك فيه لماذا تريد مواصلة هذه الحياة لماذا تريد المضي قدما متجاوز كل ما يعترضك حتى عندما تبلغ ما بلغه باستر عندما وقع ارضا و إعتقد العالم كله انه انتهى لكنه نهض من جديد لأنه الوحيد الذي كان يدرك لماذا هو هنا و لماذا عليه ان لا يخسر و لا تعتقدوا أبدا أن الحظ هو ما أنقذه فالحظ يكون حليفنا عندما نلعب بطريقة جيدة و قد قدم دوغلاس مباراة للتاريخ.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.