منصف هوايدي : من خفايا عركة الهندي

img

منصف هوايدي : من خفايا عركة الهندي

بعد ثمانية أشهر من “حادثة الميناء “أو “عركة الهندي “نحب نحكي على جميع الحيثيات باش كل واحد ياخذ حقه ..وبرشا زادة يعرفو وتعرف الناس حجمهم …دون الخوض في النوايا …إنما هي حقائق يعرفها الرفاق المقربين ومن حق رفاقي “الافتراضيين “باش يعرفوها :
كنت أحب كثيرا أن أرى طبرقة تنتفض ..مثلها مثل باقي جهات من الجمهورية لها تقاليدها النضالية الراسخة …والذي شد من عزمنا أنا ورفاقي هو معرفتنا الدقيقة بأن أغلب متساكني طبرقة لهم من السخط والغضب على ضروف حياتهم ما يجعل إمكانية تفجير حركة احتجاجية كبيرة تؤسس لمعارك حقيقية بعناوينها الكبرى :الثروة وحقنا الطبيعي فيها ….لأجل هذا عملنا ليلا نهارا ولمدة ثلاثة سنوات من أجل الحشد والتحريض وبناء قاعدة شعبية ومن ثم تحويلها إلى حالة غضب دائمة ..ساخطة على مرتزقة النظام وعصابات النهب الموجودة بطبرقة ..وكان مقر هذه الحركة “عربة تجوب الشوارع “..كانت التجربة جميلة وعظيمة ببساطتها حيث تمكنا من تجميع الكثير حول شعار مركزي “طبرقة لنا ونحن لها ” ومنذ الأول كان التركيز على الفئة المسحوقة ممثلة رأسا في (النادل و الطباخ ،عامل التنظيف والبائع المتجول ) مستمدين هذا التوجه من خصوصية مدينة طبرقة حيث يتحول أبناء المنطقة إلى خدم لاسعاد السياح دون أن يظفر أحدهم ولو بشراء سروالا وحذاء …وبذلك يكون استقطابهم وتسليحهم بوعي ثوري أمر بسيط لا يستوجب سوى صدقنا في ما نمضي إليه …ثم أنه وعمليا حين تضرب هذه الشريحة عن العمل بيوم تكون حينها طبرقة قد دخلت في شبه “عصيان مدني ” لأن طبرقة في نظر الجميع “بيتزا ودبوزة ماء باردة وقعدة على البرط “…كان التحضير ليوم 11سبتمبر حيث كان مبرمجا بدقة ..لأنه يمثل نهاية الموسم السياحي بطبرقة “آخر و يكاند ” وإلى حدود 4سبتمبر كانت كل الأمور تسير في الاتجاه الذي رسمناه ..بحيث كان مقررا أن يتولى كل رفيق مهمة وأن تتحول ليلة 11سبتمبر كل شوارع وانهج طبرقة إلى منابر خطابية يتم فيها فضح اللصوص الجاثمين على حلمنا بأن تكون مدينتنا حضنا لكل أبنائها …الذين كتبت عليهم إما الغربة /المرمة /الحبس ..كل الرفاق جندوا أنفسهم لهذا اليوم ..كان مقررا ان لا يترك جدارا واحدا ليلة 10سبتمبر إلا وطبع عليه موعدنا …لكن ما الذي حدث ؟..أو كما قال لي يوما رفيقي :ما الذي حدث يا رفيقي كي لا يحدث ما كان لا بد له أن يحدث ؟

…..قبل ليلة ايقافي بخمسة ايام اكتشفنا وأن البوليس قد تسرب له البعض مما كنا نخطط له …ما كانش عندنا هامش زمني لا لتغير التكتيك ولا للمناورة ..ولهنا لعب الخصم لعبته واتجه نحو جري لقضية حق عام بعناوينها الممجوجة …وبدأ الترهيب …أسبوع قبل ايقافي /يطيشولي سلعتي “هندي “في حاوية البلدية /بعدها بليلة يتم خلع منزلي /وبعدها بليلة تأتي سياسة الجزرة :خذ ما تريد …وبعدها بليلة يكون ايقافي …وحملة شبكات التواصل الاجتماعي …لكن قبل هذا ما الذي حدث ليلتها بالميناء …البرط :ليلتها كنا قد قررنا عدم التراجع عن موعد 11سبتمر “قبلها بمدة نتناقشوا على رمزية التاريخ قال لي رفيق :ومتى كان للحي الموت تاريخ ؟” وقتها البوليس وصله انو منصف باش يعمل اجتماع شعبي في البرط يشهر بيه بالمستولين على الرصيف من أصحاب المحلات …بمعنى وصله شطر الحقيقة …لانو حسب برنامجها ليلتها سيتولى رفيقا آخر التواجد بالميناء وأكون أنا بشارع آخر في إطار خلط أوراقهم وبعثرت حسابات قواديهم …وليلتها أيضا كان الرفاق موزعين بالنزل لوضع خطة مع عمال النزل حيث يكون الإضراب دون تجويع الزائر “معناها يكفي باش يسربي قطعة خبز وكأس حليب كوجبة فطور الصباح “…#لسنا عناوين جوع /…قبلها كنت قد نزلت مقطع فيديو أعلن فيه بداية معركتي …فتم مشاركة الفيديو ..أولا من وجوها إعلامية يجمعنا بها مرجعية فكرية نعتز بها جميعا …وأقصد هنا تحديدا الرفيق نجيب البكوشي ..هذا الرجل الذي كان معي قبل ايقافي …من بعدها الفيديو عمل أكثر من 73000مشاهدة …حينها ارتبكت العصابة وكانت إدارتها للمعركة سخيفة …لأنها جميعا متورطة ..رئيس بلدية ..قيادة أمنية ..وأربعة جراثيم لهم المال ..كلهم ضد منصف ورفاقه ..ما اربكهم هو كيف تمكنوا بتوسيع دائرة الصراع وبالاحرى كيف يكون لصاحب عربة الهندي “على وجه الكراء “هذا الكم من حب رفاقه الموزعين على سطح هذه الأرض ؟…هنا كان لا بد من الإيقاف او فلنقل الاختطاف ……أولا ..منذ البداية كان تنزيل الخبر خاطئا ..حيث أن الترويج لانو بوليس حب ياكل الهندي بلاش لا اساس لها من الصحة …لأن حتى القطط بالميناء تعرف أن لا بوليس في طبرقة لا يعرف حينها أنه قد قرر ايقافي ليلتها …حيث افتعل صاحب مركب سياحي مشكلة تكون فاتحة لدخولي مع أعوان الأمن في مشادة …في مسرحية سمجة ..في البداية وأمام كم العنف …

بعد المشادة وبعد رشي بالغاز …لم يكن لي الوقت الكافي باش نلتقي -رفاق طبرقة -كل ما كان علي وقتها هو إدارة المعركة بما يمليه واقع اللحظة والتكيف مع مجرياتها …ما كنتش وقتها عندي القدرة على فتح عيني …تحت تأثير الغاز …لكن ما لا أنساه ما حييت …هو كيف كون أهل طبرقة من بحارة وتجار متجولين حزاما حولي …ومنعوا تعزيزا أمنيا شاركت فيه أكثر من أربع فرق ….شرطة /أمن سياحي /بوب /حرس بحري …حينها لم تكن لأحد من هؤلاء القدرة حتى على الكلام أمام إصرار الحاضرين على أنه لن يتم لمسي إلا على جثثهم …فكان الدرس الأول الذي أدمع عيني أكثر حتى من الغاز المشل للحركة وهو أنه حين تثق بك الناس يمكن حينها فقط أن تناطح الصخر …كنت حينها الوحيد الذي كان عليه قراءة اللحظة ومن ثم التصرف …وكان خيارين لا بد أن أتخذ أحدهما ..إما الدفع للمواجهة والاشتباك وإما الذهاب لمركز “الجعالة ” بارادتي وتجنيب طبرقة ليلة سوداء …لانو متأكد وأن برشا باش يمشو ضحية ..وخاصة عملة المركب السياحي الذين كانو حينها في صفي بحكم واني استطعت بحكم قرب “البرويطة للمركب الضخم “من التأثير فيهم …وهم طلبة ومتخرجين من اختصاصات مختلفة …كنت أعلم أنه سيتم تحطيم مستقبل الكثير من هؤلاء الشجعان الذين وقفوا إلي جانب بائع السجائر وبائع الفطائر وبائع الياسمين “11سنة “والبحار والنادل وبعض الزوار …فاتخذت حينها قرار خطوة إلى الوراء ..كان لا بد من اتخاذها …بعد وصولي لحجرة الإيقاف …لم أبقى كثيرا لأسمع أصوات” أبناء طبرقة تطوق المركز …منادية بالظلم …فكانت أجمل اللحظات التي عشتها حين سمعت بائع الياسمين “11سنة “يناديني …”منصف حبيبي “…ليلتها كنت متعبا جدا …أسبوع قبل الإيقاف لم اظفر منه بخمسة ساعات نوم …نمت على صدى أصوات الغضب بشارع مدينة حبها بقلبي كحب صغيرتي تماضر وربما أكثر ….

منذ الصباح فهمت وقتها وانو المسألة لم تعد تحت سيطرتهم …لان البوليس تبدلت طريقة معاملته ..بمعنى يومها ومنذ ان اصر الرفيق ن .هوايدي على لقائي وسمح له الاعوان بذلك فهمت ان الامور قد اخذت مجراها ..ليعلمني ان الرفاق قد قادوا حملة “فايسبوكية “قد بدأت تتصاعد ساعة بعد اخرى ..وكان الرفاق بتونس العاصمة حينها قد جندوا كل طاقاتهم …اضافة الى حملة قوية كان قد قادها الصديق اسامة …وقتها ولمزيد قراءة ما يحدث بالخارج اصريت على طلب تسخير طبي ..ليتسنى لي عند الخروج فهم ما يدور …بالمستشفى لم اكلف نفسي عناء التحليل كي افهم ان حتى الطبيب يعلم بالحادثة من خلال معاملة لم نعهدها بمدن الحيف والغبار …ثم بعد العودة للايقاف كان محضر البحث …منذ البداية دخل معايا العون البحاث بلعبة “التمويه “وغناية ان الامن سلطة تنفيذية لا علاقة لها بالقضاء …فقلت له اكتب ماشئت ..المهم ضع بمحضرك ان معركتي رأسا مع المعتمد ورئيس البلدية ومدير الاقليم …ما خالف ذلك فهو أمر لا يعني العنكبوت …الحاصيلو :كتب صفحتين بالتمام والكمال ..مستهلا بحثه باني اب لثلاثة اطفال وانفق على أمي الارملة …”كلام من عندو …امي بالعكس عندها جراية المرحوم ومرات ناخذ من عندها فلوس “…كان ببداية المحضر يزين عبارته بزخرف الكلام كتلميذا يلتمس عددا جيدا بفرض انشاء …الى ان وصلت بالقراءة لهذه الجملة :”وكان ينفق على البعض من اصدقائه الذين يزورونه من مختلف ولايات الجمهورية “…ضحكت بعد قراءة هذا السطر وقلت له :”في بالي البوليس السياسي تحل …وزيد انت باي حق تمنح لنفسك مراقبة من يزورني …واشكون قلك انا ننفق عليهم “…قلت له ان الشيطان يسكن في التفاصيل وشيطان هذه الجملة عاريا ….وعدت لحجرة الايقاف …بأكثر راحة بعد ان عاود رفيقي زيارتي مبتسما ليقول ان كل الصفحات والجدران تحاكي جدارك يا رفيق ….لكن ما اذكره وما حز في نفسي كثيرا ..هو حين سماعي لشرطيين يتهامسان :”المهم يتوقف …كنوصلو ندخلوه للحبس ويحجموله شعره ولحيته ديجا عملنا حاجة “فما كان مني الا ان اضفت وتحجمولي “……..”كنت وقتها بذيئا كبذاءتهم …ولم يكن أحدا قادرا على الوقوف بوجه غضبي وحب رفاقي بالخارج …وكانت يومها القيادات الامنية تحاول جاهدة ان تجد معي صيغة حوار ..الا اني كنت اكتفي بشتمهم في كل مرة ..فقد كنت اثق ان رفاقي سيحسنون ادارة المعركة بعد ان رسمنا بداية الطريق

كي نكون اكثر وضوحا …لانو تو نجم نسمي أسامي …كل ما سبق يعني رفاقي الذين معهم سطرت وخططت على ارض الواقع ننشد واقعا ٱخر يليق بنا كأبناء أجمل مدن الدنيا ..طبرقة الجميلة ….حملة “الفايس بوك “لم تكن بمحض الصدفة …حيث قادها رفاق اعرفهم جيد المعرفة قبل انخراطي واشتراكي في شبكة التواصل الاجتماعي ..وفي مقدمتهم :منير بكوشي وخالد هداجي ومالك زغدودي وطه ساسي وايكاروس وفيصل واسامة ومحمد ذويب وجمال قصودة وغيرهم …المهم عند ما تم نقلي لاقليم جندوبة ..وفي سيارة الشرطة استدرجت عون الامن وعملت طلة على بروفيلي “من الخارج “لافهم جيدا ان كل الامور تذهب حيث اريد ..وكان اول ما وقعت عليه عيني رسالة جميلة من الرائعة “نزيهة رجيبة “..يشرفني ان نتقاسم قهوة يا منصف ان انت اردت “…ليلتها جاء الماء البارد وعلبة سجائر من نوع المارلبورو ..وحتى “الخوخ بوطبقاية “جاني للجيور …ومن الغد ..وكان ذلك يوم احد فتحت المحكمة ابوابها والتقيت مساعد وكيل الجمهورية …وبعد حوار طويل وعريض استقر رأي مساعدة وكيل الجمهورية على اطلاق سراحي يوم الاحد …والحضور في حالة تقديم للمحكمة يوم الاثنين …لم اكلف نفسي عناء التفكير لافهم ان النظام برمته قد ارتبك وان المغزى من اطلاق سراحي هو محاولة امتصاص موجة الغضب ومحاصرة الحملة التي فضحت بؤسهم وهشاشة تكتيكاتهم ..ومن ثم الاستفراد “ببائع الهندي “صبيحة الاثنين …عدت لطبرقة مساء الاحد …لاجد الرفاق قد كتبوا حتى على الطرقات “الحرية لمنصف “…ليلتها اكتفيت بحضور شكلي بالميناء …لأعود لملاقاة رفاقي بالهوايدية لاني اعلم انه سيعاد ايقافي يوم الاثنين ….
الحقيقة الاولى :وقت انا موقوف ..البعض من الرفاق ذهبوا للاتحاد المحلي للشغل …فما كان من نقابييه الا ان قالوا :لا يمكننا أن نتدخل في قضايا “الحق العام “…وهم الذين كانوا يقفون بجانبي اغلب الاحيان بالميناء ..ويثمنون تجربة التعامل الأفقي مع الجماهير ويلوكون بجانبي مقولات ماركس وهيجل ولينين كالبعير …ليلتها اشرت في تدوينة انو العركة ماوفاتش واني انتظر مزيد دعم رفاقي …لاني كنت متأكدا أن اطلاق سراحي يوم الأحد بصفته سابقة قانونية ..يدخل في باب ارتباكهم والتحضير للاستفراد بي …لكن هيهات …فصبيحة الاثنين كان حضور بعض الرفاق وعلى قلته فقد كان حضورا قويا ممثلا في رفاقي المقربين -والتي سمحت لهم الفرصة بالحضور -..

يتيع ….

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: