منصف هوايدي : من خفايا عركة الهندي، الجزء الثاني

img

راجع :منصف هوايدي : من خفايا عركة الهندي، الجزء الأوّل 

يوم الاثنين كانت كل دواليب المحكمة تدور حول كيفية ايقافي ..كان الارتياك واضحا لان نقيب بالمحكمة اعلمني ان قضيتي قد حفظت ..كان حينها الرفاق على قلتهم قد أربكهم وكان بحضور ممثل الرابطة الجميل “بن رمضان “حضورا قويا ..لانو وقع اخلاء المحكمة ..فتمسك هذا الاخير بمرافقتي الى ٱخر لحظة …”من نهار الجمعة قبل نصف نهار …ماكليتش حتى لين جابلي بن رمضان كسكروت نهار الاثنين بعد نصف نهار “…وبكل بساطة غمرني هذا الرجل العظيم بمشاعر الأبوة ..قبل ان يكون بصفته الحقوقية قد استبسل في حقه في التواجد معي يومها …فكان ٱخر من رأيت قبل نقلي الى سجن بلاريجيا …ورغم وجود المحامين الذين كنت اعرف منهم الاستاذ :صلاح الزعايبي ومكالمات هاتفية مع رفاقي الهداجي وطه وايوب عمارة ..الا انه وكما توقعت تم نقلي للسجن ..ولم يكن ذلك الا محطة طبيعية كي تأخذ المعركة شكلا ٱخر ..حيث خرج الرفاق للشارع من مختلف المشارب والتيارات ..فكانت سابقة أخرى وهو ان يجتمع امام المسرح …ايوب والخلوفي وايمن بكوشي وخالد ومنير و عصام السلامي وبوراوي..وحسيب عبيدي .. وكل الوجوه اليسارية “القاعدية “…بمعنى ان شخصي المتواضع قد جعل من الجميع يصيحون بحنجرة واحدة …في مهرجان خطابي خطط له ان يكون بشوارع طبرقة ..فكان بالشارع الكبير ..او كما أسميه “الشارع المغدور “…حين وصولي للسجن كانت معاملة السجانين في غاية اللياقة …”حسيت روحي في سجن من سجون السويد او النرويج “وقتها كان عليا ان ارتاح قليلا ..وان أستغل هذا المعطى لمزيد تحريض المساجين على المعاملات المتعجرفة لمنظومة السجن ..فكان اول مطلب لي هو السماح لي بانتقاء كتاب من مكتبة السجن …فما كان من مدير السجن الا اعطاء تعليماته لكل الاعوان بالسماح لي بكل ما يتيحه لي “القانون “خرجت للمكتبة ..جبت رواية -النهايات -لعبد الرحمان منيف ..ودخلت للحجرة ….كل المساجين حينها قد حبوني بمعاملة فيها من التقدير والاحترام ما يبعث احيانا على الخجل …الدخان والقهاوي ..بل ثمة من تنازل لي عن سريره …كلهم اعجبوا بالمشادات والملاسنة مع بعض الاعوان ورأوا في ذلك انتصارا لكرامتهم المداسة تحت حذاء السجان …ليلتها “طلعت فوق سطل “وقلت ما قلته للمساجين ..وجوهر الخطاب كان حينها :”انو السجن لا يسلب الحرية ..الحرية قيمة يعيش بها الانسان اينما كان ..يكفي ان يقاتل من اجل حقه ومبادئه ..من أجل كرامته

…قلت لكل المساجين بعد ان اقفل أحدهم التلفاز …مهددا “الكابران “..”قواد الشمبري “..بأن يلتزم الصمت ويكتفي بالاستماع قلت لهم :”ان السجون قد شيدت للفقراء …لا احد يتجرأ على اضظرار ولد الوزير وولد صاحب الشركة وولد قيادة امنية انو يعمل تحاليل بيولوجية لاثبات انه يتعاطى مخدر “الزطلة “وحدهم ابناء البناء والدهان وعامل التنظيف من يطبق عليهم القانون …لا احد يمكن له ان يحاسب مدير مستشفى لنهبه وبيعه لدواء المحتاجين ….بمعنى ان هذا النظام لا يطال الا المعدمين امثالنا …قلت لهم ان الطريق الى التخفيف من وطأة السجن هو المطالعة ولا غيرها …فبالمطالعة فقط يمكنكم …مشاركة العباقرة افكارهم …وهي كذلك عمليا طريقة مثلى لتمضية العقوبة …والخروج من السجن بزاد معرفي …ومن حينها ..طلب مني بعض المساجين عناوين لقصص وروايات أنصح بقراءتها ….ومنذ صباح اليوم الموالي …وحين كنا “بالاريا “استبسل بعض المساجين في الدفاع عن حقهم في المطالعة والسماح لهم بمكتبة السجن فما كان من اعوان السجون الا الرضوخ لمطلبهم …وليلتها لم يقض فقط منصف ليلته بصحبة كتاب …بل ان سبع مساجين كانوا يقرؤون لغسان كنفاني وحنا مينه وجبرا ابراهيم وغيرهم من العناوين التي نصحت بها ….ليلتها رضيت عن نفسي ونمت هانئ البال ….لم يذهب يومي ولا ليلتي هكذا هباء 

يوم الاربعاء نزل بالسجن ثلاثة شبان من أبناء طبرقة ..لم يتعرفوا عني بادئ الأمر رغم معرفتهم الجيدة لاني كنت حليق الشعر واللحية ..حتى أن أحدهم قد دخل بهستيريا من الضحك …ثم قال :يمكنك ان تفعل حين خروجك ما تشاء فأنت بهذا الشكل لن يتعرف عليك أحد “ثم قال لي أن لا حديث بمدينة طبرقة الا عن واقعة ايقافك وكل ابناء المدينة بالمقاهي والشواطئ والحانات يتوعدون بيوم أسود ان لم يتم اطلاق سراحك يوم الجمعة …خرجنا لنصطف بساحة السجن بعد منتصف النهار فرأيت إهتمام جميع أعوان السجون بي ..خاصة بعد زيارة الرابطي الهادي بن رمضان ومحامي الرابطة قيس المحسني …حينها قررت أن يكون يوم المحاكمة موعدا للدفع نحو مواجهة وليكن ما يكون ..قدرت حينها ان “بائع الهندي “قد تحول الى حالة شعبية بكل المقاييس ولا بد من التقاط اللحظة وتحويل يوم المحاكمة الى فاتحة معركة طويلة عوض أن تكون اعلان لنهايتها …….وكان يوم الجمعة ،يوم المحاكمة ،بسيارة السجون كنت مع جزائريين اوقفوا بتهمة اجتياز الحدود …تساءلت :كيف لبلد بحجم الجزائر وثروات الجزائر أن يدفع بأب وابنه للتفكير “بالحرقة “عبر تونس ؟..لكن الوقت ليس الوقت للتفكير بمثل هذه المسائل …ما يعنيني هو كيف سأدفع السجان حين وصولي أمام المحكمة بيدين مكبلتين بالاصفاد ومن ثم الانطلاق بخطاب الى أهل بلدي ورفاقي الذين كنت متأكدا من قدومهم ووجودهم الى جانبي ،لم أكن أفكر بما سأقوله ولم أفعل ذلك يوما حين أتوجه بالكلام لمن أعرفهم وأعرف همومهم ..يكفي أن يكون سقفي السماء وأمامي وجوها تشبهني لأسترسل بالكلام دون توقف …لكن حدث ما لم يكن في الحسبان …أدخلونا من باب خلفي للمحكمة …بقينا بحجرة الايقاف تحت الأرض …وأول ما شد انتباهي هو دوي المحكمة فوق رؤوسنا ..ضجيج يشبه خلية نحل وسقف يكاد يتهاوى من وقع الاقدام …ثم سمعت الشرطي يتكلم بشبه تمتمة :”بن علي هرب ..الشعب التونسي ……”فأدركت أنه يقصد حضور المحامي عبد الناصر العويني …أدركت أن جميع رفاقي لم يتركوني بفك الضبع …حين فك البوليس قيدي ودخلت المحكمة رأيت ثلث مساحتها مزينا “بالروب الأسود “وبباقي المحكمة رفاقي من كل جهات الجمهورية …وأبناء بلدي من رفاق وأصحاب وأبناء عمومة …وعناصر فرقة “شوشرة “الموسيقية …رأيت أمي …وكانت تحيتي لرئيسة المحكمة :”يومك جميل سيدتي “..كانت معنوياتي تعانق السماء

كل وجوه المحاماة التي رأيتها وكنت حينها أعرفها كانت كفيلة بأن تجعلني أرقص كدرويش افريقي ..العويني /الزعايبي /نزار بوجلال /بن حميدة /المحسني /العيادي وغيرهم من الذين لم تكن لي بهم سابق معرفة ..لكن ما ساءني ،هو حين طلبت القاضية بأن يفتتح أحد المحامين المرافعة متجهة بعينها صوب عبد الناصر …قال أحدهم _من المحامين _فليبدأ الاستاذ “…………..”فهو أكبرنا سنا …لم يكن أحدا يعرف أن الذي سيبدأ المرافعة هو أحد أفراد عائلتي (ابن خالة أمي وأخوها من الرضاعة )وهو محامي فاسد همه ما يحشيه ببطنه وما يرتديه على جلده وهو رمز من رموز حزب التجمع الاديمقراطي …ورغم أني رفضت مرافعته ذات محاكمة 2002..أمام القاضي فانه عاود التواجد ليبيض وجهه ويسجل حضورا مغشوشا الى جانب محامين تجمعني بهم الفكرة ويوحدنا الحلم …ترددت حينها ..لأنه من سيستهل المرافعة ..والآن أعترف انه كان حريا بي أن أرفض مرافعته …بدأ الحديث عن عدم وجود دليل مادي لاعتدائي على البوليس مستعملا في ذلك قصة “يوسف وزوجة فرعون والقميص “كدت حينها أنطق فأقول له “تيييييت انت وفرعون وزوجته والقميص وحتى يوسف “الا أن وجود أمي فقط هو ما منعني عن ذلك …كانت المرافعة تلوى الأخرى …تناول الجميع الاخلالات الشكلية للقضية “بوليسية بهايم ..ماعرفوش يخدموا دوسي “…وأنهى عبد الناصر سلسلة المرافعات بمرافعة أقرب للاجتماع الشعبي مذيلا مرافعته ببيتين للجميل منور صمادح ..كان جميع الحضور متحفزا …كان الغضب يخيم بكل ركن من ارجاء المحكمة أما عن الحضور الأمني داخلها فحدث ولا حرج ..ثمة رفيقة من صفاقس أرادت تسجيل المحاكمة فسحب منها جوالها ..كذلك حضر الرفيق منجي الرحوي برغم اختلافنا حول تقييم تجربة انتخابات 2014 ..فاني أعتبر حضوره تحية لشخص لا أحد يمكن أن ينكر ما قدم للجبهة الشعبية ..والأهم من حضور الرحوي هو مجيئ حبيبي بائع الياسمين …برغم أنه كان اليوم الأول للعودة المدرسية …حكمت المحكمة بعدها بثلاثة اشهر سجن مع تأجيل التنفيذ …عدت لبلاريجا ومنها لبيتنا العتيق على جبل الهوايدية …بقيت مدة أقرأ النصوص التي كتبت على جداري ..كتب الروائي والشاعر والمؤرخ والدكتور ..حبرت الصحف والمجلات الورقية والاليكترونية …كتبت القصائد ورسمت اللوحات ونطقت الاذاعات وبثت القنوات …لكن ما بقي راسخا بالذاكرة 

..ما بقي عالقا بذاكرتي من نصوص كتبت على جداري هي تلك التدوينة التي كتبها أحدهم ولم يكن له حظا لا في سبورة ولا ميدعة وهكذا كانت التدوينة تحديدا :”صيب مونسف ..صيب بو الزغار “وكان يقصد “سيب منصف ،سيب بو الصغار ” بادئ الأمر ظننت أن الذي كتب ما كتب فارسي ..أو تركماني لكن سرعان ما التقطت لقبه فهو لقبي وصاحب التدوينة من ابناء عمومتي ..تأثرت لحرمانه من نعمة الحرف وبهجته وسعدت لحركته ونجاحي لحد متواضع على جمع الدكتور وهذا الجميل الذي يكتب اسمي بهذا الشكل “مونسف “..فقد خلع عن اسمي معنى الانصاف وذهب به للنسف ..لا بأس في ذلك …هذا هو #التشبيك الحقيقي …لا بد لكل تنظيم يطرح على نفسه البناء الحقيقي والمراكمة والتثوير من أن يجمع حوله الطبيب والمحامي والمزارع والبناء وعامل التنظيف والشاعر والمسرحي ومروج الخمرة خلسة والنادل حتى يتسنى له مسك ناصية الشارع ،بكونه بوابة الحكم ..والحكم حسب اعتقادي هو تلك الجمرة التي لا توضع في غير موضعها …كثيرة هي الدروس والعبر التي تعلمت …وكثيرة هي المراجعات ..أولها أنه يكفينا مجموعة من المحامين الشرفاء لنحول شوارعنا لزخم ثوري على قاعدته يكون الفرز الحقيقي …من مع الثورة ومن مع موائد الضباع ..وثانيها أن الأمور لا تدار بكم المناضلين .بل بنوعيتهم ..حيث من المستحيل أن نبني أو “نرمم “تنظيما ثوريا حقيقيا دون وجود مناضلين نوعيين …والأهم من هذا وذاك ..لا بد أن نتعلم من تجاربنا لنثبت ما راكمنا ونعالج بشجاعة ما أخطأنا في تقديره ..النقد ..ثم النقد …لا بد من عقل نقديا على رأي مهدي عامل ومن قبله لينين …
لا أدعي البطولة ولم أدعيها يوما …ما يشد من عزمي هو وجود رفاق صادقين الى جانبي …لست وحيدا بطبرقة في ما أفعله ..ثمة رفاق لهم من التكوين النظري ما يفيدني ومن الشجاعة ما يجعلني اثق بالمستقبل ..سلاحي حبي لمدينتي ورفاقي ..وحب رفاقي لي …ولكي أنهي :مرة خرجت ندور مع ولادي في الجبل وقت روحنا قلتلهم باش نعملو انتاج كتابي ..والموضوع :صف كيف كان يومك بالجبل /ساجدة وصقر بدو يكتبوا الا تماضر ..فانها امتنعت عن الكتابة ..قلتها اشبيك ماكش تكتب ..قتلي حرفيا :بابا انا كيف نعيش نهار نحب نعيش نهار آخر ..مانحبش نكتب عليه /…هذه التماضر هي أقرب انسان الى قلبي لاني أرى فيها شقائي الجميل …..لكل ما تقدم أقول : نحبكم جميعا .

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: