مملكة الرئيس، قصص عن جحيم الدكتاتوريات و الثورات !

img

مادونا عسكر

الدكتاتور غالبا ما يكون تلك الشخصية الهضبة التي تحجب كل شيء خلفها، لذلك يمثل مادة خصبة للكتابة، ونافذة تتركز حولها الرؤى ومواد الخيال محاولة لتفكيكها وتفتيت عناصرها، والنظر إلى ما خلفها. وهذا ما نجده في المجموعة القصصية “مملكة الرّئيس” للكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ.

يقودنا عنوان المجموعة القصصيّة “مملكة الرّئيس” للكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ إلى تلمّس مكنون النّصوص قبل الولوج فيها. وتتجلّى في العنوان معان يترجمها الواقع المؤلم الممتدّ من عقود بعيدة إلى عقود آتية، نحياها في ظلّ ممالك ابتناها رؤساؤها وفصلوا أنفسهم عن شعوبهم، بل جعلوا منهم عبيدا لملوكيّاتهم. أراد سعيد الشيخ في مجموعته القصصية أن ينحت نموذجا لكلّ نظام نصّب نفسه إلها على شعبه مطالبا إيّاه بالسّجود له وتقديم فروض الطّاعة، ضاربا بعرض الحائط كرامته الإنسانيّة.

خمس قصص يفتتح بها الكاتب المجموعة تعبّر عن قدرة الرّئيس على بسط تسلطه الشّامل على حياة النّاس. فيستعيد ماضيهم ويبحث فيه عن أيّة هفوة مسّت بشخصه. كما يتحكّم في حاضرهم ويحرمهم من أبسط حقوقهم، ويسيطر على مستقبلهم بقمع حرّيتهم الفكريّة ومصادرة آرائهم والاستحواذ على حياتهم. كما نقرأ في هذه الافتتاحيّة التباسا بين المعنى الحقيقي للألوهية وبين مفهوم الرؤساء لها، ونتبيّن أنّ الرّئيس المنزّه يستبعد الله ولعلّه يعتبره عدوّا له.

للرّئيس حاشية في مملكته، تحافظ على أمنه الشّخصيّ وتتّخذه إلها لها. تلك الحاشية البائسة تشكّل عينيّ الرّئيس، تراقب تحرّكات النّاس وتترصّد آراءهم ملتزمة بتنفيذ شريعته، ومستعدّة دائما للدّفاع عنها بشراسة، حتّى لو اقتضى الأمر انتزاع حياتهم. وبما أنّ هذه الحاشية عابدة لرئيسها فلا تختلف سلوكيّاتها عن سلوكيّاته. وتسمح لنفسها أن تنتهك حرمات البيوت وتغتصب أجساد وكرامات النّاس.

أظهر الكاتب إبداعا خاصّا في تعبيرات لخّصت فكره الشّخصيّ وملاحظاته على أداء الرّئيس الإله في مملكته يقول “لقد دعت ربّها أن يجلب الموت للرّئيس وعائلته”، وتشير هذه الجملة إلى جسارة كبيرة في سلوك الرّئيس، إذ يعتبر أنّ ربّ السّيدة المطلوبة للاعتقال مغاير لربّه بل لشخصه. وبالتّالي تخلق كلمة “ربّها” صدمة القطيعة بين الرّئيس في مملكته وبين الله. وكأنّي بالكاتب يريد القول أنّ الرّئيس لا يعبد الله أو لا يعتبره القدير المترفّع عن الفعل الإنسانيّ السّيئ، وإنّما ينزل الله إلى مستوى صورته الشّخصية معتبرا أنّه يحاربه من خلال المؤمنين به.

يعيدنا سعيد الشيخ إلى صورة الحاكم الإله في تاريخ الشّرق “في الأصل كان الحاكم يعدّ من طبيعة إلهيّة، فهو لم يكن مختارا من الإله بل كان الله نفسه. وقد قامت الحضارات القديمة عموما في مصر، وفي فارس، وفي الهند، وفي الصّين على أساس هذه النّظريّة، وكان الملوك والأباطرة يُنظر إليهم باعتبارهم آلهة”، وكأنّنا بالكاتب هنا يؤكّد على أنّ هذه الفكرة ما زالت راسخة في ذهن من يعتلون سدّة السّلطة.

في قصة “أنياب ومخالب” يسلط الكاتب الضّوء على أمرين: الأوّل، قتل الأمل والحلم ماديّا ومعنويّا. فالسّجن الّذي نشهده في هذه القصّة لا يشكّل عقابا على مخالفة قانونيّة، وإنّما يدلّ على قمع الحرّيّة وتعطيل الرّأي وتدمير الطّاقة الإنسانيّة الخيّرة. والثّاني، اعتبار الإنسان مجرّد سلعة وملكيّة خاصّة يمكن التّصرّف فيها بشتى أنواع القبح والإهانة، إمّا بهدف إرضاء الغريزة الحيوانيّة وإمّا بهدف السّيطرة القمعيّة. فالبشر لا كرامة لهم في مملكة الرّئيس ولا قيمة لإنسانيّتهم.

لعلّ قصة “سيّد الفساد” تتضمن أروع المشاهد في هذه المجموعة، حيث يضعنا الكاتب أمام مشهدين متناقضين تماما: فروض الصّلاة مقابل سلوكيّات سيّد الفساد. قوّة هذا المشهد تكمن في أنّ الكاتب استطاع أن يجسّد الفساد شخصا. فأخرج من هذه الشّخصيّة كلّ القبح والسّوء، فما عدنا نرى ملامح إنسان بل فسادا بهيئة إنسان، أو بمعنى أصح، جثّة بشريّة تتنفّس فسادا.

وقد أجاد الكاتب في “حواريّة لصاحب السّلطة مع المرآة” في كشف أعماق نفسيّة صاحب السّلطة، مبيّنا مواطن ضعفه واضطراباته النّفسيّة وذلك بتسليط الضّوء على جوانب شخصيّته المتسلّطة.

وتمتدّ هذه المقاربة لتُظهر واقع “مملكة الرّئيس” الغارق في شتّى أنواع البؤس الإنسانيّ، نتيجة انحرافات هذه الشّخصيّة. تجسّد المرآة في هذا النّص ما يسمّى باعتراض الضّمير، فيصوّر لنا الكاتب صاحب السّلطة وهو يحاول السّيطرة عليها ويأمرها بإخراج صورته الجميلة.

من جانب آخر لا بدّ أنّ الكاتب أراد استعادة الأمل من ثورات ما سمّي بالرّبيع العربي، واصفا المشهد كنور ينكشف أمام الظّلم والقهر والاستعباد ويفاجئ الرّئيس في ظلمته الدّامسة. فسحة من الحرّيّة والكرامة حملت في ظاهرها أملا جديدا للشّعوب المقهورة للانعتاق من مملكة الرّئيس. إلّا أنّنا سنرى لاحقا أنّ المضمون اختلف كثيرا عن الظّاهر وحوّل مسار الثّورات إلى جحيم من نوع آخر يحوي إمارات جديدة لا تقل وحشيّة عن “مملكة الرّئيس”.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: