ملاكي المنقذ ، عواطف العوني

img

أسند جسده الهزيل على جدار الحائط و تمعن في المكان جيدا أضواء تلوح من بعيد همس في نفسه إقتربت تمالك نفسه و عاود السير منصتا لطرقات عكازه على الأرض الصلبة محدثا سمفونية مزعجة فالطريق خال من المارة و حده في ذاك الليل البارد عجوز ناهز السبعين يكاد يقترب من وجهة لم يتمالك نفسه و تهاطلت الدموع على تجاعيد وجهه تذكر كاثرين هو لن ينسى أبدا يوم أنقذها من براثن الموت كانت صغيرة جدا وهزيلة و نحيفة أمرتها مربيتها أن تذهب في ذاك الليل البهيم و تحضر الخضار للعشاء حملت السلة الكبيرة و قطعة النقود و توجهت إلى السوق بفستانها البالي الذي لايكاد يستر ذاك الهيكل العظمي وقفت أمام البائع و طلبت المشتريات وضعتها في السلة قال لها السعر الجملي تسعون فرنكا بحثت في جيب ثوبها المرقع عن النقود سرعان ما إخظر لونها بحثت مليا داخل جيوبها لكنها لم تجد النقود حاولت بيد أن كل محاولاتها فشلت أغمضت عينها لبرهة و تخيلت مشهدا مرعبا صاحبة المطعم تحمل عصاخشبية و تنهال على جسدها النحيل بالضرب إلى أن يغمى عليها مرددة عباراتها المعتادة كان من المفترض أن أرميك في الشارع للكلاب بدل أن تكون هنا بلا فائدة أمك الحمقاء ماتت و تركتك لي لأتحمل غبائك قطع حبل أفكارها صوت البائع يصرخ أين ذهب عقلك ناوليني النقود إني أنتظر إستجمعت قواها كاملة و الدموع تنهمر على و جنتيها و قالت لقد.. فجأة سمعت صوت رجل قاطع كلامها قائلا كم ثمن المشتريات إلتفت البائع لصاحب الصوت يبدو أربعينيا مر الشيب على شعره ووجهه كمرور حريق نشب على المزوعات و الحقول بدا و كأن الشيب أطفأ جمالا براقا قد مضى بسط يده في جيبه و أخرج عملة ذهبية و أعطاها للبائع قائلا بإمكانك الإحتفاظ بالباقي وسط لمعان عينا البائع فرحا بهاته الغنيمة المفاجئة إنحنى على الفتاة التي ظلت تراقب ملاكها المنقذ بدهشة دون أن تستوعب سألها بلطف إلى أين ذاهبة أجابت بتلعثم إلى مطعم مدام كار أبتسم و ببعض الدعابة أجابها قد أبدو لك رجلا عجوزا لكن بإمكاني حمل هاته السلة عنك أومأت رأسها و سبقته بمشيتها المتعثرة لاحظ في نفسه رداءة فستانها فهو لا يقي عصفورا من الحر خصوصا أن الحال شتاء قارس سألها عن إسمها فأجابت إسمي كاثرين سألها من سماك كاثرين أجابته أنا لا أعلم لكن مدام كار و هي مربيتي تقول أن أمي أرادت أن يكون إسمي جميلا في الطريق إستطاع تبين من حديثها أنها تكابد الويلات لكن لم يفهم بعد كيف في هذا الوقت من الليل فتاة صغيرة بهذا القدر من الجمال تتجول في الشارع بفستان بال لتذهب لسوق لا بد أن في الأمر سرا عليه إكتشافه خصوصا بعد أن تعلق قلبه بروح الفتاة في حضرة أفكاره المتضاربة صرخت كاثرين و إحتمت به و قالت أرجوك إنها قادمة ستضربني لن ترحمني أبدا لقد تأخرت و أشارت له إلى إمرأة بدينة تكتم غيضها و الشر يتطاير من عينها صرخت نحو الفتاة أين كنت كل هذا الوقت سأسحقك أيتها الضفدعة تشبثت بالرجل الغريب و إنغمرت في البكاء لكن الرجل أخبر مدام كار قائلا سيدتي أتفهم غضبك الذنب ذنبي أردت حمل السلة عنها فهي لم تقو على حملها كما تعلمين هي صغيرة جدا وفي الطريق تبادلنا بعض الأحاديث أرجو أن تسامحيها لأجلي بالمناسبة أنا جائع جدا و أبحث عن مطعم أين محلك أخبرتني كاترين أنكم تقدمون أطباقا شهية تغيرت ملامحها و هدأت عاصفتها هي أمام زبون غريب ففاتورة الغرباء أعلى أجرا همست على الفور مرحبا بك إتبعني كاثرين و حدها لم تفهم ماذا حدث ٱكتفت بالتحديق في ملاكها أنقذها مرة أخرى شعر بها تتأمله فغمز لها سرا و إبتسم وصل الغريب للمطعم و طلب بعض المأكولات أسرعت كاثرين طاولة الطعام ظل يراقبها من بعيد فيما إنهمكت مدام كار في تحضير الطعام مهددة بالعقاب المشؤوم بنظرات كاثرين و حدها تعرف معناها مدام كار شاغلها الوحيد هو معرفة بعض المعلومات عنه بدا رجل أعمال محترم لذا فالفاتورة ستكون مرتفعة لم تستطع تحمل صوت رنين النقود داخل مخيلتها سيسعدها ذلك كثيرا إقترب الغريب من مدام كار و سألها كاثرين ليست إبنتك إمتقع لونها فجأة كأنها أرسلت للجحيم في الحقيقة أنا و زوجي نمتلك هذا المطعم كانت تربطني صداقة بأمها قبل أن تتوفي فواصلت تربيتها و إيواءها لكنني أعاني مشاكل مادية و لا أستطيع تسديد ثمن إيجار المنزل و المحل و إطعامها واجهها بنظرات ثاقبة وواثقة و قال بإمكاني أخذها معي و أطلبي ما شئت إلتمعت عينا المرأة لسماعها موضوع النقود في الأثناء إتخذت كاثرين لنفسها مكانا تحت الطاولة هي عادة ما إتخذته كل ما أرادت الفرار من العقاب سمعت الحوار الذي لم تفهم منه سوى صوت بداخلها يخبرها أنت حرة و سعيدة طرق باب الكنيسة ففتح له الحارس قدم له بطاقة الدعوة فولج الحارس به بهو قاعة الإستقبال هناك غصت بالمدعويين إتخذ له مكانا في مؤخرة الحفل يراقب أنفاسه اللاهثة فلقد وصل للمكان بعد جهد جهيد ظن أنه قد تأخر كثيرا فاليوم عليه أن يكون حاضرا إنه يوم مهم بالنسبة له يوم محزن و مفرح قد لن تسمح الأيام المتبقية من عمره أن يعيش يوما كهذا قص عليه شريط خواطره صوت الحارس إنتباه لقد و صل العروس و العروسة و فتحت البوابة الكبيرة ها هي كاترين بفستان أبيض مشع كأنه ملاك من السماء حذو إبن رئيس مجلس الوزراء تأملها مليا و غاص في وحل الأفكار همس بألم ٱه إنها كاترين كم تبدين جميلة عزيزتي الصغيرة تشبهين كثيرا ذاك اليوم الذي خرجنا من دكان مدام كار حيث إشترى لها معطفا يقيها البرد و أمسك يدها الصغيرة و قادها نحو القطار الذاهب لندن أين يقطن هناك وحيدا كانت كاترين يومها سعيدة ودعت كل الآلام و الأحزان فلن يعانق جسدها بعد الٱن عصا خشبية قاسية لا مزيد من الصراخ و الشتائم هي الان إبنة ملاكها المنقذ تجمعت في عيناه كل انهار الكون وهمس كاترين إبنتي الوحيدة و عدتني أن لا نفترق .حمل عكازه و توجه نحوها و صرخ كاترن إبنتي تجهم و جهها و قالت أبي مالذي أحضرك هنا أخبرك الطبيب أن لا تغادر فراشك أنت لم تتعافى بعد أخاف عليك أرجوك يا أبي عد بسرعة أردت و جودك معي في هذا اليوم لكن الطبيب منع قدومك لخطورة حالتك أجابها بمرارة و حرقة هل من الممكن أن لا أحضر زفاف إبنتي الوحيدة أجابته معاتبة أنت من منعتني من تأجيل الزفاف أصريت على ذلك أردتك أن تتعافى ونكون معا لماذا يا ابتي الحيت لماذا أجابها بصوت ضعيف لا تقلقي بشأني المهم أنك سعيدة كاثرين لما تهتمين لشيخ عجوز اليوم أنت عروس الكون فلتسعدي لن أسمح لنفسي و لك أن يتأخر زفافك بسبب عجوز مسن هالك لا محالة أنا أحبك كثيرا يا من انستي وحدتي و كنت سندي عندما عصفت بي عواصف الحياة تذكري هذا جيدا أخبرت زوجك أن يعتني بك جيدا كما كنت أفعل يا صغيرتي الحلوة أجابته و الدمع يزين خديها و يتجمع في مقلتيها انهارا كنت كل سندي في هاته الحياة أنقذتني من طفولة بائسة جعلتني إبنتك الوحيدة في تلك الليلة أنقذتني من الجحيم كنت ترعاني و تحرسني كنت ملاكي المنقذ أحبك كثيرا أبي شعر بدوار تماسك قليلا و استجمع قواه ليتفوه قائلا كاترين اعتنني بنفسك جيدا يا ابنتي و سقط هامدا على الأرض.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: