مقدمة كتاب “رسائل إلى كارلا” للأمجد بن أحمد إيلاهي

img

سيرة جرح
بقلم :نصر سامي

مقدمة كتاب “رسائل إلى كارلا” للأمجد بن أحمد إيلاهي

هذا كتاب سيرة، ولأنّه كذلك، فإنّه يحفر عميقا في “اللّحم الحيّ”، ومنذ كتاب صالح القرمادي “اللّحمة الحيّة”، لم يكتب نصّ بهذه القسوة وهذا الألم من قبل. نصّ صداميّ، لا ينافق، ولا يداور، ويسير في أرض مفخّخة. يرى العالم من ثقب إبرة، حقيرا، ومحتقرا، وبلا قلب، فيبادله التّجاهل، ويمعن في كشف طبقاته. وهو كتاب حوار باطني على درجة عليا من الأدبيّة، يخاطب فيه الكاتب امرأة جعل منها خلاصة النّساء، وخلاصة الحنين الذّي شدّه لكلّ شيء، وبديله الحيّ الصّاخب المرافق في الصحاري العربية، امرأة تلخّص تاريخا من النسيان العاصف، والخوف، والألم والقسوة، امرأة بلا شوائب ولا علل، ينابيع الصبى فيها، وأنهار الصداقة، وفيوض الصحبة، وهي مع ذلك كلّه جرحه الكبير، ونقصه الكبير في ذات الوقت، وفراغ أيّامه، معها ينهض الخطاب بأعتى وظائفه وأجلّها وهو الخلق، خلق البديل الموازي لعالم الزّيف والبهتان والعلائق الهشّة والاستغلال. ثمّ هي في الغربة وطن، وفي القلب الخالي عشق متمكّن في العروق وفي الجسد، يفيض على الكلمات، فيمنحها طاقات شعرية لافتة، هي الحاضرة الأبديّة، والغائبة الأبدية، هي الجمال المكتمل، وهي النّقص كلّه. تسكن في خلفيّة كتابتها المرأة الأهمّ في تاريخ النساء: عشتار، تقبس منها الضّوء حين تعتم الدّنيا، والدم حين لا يكون هناك أمل في شيء. ثمّ هي عشتار المذكّرة بطريقة ما، الذكورية، الفحلة، التي تعرف ما تريد، الصّدامية، المنفتحة، البذيئة، النّاعمة التّي لا تلحظ، والشرّيرة القادرة على الإماتة والقتل، تهجر بسهولة، ولا تعود إلاّ على شكل لمحات تنهلّ لها سحب، وتسيل عليها سهول. هذه الصّورة تسكن في خلفيتها صورة الأمجد نفسه. يستلّها من كيانه كما استلّ آدم حوّاء، فتستوي بشرا، فيخاطب فيها قطعة من نفسه. إنّها أناه وقد أخرجها للنّاس بمسمّى “كارلا”.
المرأة الكاملة الصّغيرة، باسمها الفرنسي السّهل، تعلق بالخطاب من أوّله إلى آخره، ولكنّها ليست موضوع المخاطبات، وليس حبّها موضوع الرسائل، هناك سرّ وراء حضورها الطّاغي، وهناك سرّ وراء استحواذها التّام على فضاءات التخيّل وعلى مرجعيات الخطاب. تصبح هذا المرأة جميلة حين يشتدّ سواد العالم، يزيد بياضها عندما تحضر الخلائق المنتهكة والأجساد المرذولة، تصفو وترقّ حين تسودّ قلوب البشر، وتنضح بالسمّ نيبانهم! لماذا يختار أمجد مخاطبة فرنسيّة؟ ويخاطبها بلسان عربي؟ لماذا يختار “سائحة” ليحدّثها عن دائرة العجاج والطين والزفت المفتوحة في العالم العربي؟ هل هو هروب؟ وإن كان هروبا، فممّ الهرب؟ هل يئس أمجد من نصفه العربي، وقرّر أن يخاطب نصفه الأوروبي، ليحقّق الخلاص؟ وهل هناك خلاص أصلا في مخاطبة النّصف الأوروبي؟ يطرح الكتاب أسئلة كثيرة، ولا يعنى بتقديم الإجابات، لكنّ الرسائل وهذا سرّها الكبير، حين اكتملت، بدت بعيدة عن حقيقتها الظاهرة كمخاطبات منفردة، بل استوت نصّا سرديا روائيا مكتوبا بثقة ووعي وبنوع من التراسل الذهني والتقطع الحدثي لرواية طويلة حوت من الأحداث قصصا كثيرة، ومن الأزمنة فترات ممتدّة، ومن الشخصيات عددا بلا حصر. يتبدّى الكتاب رواية سيريّة صغيرة مختفية في نوع من الترسّل المدروس والمنظّم، ويطغى عليها صوت الشّاعر، أقول صوت الشّاعر، ولا أقول الرّاوي، لأنّ الشّاعر حاضر بقوّة في خطابه، متلبّس بتفاصيل السّرد، ماسك بزمام قصيدته، كما كان الشّاعر الجاهلي يتمسّك بفرسه.
يستعيد أمجد ما حدث في تونس، وتقفز إلى الذهن صور متعاقبة كثيرة، أثّرت بعمق في هذا الكتاب، ومعرفتها متوجّبة لفهم الرسائل، منها: ملاحقات الشرطة، والتهم التّي لاحقته باعتباره يساريّا، وكلية الفنون الجميلة وجميع ما كان يحدث فيها من فساد، مهنى ودراسي وعلائقي، والميز المسلّط على الطلبة الآتين من “ورا البلايك”، والمحاباة لغيرهم من النافذين، والرفض وإعلان الرفض والمنع المستمر من التسجيل في الماجيستير، واستمرار الآلة الدائرة في إنتاج نفس أوالياتها ودعائمها، والعنف المسلّط علىه وعلى غيره الناشطين السياسيين من طرف الإسلاميين، وهو مع كل هذا معطّل عن العمل في بلاده، ومطارد من الجميع. ممّا أدّى إلى مغادرة البلاد، ولكنّه لم يبق في قطر إلاّ وقتا قصيرا، ففي قطر أيضا يوجد توانسة كثيرون، كانوا يعرفونه أشدّ المعرفة! قضى هناك شهورا سبعة دون وظيفة، متشرّدا أو يكاد، عاد إثرها إلى تونس، ثمّ وجد عقدا للتدريس في السعوديّة، ولكنّ مكعّب الإكواريوم الكبير لم يتّسع للسمكة الجديدة، وانتهت التجربة باستقالة بعد سنة عمل واحدة، تحتاج وحدها لكتاب منفرد، وبعد عودته لتونس الثائرة، لم يبق إلا فترة قصيرة، ورحل بعدها إلى سلطنة عمان، حيث يستقرّ الأن، قبل سفره الجديد. هذا المختصر الدقيق لرحلة أمجد ضروري لفهم ما حدث، هناك حرمان يحتزّ العروق، وألم على درجة من التركيز، وهناك في المقابل وعي متيقّظ كنمر، لا يهادن، ولا يقبل الضيم، ولا يهتمّ بالعواقب. مستعدّ لينشب أظفاره في الغيب نفسه، يقول ما يظنّه حقّا. أغلب آراء أمجد في الكتاب هي نتائج خبرات حياتية، وليست خبرات قرائية. التجربة بديلا عن الثقافة، الحزن بديلا عن التفاهة، الوحدة ومخاطبة الوهم بديلا عن نساء حقيقيات مجرمات في حقّ الجمال والبشرية! الجوهري بديلا عن التقني والشكلي.
قابلت الأمجد في زردة سيدي تليل في فريانة، ومن قبل تقابلنا في سوسة، قبل سنوات بعيدة. ولم نفترق أبدا. لسيدي تليل أسراره، وأنا وأمجد نحبّ سيدي تليل، ونحبّ الأولياء الصالحين. ولكم يتفاجأ الإنسان من هذا اليساريّ الذّي يحدب على أمّه، ويزور معها ضرائح الأولياء والزرد وحلقات الذّكر مستمتعا مرتاحا، ويزور معها الكعبة معتمرا! لا أنا ولا أمجد نجد في ذلك قلقا، وبسبب من أنّنا ريفيّان أصيلان، فإنّنا لا نملّ الصّراخ طول اللّيل حتّى يسمعنا العالم. أقول لأمجد: “اكتب روايتك!”. فيقول لي مطمئنا: “سأفعل”. وأنا أعلم أنّه ماض في نصّه الخاص الذّي يشبهه والذّي لا يبدو حريصا إلاّ على تيّاراته وعواصفه الدّاخلية. عاش والدانا في بدايات القرن عيشة صعبة، شاركا في بناء دولة الاستقلال، قرآ القرآن فقط، دون غيره من النّصوص، وتركا كلّ شيء في سبيل تدريسنا، وبقدر نجاحهم، بقدر فشلنا في كلّ شيء. “العالم تغيّر، أصبح بلا قلب”، يقول لي أمجد. “يجب أن نصبح محاربين حقيقيين”. أتوارى أنا بين النّاس كواحد منهم، أمّا أمجد فإنّه يتحوّل تدريجيا إلى محارب حقيقي. يذكرني في كثير من نصوصه بسانشو بانثا رفيق محارب طواحين الرّيح. “يقودنا الوهم يا أمجد”. أقول له، فيجيبني: “الوهم يعني كارلا!”. حين نلتقي نسخر من كلّ شيء، أنا أسخر بهدوء، أمّا أمجد فإنّه يسخر بقسوة. يخالطه سكر خفيف، يجعله ثنائيّ البعد أو ثلاثيا، وهو في حالته تلك يصبح مثل محراث شاقولي، قادر على قلب قلب التربة. “هناك لعنة تصيب بعض الأشخاص، وأعتقد أن أمجد مصاب بلعنات، وليس بلعنة واحدة”. ولا يردّ، بل نتضاحك، ويصل بيننا الهاتف في أوقات قليلة، فلقد فصلت بينها مسافات ومسافات!
في الغالب ليس هناك حبّ في هذا الكتاب، هناك صراخ جسد! في الغالب ليس هناك طمأنينة، هناك وجيعة، تتحوّل إلى مسامير صدئة يدقّها القدر في اللحم، في الغالب ليس هناك حقّ، وحدها الأكاذيب المخيّلة والعراقيل ومسلات الأخطاء الحقيرة ومقابر الرّماد تطفو على الكلمات. هناك فقد موجع في الرسائل، رغم التظاهر بكثرة الخلان! وهناك قيظ، قيظ في الدواخل، قيظ يداخله نفوق وموت وتعفّنات، رغم جوّ الاستعارات الدافئ الذي تخلقه الكلمات، والغربة تضغط كوحش خرافيّ بأنيابها على الوجود. عشتار بوجهها القبيح تختفي وراء الرسائل، لذلك يحفل الكتاب بتفاصيل مؤلمة عن النّاس، يذكّرني أمجد بصلاح عبد الصبور في قوله: “الناس فى بلادى جارحون كالصقور. غناؤهم كرجفة الشتاء فى ذؤابة الشجر. وضحكهم يئز كاللهيب فى الحطب. خطاهم تريد أن تسوخ فى التراب. ويقتلون، يسرقون، يشربون”. تلك التفاصيل تعطي للكتاب صفته الواقعية الّتي تسودّ حتّى تقارب الواقعية القذرة، وترقّ حتّى تقارب الأدب الرومنسي. وأهل أمجد كثر، يمتدّون غربا وشرقا، والكتاب يحفل بهم، فهو مفرّق الهوى. والكتاب بعد هذا كلّه كتاب رجيم، مقلق، مهلك، تتمنّى في نهايته أن تتحوّل حجرا في الطريق لتتعثّر فيه خطاهم وهم يشوّهون الحياة، تتمنّى لو أنّك تتمكّن من رجم الوقت مثل شيطان حقيقيّ بالحجارة وقضبان الحديد! تتمنّى.. ولا يتحقّق شيء. هذا العالم مجبول على القسوة، يلزمه بندقية حقيقية معبّأة برصاص الأسئلة، وما يفعله أمجد طول الوقت هو التصويب، وإطلاق الرّصاص في كلّ الاتجاهات.

كتب هذا الكتاب في بادية ظفار، وهو نطاق صحراوي شبه جاف، قليل المطر، يتداخل مع صحراء الربع الخالي في أقصى الشمال الغربي لظفار، ويضمّ أربع ولايات هي ثمريت ومقشن وشليم وجزر الحلانيات والمزيونة، حيث أقام الكاتب لسنوات، قبل أن ينتقل لصلالة، ومنها إلى الخابورة، حيث يعيش الآن. الترحّل، والانتقالات الدّائمة، وعدم الاستقرار، والراحات المقطوعة، ألقت بظلالها على الكتاب، فبدا مترحّلا بين أنماط من الأجناس هي الرسالة والسيرة والرواية والشعر. وبدت بعض رسائله شديدة الإجمال لعدم توفّر الوقت، ولا الرغبة للتفصيل. وهي تأخذ من الصّحراء ذلك الهدوء الجميل القاسي المغلّف بالسّموم، ومن النّاس تلك البلاهة الرّاضية التّي تخفي لؤما محقونا بالخسّة. سيحبّ بعض النّاس تلك الأجواء، لكنّني، وقد رافقت الكاتب لبعض الوقت، أتمنّى صادقا أن أستعيدها بعد سفري القادم وقد أمست مجرّد ذكرى باردة بعيدة لا تعني أحدا.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.