مقتل جمال:إنعتاق الفكرة من الجسد النسبيّ إلى المطلق  

img

نوفل شحيط / كاتب وباحث تونسي

دخل جمال قنصليّة بلاده في الثاني من أكتوبر لاستخاج وثيقة وإتمام زواجه، لكنّه لإستثناء الفكرة التي يحمل لم يخرج منها أبدا، أو خرج مفرّقا على حقائب سوداء عازلة للفضيحة والرائحة..أمّا إختفاءه فلم يضع حدّا لحياته لأنّه لم يكن يحسب حسابا لجسده النسبيّ، بل للفكرة التي لا تموت في داخله

تذكّرنا لحظة الإنعتاق هذه بلحظات أخرى تخلّصت فيها الفكرة من الجسد البشريّ واتّسعت بلا حدّ نحو المطلق كأنّها كانت تنتظر فناءه لحسابها.

لحظات متشابهة وإن كانت تفاصيل التخلّص من الجسد الأعزل مُختلفة من باب نسبيّة الإجتهاد وتطوّر القدرة العربيّة على القهر وفراغٍ في الحبكة السّردية وسذاجة في الإخراج.

ولعلّنا نستثني من قدرة بعض حكّامنا على القهر القدرة على ليّ عصا المحتلّ ومحاربة الفساد في السلطة ونِسب الفقر المتفاقمة والجهل الذي استوطن الأذهان فعُزِلت عن الحقّ..ما يجعل المثل العربيّ معمّما على أصحاب السمو بلا استثناء:

أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة..

وتبعا، لم يكلّفنا وقع القصّة مجهودا لتخيّل مشهد تقسيم الجثّة على حقائب الجلاّدين فعدوّنا قسّم أرض وطننا العربيّ بذات الشّكل غير أنّ آلة التقسيم لم تكن منشارا كما قيل بل حُكّاما ملاعين يبيعون الأرض والعرض مقابل فتح أعينهم صباحا على حديقة القصر.

إنّ التنكيل بجثّة إعلاميّ على إختلاف النّاس في تصنيف مواقفه يُعتبرُ جريمةً لا تُغتفر، فالكلمة التي يُواجه بها العالم ليست أبدا منشارا ليُقطّع بالمثل كما خُيِّلَ لجلاّده أنّه نوى له.

إنّه الجسدُ ذاتُهُ الذي قطّعهُ هؤلاء قبل إثني عشر قرنا حينما أرادوا إلجامَ إبن المقفّع عن نقد والي البصرة سفيان بن معاوية لكنّه لم ينته بزجرهم إيّاه وقال لا في وجه الرقابة والقيد ووصاية الحاكم على الكلمة.

ورد عن سفيان بن معاوية أنه قال في إحدى المرات: “والله لأقطعنه إرباً إرباً وعينه تنظر”

إنّه التاريخ يعيد نفسه حتما وجلاّد الأمس ذاته هذا الجلاّد طوّر سلاحه وغباءه فصارت عمليّات الصّلب والتقطيع تنقل على النت لينظر الملك في عيني خصمه وأصحاب البدل السوداء برتبة ديبلماسيّين كبار يمارسون فيه رغبة دفينة حان زمن افتضاحها.

وسنحكي لأبنائنا كما وجدنا في باب الأسد والثور عن ظلم الأسد لشتربة ودسائس حاشية السلطان فيكبرون على حبّ الكلمة والإيمان بصاحبها إذ أنّه لم يعد جسدا نسبيّا فحسب بل فكرة مطلقة لا تسعها مقرّات السيادة والسّفارات.

الجسد البشريّ الأعزل ضدّ جبروت الحُكّام لا يُقاوم، أمّا الكلمة فلا تُعذّب ولا تُقطّعُ ولا تموت بل كلّما حاصروها وقمعوها إزدادت قابليّتها للتصديق، والقصائد التي قيلت في المدح والهجاء على السّواء “لم يبلها الدّهر” على حدّ قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لكعب بن زهير يوم ذكرَ له قصائد أبيه في هرم بن سنان بينما الحلل التي كساها هرمٌ أباه تردّمت.

الجلاّدُ ذاتهُ يراهنُ على السّيف في مواجهة الفكرة ولا يعرف قُدرةَ المجاز على التملّص والتخلّص بعيدا أين الساحة التي يدور فيها النّزال لا تعرف غير الفكرة سلاحا كسوق عكاض لا يُقبلُ فيه أن تحملَ سلاحًا لأنّ المقام تجارة، إمّا أن تأتي ببضاعتك التي تبيع أو بمالك الذي تشتري به.

وهم ربّما يتقنون التجارة جيّدا، يبيعون النفط ويشترون الكمّامات وعلب الاستجواب العازلة للصّراخ وحقائبَ أكبر لتسع رأسا مفصولا دون أن تفوح رائحة الثورة منه.

وهم حتما يعجزون أمام اللغة والخطاب ويعجزون أمام العقل البشريّ لأنّه لا يُشيَّدُ بالحجارة المصقولة ولا يُزيّن بالذهب، إنّه يهوي حينما يشتدّ الفراغ من حوله ويُقتلُ كلّ الشّعراء والفلاسفة، ولنا في عصور الإنحطاط مثال لأنّ نسخهم الرديئة ينتجها التاريخ مرارا ليرسّخ حقيقة أنّ الفكرة تحتاج أكثر من جسد حتى تَخلد.

والأقدار من كلّ هذا ستقاوم الرّداءة كما تقاومها في كلّ شيء، ستقاوم رداءة الجريمة وغباء الجلاّد فتكشفه للعالم إمّا بنصوص ضحايا آخرين لم يُتح لجلاّديهم الوصول لأجسادهم وإمّا بكمراوات المراقبة التي عادة ما يغفل الجلاد عن إطفائها فيُسلَّط عليه ضوء العوام كلحظة عقاب ساخرة. ذلك أنّ الظالم يُعذّب بالنور ويتلاشى فيه على حدّ قول أبي القاسم الشابي:

ألا أيّها الظالم المُستبدّ ** حبيب الظلام عدوّ الحياة

وسرعان ما ستزداد وتيرة الكلمة ويشتدّ الخناق على مغتصبيها حتى يحلّوا عنها.

إنّهم لم يفهموا طبيعة الصراع بعد، لأنّها لا تُستهدفُ الأجساد، بل تُستهدفُ الفكرة، لا بالسيف بل بالحجّة والبرهان.. وهي لهذا لا تموت بل تتسع في نطاق مطلقٍ لا متوقّع كلّما تخلّصت من جسد صاحبها انعتقت.

وصاحبها على الرغم من جبروتها لا يخسر، إنّما على الأقلّ “حياته ستكون أطول من حياة جلاّده”.

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.