مقتطف من رواية ” الزنقيري” لــ رشيد ناجي

img

كان الخبر قد شاع والجميع يبتسم له حين تعالى الضجيج فجأة في مدخل الحانة على الإفريز وحين التفت الجميع كان عبد الواحد ” التمري” كعادته ثملا وقد اشتبك مع أحد المارة كانت هذه عادته كلما خرج من الحانة يعانق اول عابر سبيل هرع البعض لفض ما بدا نزاعا غير أنه لم تمضي سوى لحظات ليجتاح جمع من أعوان الأمن المكان وينهالوا على عبد الواحد “التمري ” ضربا لم يكن المسكين يقوى على الوقوف حين جروه الى السيارة وعلم فيما بعد ان صاحب الحظ مع” التمري” هذه المرة كان قاضيا شابا لم يمضي على تعيينه بالمدينة سوى أيام قليلة …
كان صباحا جميلا من أيام مدنين الشتوية حين أفاق ونظر عبر نافذة غرفته المستقلة التي تفتح على شبه حوش صغير هذه الغرفة الحافلة بالتاريخ والتي كانت تشهد كل ليلة الاجتماعات السرية لنواة حزب الوطد التلمذية وفيها تنسخ المناشير الواردة من الجامعة يدويا لتوزع فيما بعد في المعهد الذي اصبح يدرس به الأن كأستاذ بعد أن كان تلميذا وعادت به الذكرى كيف أن مدير المعهد رفضه أكثر من مرة على خلفية الأضرابات التلمذية ولم ينس تذكير والده حين استدعاه بان ابنه شيوعي كافر لا يؤمن بوجود الله مرددا على مسامعه أن الشيوعية ترتكز على مقولة الدين أفيون الشعوب وهو ما نفاه لاحقا عندما عادا الى المنزل حيث قام والده بتفتيش الغرفة ووجد بعض الكتب الحمراء قام بتمزيقها متوعدا بطرده من المنزل اذا ما أعاد الكرة ومن حسن الحظ انه لم ينتبه لمغارة علي بابا … استدار ناحية الجدار الشمالي للغرفة كانت لاتزال الفجوة الحائطية السرية تحتفظ بأدبيات الماركسية الليننية والماوية وجورج طرابيشي وأنور خوجة وغيرهم كان الطلبة يقتنونها من المعرض السنوي للكتاب من المركز الثقافي السوفياتي بالعاصمة وكانت تباع بأسعار رمزية جدا لا تتجاوز المليمات….حين أدخل يده والتقط أول كتاب كان “ما العمل” للينين..حين هم بفتحه كانت والدته تدق الباب …كان لايزال ثملا شرب الكثير بالأمس حتى أن والدته أحضرت له بيضتين نصف مسلوقتين دون حتى أن يطلب ذلك أجهد نفسه في شرب أحداها ولم يستطع حتى شرب القهوة بعدها…عاد مسرعا الى غرفته واستخرج من تحت الحشية ظرف النقود.. لايزال منتفخا سحب بعض الأوراق النقدية وعاد لوالدته ليطبع على جبينها قبلة ويناولها جزءا منها
– ذوقي فلوسي ياما
– لواه هذا الكل وليدي ما عندي ما نعمل بيهم
– صدقيهم ههههه.

كان في طريقه الى مقهى موبيل حين مر أمام شباك قاعة فرز الرسائل لمركز البريد المطل على الشارع حين ناداه ” شيفررون” من الداخل وأمده برسالة مبتسما
-هاو جا الجواب ههههه
كان كاف أن يرى الطابع البريدي الفرنسي وحين أدار الضرف قرأ المرسلة كريستين دالنودار ..انطلق مسرعا حتى انه لم يتبين ماكان يقوله “شيفررون” وحين وصل المقهى انفرد في زاوية وفتح الرسالة بسرعة .كان ينتظر هذه الرسالة منذ ان عاد من باريس في شهر سبتمبر مرت أربع أشهر وها أنها تفي بوعدها
” عزيزي
لقد ترددت كثيرا قبل أن أكتب لك هذه الرسالة …كنت مارة على مقربة من ساحة بوبور لم أشأ ان التفت كان الوقت صباحا ولكن حين قابلني ذلك البيسترو على اليمين شعرت بقشعريرة فجئية فدخلت لا أدري ربما كنت أبحث عن دفء يدك حين لامستني أول مرة وصددتك برفق أذكر كيف احمر وجهك وكان صديقك رغم اهتمامه بصديقتي الاسبانية قد لاحظ الأمر .. في الواقع لم تعجبني الموسيقى التي كنت تعزفها ولكن حماس حلقة الجمهور ورقصهم أثارني وحتى حين توقفت عن العزف للاستراحة ورغم أن صديقتي أرادت أن نغادر رجوتها أن نبقى قليلا …سأقول لك الأن. نصف ابتسامتك حين كنت تعزف والتقت عينانا لأول مرة جعلتني أنتظر النصف الباقي عندما ينتهي العرض هههه ثم تحجّجتُ بملامسة آلتك الموسيقية هل تذكر كيف كُنتَ تشرح لي كل جزئياتها كُنتَ لبقا عندما قلت لي بأن الأمر يستوجب الجلوس بهدوء في مكان جميل وشرب كأس ..ياه جلست في نفس مكانك في البيسترو وحاولت إعادة ترتيب الأحداث ولكن..كانت دون طعم وغادرتُ مسرعة …أذكر كيف تواعدنا من الغد في ساحة الباستيل وكيف اختبأتُ لأراك تبحث عني في وجوه المارين وكيف لمحتني واندفعت تجري نحوي لتحضنني بقوة وترفعني في الفضاء… كُنتَ على عجل حين اقترحتَ علي التعرف على شقتك التي كانت قريبة وانا رفضت .في الواقع كنت أكثر منك شوقا ولكن الحقيقة أنني كنت خائفة أظن انك فهمت الأمر وقتها . كُنتُ أيضا أختبرك وقد نجحتَ بامتياز حين اقترحتَ ان نلتقي جميعنا انت وصديقك وانا وصديقتي ..
الآن لم يعد يفصلنا كالسابق نهر السين بمراكب الذباب الهادئة التي تسير فيه بل صار ما يفرقنا بحر متلاطم الأمواج تشقه السفن العظيمة يدعى المتوسط….
يسعدني سماع أخبارك إن شئت …أنا لازلت حبيسة تفاصيلي اليومية كما عرفتها .
قبلاتي
كريستين
كان وقع الرسالة عليه عظيما … ليقول أنا لست كولونيل قابريال قارسيا ماركيز… انا تكاتبني كريستين اذا انا موجود … ما قالته في الرسالة على لطفه لم يكن ليطفيء هذه الشعلة من النار التي التهبت داخله فجأة …لازال يذكر لقائهما الأول حين تدبر وصديقه بعض الأموال لترتيب فطور في الشقة ..لم يكن المال كثيرا ولكن كان كافيا لتدبر أمر مرقة لوبيا وسلطة مع بعض علب الجعة الممتازة والكثير من الجعة الكبيرة الرديئة والرخيصة التي كان الصديقان يتداولان على شربها بالتناوب خفية في المطبخ والتظاهر بشرب قطرات من الجعة الممتازة امام الفتاتين .سرت بعض من النشوة لدى الجميع وتعالت الضحكات ثم كان التقارب المحتشم تظاهرت كريستين بألم في ساقها واستأذنت الدخول الى الغرفة الاخرى لأخذ قليل من الراحة وكان أن رافقها بإشارة خفية منها .كانت كريستين في بداية عقدها الثالث امرأة تتقد أنوثة أو هكذا تراءى له رغم انها لم تكن تضع الا القليل من المكياج الخفي ولكن أكثر ما كان يثيره تسريحة شعرها الشبيهة بميراي ماتيو التي كان يعشق أغنيتها الشهيرة ” لا نستطيع العيش دون وداع” .وكان هو في بداية عقده الثاني ترك دراسته بتونس املا في مواصلة دراسته في جامعة السوربون بعد ان قبل مطلبه. لم يكن الأمر يحتاج الى كثير من الوقت كانت الرغبة جامحة من الطرفين لحظة طال انتظارها …لأول مرة يشعر بالأطمئنان ويتخلى عن الخوف من عيون البوليس قد تباغته وهو يأتي فعلته تلك والتي يسمونها في بلده أسماء كثيرة زنا… بغاء… أو زواج على غير الصيغ القانونية…نعم انه هنا في باريس بلد الحرية البوليس يحييه ويلاطفه عندما يطلب منه هويته… حتى المرات القليلة التي طالع فيها بعض الصحف لم تكن فيها صفحة لصدى المحاكم .

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.