مقال “أدونيس الطفل ” السعيد عبدالغني

img

 

الطفولة تقاس بالاصوات والروائح والمشاهد  قبل نمو الساعة المظلمة للعقلنة .

جون بيتجمان

الطفولة مادة كبري ومصدر للشاعر مضببّة فى الداخل واستنطاقها واستدعائها عسير وقبولها كمكبوت عاطل عسير أيضا كون العربي مكبوت معنائيا و فلسفيا وفكريا ودينيا وجسديا .. إلخ وصعب أن تترادف اللغة مع الكلية الانسانية فى الحر الملتهم للخلق من أغلب جوانبه كحالة أدونيس فكرا وشعرا وفلسفة .كون النفس الانسانية لانهائية واللغة لانهائية أصغر . الطفولة فترة تلقف وتلقى بدون تعبير أو بدون تعبير يماثل ما فى الداخل لأن الخلق عملية معقدة فهناك أسف دائما عند الشاعر عند التعبير عنها لأنه يعبر من أناه الحالية ، أى من خارجها تزامنيا .فكلما اعتلى الانسان فى التأمل والتفكير وفى الأينية المجهولة كلما اختلف شغفه والذى يكون هوية الشغف لدينا هى المكبوت الفلسفي والجمالي والمكبوت يعتمد على المدركات النفسية والافعال الحادثة واللاحادثة  الواقعية أى الخيالية ، واختلاف الشغوف لاختلاف المكبوتات وهو الذى يحدد أيهما الابداع الذى يتماس معنا ..فالمريد فى الخلق ليس متاحا له الخلق الفلسفي فى الطفولة ولكنه متاح له الخلق الشعري كونه لازال فيمنولوجيا إلى حد ما بالبداهة .

الطفولة فترة تدوير تخييلى ، فترة طحن الموجودات والمجردات وفترة المصاهرة مع الكون وفترة المبادأة لكيمياءات الرؤية القادمة .

يحتفظ أدونيس بالطفل الذى رؤاه مجرده عن كل شىء لأجل الفهم الخالص قبل التشيؤ والتسليع والمدرَك العلمى المنطقى المعروف والمجهول فى الذات عندما تبدأ تعى العالم وتدركه بتعقيداته وتفكر فيه وهذه المناجاة هى تصاعدية هبوطية فى الداخل الأدونيسى . ويتلاقى تعريف الشعر الحديث لأدونيس مع أهم خصائص الطفولة المنتَجة وهى الرؤيا حيث يقول ” خير ما نعرف به الشعر الحديث هو أنه رؤيا، والرؤيا بطبيعتها قفزة خارج المفهومات السائدة ”

يعتمد أى شاعر على قيمة أساسية فى الطفل وهو الصدق اللانهائي ويتحدث أدونيس عن التقسيم الأناوي للانسان الكائني من طفل إلى شاعر حيث الإنسان تعددات كائنية مباحة للصير ، بتخييل منزوع الزمن، عن اناه الطفولية وهو فى انا أخرى فى هذا الجسد/ المحطة للانوات ومشيئة المجهول المكوِن .

يقول أدونيس :

ذلك الطّفل الذي كنتُ, أتاني

مرّةً

وجهًا غريبًا.

لم يقل شيئًا. مشينا

وكِلانا يرمقُ الآخرَ في صمتٍ. خُطانا

نَهَرٌ يجري غريبًا.

جمعتْنا, باسْمِ هذا الورقِ الضّارب في الرّيح, الأصولُ

وافترقْنا

غابةً تكتبها الأرضُ وترْويها الفصولُ.

أيها الطّفل الذي كنتُ, تَقَدَّمْ

ما الذي يجمعنا, الآنَ, وماذا سنقولُ? .

آتاه وجها غريبا لأنه فارقه ، فارقته اشياءه وشكله واهتماماته .. الخ ، فارقته مشاعره ليس بشكل مطلق . لأن الطفولة هى النبوءة فى حياة الشاعر ، التى لا ترحل . آثر الصمت أدونيس الطفل ومشي بجواره فى استغراب من كليهما ، إنه أعطي لطيف فاعلية الحياة لأنه يرمقه كما يرمقه وكلاهما خطوات واحدة تفتح نهرا بتشكل غريب يسبحوا فى شساعته .

جمعه به ما كتبه، لان به دلالات كل انواته وفيه الانا الطفولية المسيطرة عليه بعد افتراقه عن وعي الطفل ، لغته مجمعة انواته حتى أنه يكتشف فى الطفل ما لم يكن يكتشفه عندما كان طفلا بالفعل وذلك بواسطة اللغة ، افترقوا بفعل الأرض، الأرض التى تفصم بين أنواع الشخص على مدار الزمن وفصولها الكثيرة من كم المدركات الجديدة .

انه يريد الطفل أن يتقدم بتساؤل ما الذى ظل به به؟ وما الذى رحل؟ هل لازالت الهوية هي هى ؟ وما نسبة الطفل فى أدونيس الاني عند كتابة القصيدة ؟ فالشاعر منتَج طريقة تفكيره وطريقة تأويله وطريقة الرؤية بعيون كثيرة شتى ، منتَج هذه الجدلية بين الذات والاخر الذاتي ، الاخر الذى هُمِش فى الداخل لأنه لازهايمر دلالى بفعل التكوين الإنساني .

وفى قصيدة أخرى له بعنوان ” أغنية إلى الطفولة ”

يقول أدونيس ”

للطّفوله ،

تشرق الشمس خجوله ؛

في خُطاها يَصغر الكون الكبيرُ

ويضيق الأبدُ ،

فلها الأرض غطاءٌ سَرمدُ ،

ولها الدنيا سريرُ “.

يتحدث أدونيس هنا عن  الصدمة التى تصيبنا جميعا ، صدمة لحظة الانفصال عن الطفولة والتى تنهار فيها كل الطوباوية المخلوقة من جراء العذرية الفكرية . الشاعر لا يتخلص منها أبدا لأنها كماشة قريحته فالطفل كل شىء له فى الكون ، كل شىء يمكن اللعب به وبخطواتها تندثر هذه الخاصية الاساسية وهذا الانفصال يُحدث اغترابا كبيرا كونيا فى الشاعر ولغته ويزحزح المطلق من الوجداني إلى العقلي قليلا ففى بدايته كتب أدونيس قصيدة ” صلاة إلى الضيعة ” وهذا جزء منها يدلل على الذاكرة الطازجة للتكوين المكانى والزمني له والتفريد لها فى داخله  ” .

ضيعتنا تبكي ففي دمها

يغتسل المحل

وتلها الاجرد والسهل ،

ضيعتنا تبكي بلا جفن

مصدورة اللحن

تقول هدمت فمن يبني ؟ ” .

فى حديث لأدونيس يقول “حنيني إلى الطفولة مزدوج وله وجهان .الوجه الأول أنه حنين من لم يعش طفولته قط . بل أنه حنين من شعر بأنه ولد رجلا منذ البداية .لأننى،  منذ طفولتي ، كنت اعمل في الحقل .اشتل واحصد وازرع وتشارك أهلي فى قطاف الزيتون .مباشرة ، منذ طفولتي ، شببت كواحد من الناس العاملين في الأرض .لذلك لم أشعر بطفولتي كما يشعر بها ، تلقائيا ، الأطفال غيري .ان حنيني ،اذا الى حنين شخص لم يعش الطفولة كما يعيشها أطفال اليوم ، او حتى كما كان يعيشها أبناء الناس جميعهم تقريبا .او كما هو متعارف عليه عن معنى الطفولة . ”

 

ربما هذا الاغتراب هو مكوِن أساسي إضافي إلى أنواع الاغترابات الأخرى عند الخالق  للحاجة للتعبير. وعزز الاغتراب  المجاز والصور التى يعتقد الخالق أنه هى ، الصور الكثيرة جدا ، التأويلات الذاتية من العقل للأنا  ، والاخر الذى هو أنت ، الاخر الذى ينقسم إلى كل لحظة كنت فيها صورة لذاتك ، فى كل لحظة ماضية ، والصورة التى تكونها فى كل آن ، حتى فى الان أنت تنفرج إلى صور كثيرة ، لهذا الاغتراب حتمي ، ولكنه يزيد عند الخالقين والمتأملين بسبب الاحتواء على الكثير من القدرة على خلق الذات وخلق الصور عن الذات .

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب السعيد عبد الغني

السعيد عبد الغني

شاعر مصري وقاص فقط لا شىء آخر

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: