مقاليدُ اللّيل-غادة الطّيب بلقاسم

img
مقاليدُ اللّيل-غادة الطّيب بلقاسم
لحظة ركوبها القمر كانت المُتنفّس الذي تحط بثقلها وبيومها كلّه عليه، فلَمِن الكثير على الواحد أن يمرّ عليه اليوم بطوله، تختفي في ضوئه السّاهر كأنّها لم تخلق من قبس، تشتعل كشمعة القرابين، والنار من الأعلى تراقصها الاتجاهات ويغالبها لحن صاخب لكنّه حزين.
تلج ذلك الحلم مع حلول كل مساء، تختبىء عن الجميع وعنها، متذكّرة ما شاءت، متفحصّة الأوجه ومفتشة في النوايا، تعصر الأمل والنّغم، مكرّرة في كلّ ذلك شجن القوافي، راكبة بحر القصائد المُخاتلات: هناك، هناك مصرع الوحي وولادة اللّيل البارد ورحم السكون القاتل.
أو هناك أخرى: حيث جِنانٌ من رحمها تنتشر في الدم لتُشيعَ الفرح، هناك حيث ألق النجوم وبهرج السّهر، هناك في فلكِ ما تعيش: نسيَتْ فتعلّمَتْ. في فلوات الزّمن، ترتفع قليلا عن الأرض وعن البشر، تغزِل فكرة تشبهها.
ثمّ..
تحاول فك مجلد قد انفتح أمامها على إثر راحتها تلك، بعيدا عن ضوء الشّموع واحتراق فكرتها، وترحال الفصول. خلف الوقت مباشرة، تشخص سامقة نحو الورق، منكرة ضياع خطّها ورحيل الملح بعينها، وذهاب النظر. لا أعمدة تحمل الكتاب ولا كتابة عليه، ولا رسوم. فقط خيطان رفيعان يؤرجحان ذلك الشيء أمامها، فيفترّ سجرًا.
 
“سِـرْ إنِ اسْطَعتَ في الهَوَاءِ رُوَيداً … لا اخْـتِيالاً عَـلى رُفَـاتِ العِبادِ
رُبّ لَـحْدٍ قَـدْ صَارَ لَحْداً مراراً ضَـاحِكٍ مِـنْ تَـزَاحُمِ الأضْدادِ”
(أبو العلاء المعري)
 
ثمّ..
يضيعُ الصّوت ويبقى المعنى معلّقا: في ما قد مضى
ما الذي قد أفلَت بي هنا؟
ضياعَا بين سنين النّاس أبحث عن عُمر يناسبني
عن ذكريات لتواريخِ فاض بها الرأس
بعد أن اشتعلت الأيّام من صَيحتي الأولى
غُبارًا وحنينًا.
ثمّ..
يجنّ القمر وتحوس الملامح ويختلط الضجيج بالصفير بحقائب الأصوات وأمتعة الأمكنة: هناك ضحكنا وهناك بكينا وهناك تواعدنا على القضاء -و- على القدر. تموج النيران وتُشمَّع الأعمال بعيدا عن اليد: هناك حيث سطوع الشمس وعند ثغرة ما في السّماء سأتلو ما تيسّر منّي على ما تبقى منّي، على هذه القبور التي جمعت أسماء كثيرة في ذات الكيس، على هذا الليل الذي قد أصبح منّي، على “لَيْلَكٍ” فوّاح أراه ينمو بجانب رأسي كلّ مساء. على الوعود التّي أنفض كلّ سنّة الغبار عنها، على حافظة أسراري، على من يشبه دمعتي الخضراء، على المرآة التي أتفحصها كل صباح باحثة عن روحي، على الطين الذي يغذيني وأُنكره .. على ما سأكونه في قادم العمر.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: