الرئيسيّة » قصّة » مفيدة الرقيق  ذاكرة معطوبة : الجزء الثاني 
قصّة

مفيدة الرقيق  ذاكرة معطوبة : الجزء الثاني 

Share Button

مفيدة الرقيق 
ذاكرة معطوبة : الجزء الثاني 
مذكرات ميت . 

حين أخبرني والدي أن ابن عمتي يريد التقدم لطلب يدي للزواج بكيت كثيرا اختبأت تحت الطاولة التي تمسح وسط الصالون ضربت كفي بزجاج قنينة البيرة المنتصبة  أعلاها كانت ردة فعلي غريبة إلى درجة ما …قلت بيني و بين نفسي أن والدي سيصفعني سيضربني بكل ما أوتي من قوة على ما فعلت و لكنه اختصر المشهد بوضع قليل من البيرة المترسبة في قاع القنينة التي كسرت على الجرح الذي توسط كفي آلمني كثيرا يومها …و عندما سألته لماذا قام بوضعها على جرحي …قال لي إنه ألكول يا بنيتي ليس إلا لم يكن يعرف أنني أعرف البيرة جيدا كما أعرف خصلات شعره عينيه الجاحظتين و أنفه الصغير الذي بالكاد يظهر في وجهه ..كانت أمي دائما ما تقول له لو خلقت بلا أنف لكان هذا أحسن ..و كنت أقول لها والدي هكذا أجمل و أنا لا أحبذ أولائك الذين يملكون أنوفا كبيرة بالرغم من كبر أنفي …كنت أنحاز إلى والدي في أغلب الأوقات …رفضنا طلب الزواج بتعلة أنني ما أزال قاصرا و أنني  مازلت أريد أن أتم دراستي …كنت كلما سألني أبي عن مواصفات الرجل الذي أحب أقول له أريده نسخة طبق الأصل منك طباعك صفاتك ضحكتك أنفك الصغير حنانك و قسوتك …كل ما فيك أريد أن أراه فيه ..و لحيتك …قهقه والدي يومها كثيرا …ثم أنهى ضحكته تلك بقولة ما برح يكررها “لن تجدين رجلا كأبيك و لو قبلت الأرض التي تمشين عليها …” و كالعادة أجيبه بعناد إذن لن أتزوج …
يبدو كل شيء هادئا جدا عند الغروب و باهتا جدا يطغى عليه القليل من السواد و الكثير من الذكرى كسواد قلبي تماما …لا شيء يتغير غير عقارب الساعة التي تعانق الحائط ليل نهار و كأنها تقيم  علاقة  حب حميمية معه …وحدها الساعة التي لا تخون الحائط إلا اذا خانها المسمار المتشبثة فيه …السقف ! لنا مع السقف حكايا كثيرة لا يعلمها كلانا …نجتمع و إياه أواخر كل ليل نحكي ما نشاء لبعضنا البعض و نتم آخر حكيينا بزفرة طويلة نقذف بها كل ما تجرعناه من وجع خلال نصف يوم واحد …الطاولة و درج الطاولة فيهن من الأسرار ما لا يعد ! آخر ما خبأته فيها كانت رسالة من رجل لا أعرفه و لا يعرفني ! أظنه معجب بي هذا ما أيقنته ليلة البارحة و لكن عندما نهضت صباحا أدركت أن هذا الرجل ميت منذ ست سنوات ! و أن الرسالة التي قد خبأت كانت نوع آخر من الذكرى حشرتها في قلبي … السرير ! ما يجمعني به شيء مخالف جدا و غريب جدا عوض أن أنام فوقه تجدني أفترش القاع و أغفو تحته إنني أخاف أن يأتي أحدهم خلسة و يقبض روحي …أخاف الموت و أنا على غفلة مني …المرآة نجتمع ساعة في اليوم أضع قليلا من الكحل ثم أعدل أحمر الشفاه خاصتي و أرش قليلا آخر من العطر على رقبتي ثم ألف الشال حولها …بعد ثوان فقط أنظر اليها مجددا أحس بارتباك و خوف شديدين لا أعرف من من بيننا أنا !الشخص القابع وراء المرآة أم الذي أمامها ! أمد يدي قليلا فأعجز عن لمسه يهرب بعيدا أحاول ملاحقته فأجدني أدور حول نفسي بغباء ! الخزانة كلما فتحتها إلا و وقع على عاتقي كم هائل من اللباس من قناني العطر و البيرة الفارغة علب السجائر قطع شوكولا منتهية الصلوحية كتب منسية بعض من الأوراق و الرسائل العشقية … مسكينة هي خزانتي ترثي نفسها بنفسها …النافذة ! مغلقة دائما أكره الضجيج الذي تصدره السيارات و غيرها من العربات أخاف الشارع كثيرا …بما أن غرفتي تطل على الشارع الرئيسي …أفتحها عند الثالثة صباحا لنصف ساعة فقط أتحدث مع الله …ثم أعود لمضجعي !
لا أحد يعرف كل هذا سواي حتى والدي لا يعرفه !  مازلت وحيدة بلا أنيس ! بلا حبيب لازلت في رحلة البحث الشاقة عنه ! و لا زلت أرفض كل من يطلب يدي لأنه لا يحمل مواصفات الزوج الذي أحب !
طلب زواج ثان اختباء تحت الطاولة مرة أخرى و بكاء ثان قنينة بيرة ثانية و لكنني هذه المرة شربتها كلها أجل كلها …كان رد والدي هذه المرة مغايرا لقد صفعني أجل كانت صفعته قوية إلى حد ما… لم يسألني عن أي شيء بخصوص الزوج فقط قال لي :-. أتشربين الكحول !
-أجل و أدخن
-أتمزحين !
-لا إطلاقا…قلت لك مرارا أنني شبيهتك في كل شي حتى تدخينك للسجائر و شربك للبيرة ! مذ أن عقمت بها جرحي شربتها مذ أن أطفأت جزءا من قلبي بسيجارتك دخنت .. أنت لا تفهم يا والدي في كل يوم يتقدم لي رجل لا يشبهك البتة !
لا أريد الزواج أريد أن أظل عانسا .
…العاشرة صباحا أنهض متكاسلة أحك رأسي بأظافري بلغة عامية قحة أقولها “أووف ” يمر شريط الذاكرة أمام عيني بأكمله حتى يقف أمام لحظة شربي للبيرة ! أنهض مسرعة و كأن شيئا ما قد وخزني في مؤخرتي …أفتح الباب بقوة أتجه نحو الصالون أبحث عن أمي و لا أجدها عن والدي و لا أثر له غرفة النوم على حالها مبنية على النظام التام … غرفة المعيشة لا أحد فيها ناديت بصوت عال أمي أبي لا أحد يجيب … في الحمام في المطبخ لا أثر لكليهما …عدت للصالون مجددا …لا شيء غير علبة السجائر و قنينة بيرة فارغة تخص والدي …من شربها يا ترى لقد كانت ممتلئةة حد النصف ليلة البارحة …اتجهت نحو الباب الرئيسي فتحته و رحت أمشي باتجاه غرفة جارتنا “فاطمة ” طرقت الباب فتحت لي ابنتها البكر سألتها عن والداي قالت لي أنسيت ! لقد توفيا منذ ست سنوات خلت !
لم أستوعب ما قالته لي عدت أدراجي إلى الغرفة خاصتنا بحثت مجددا لم أجد أحدا …اتجهت نحو المرآة نظرت إليها …لا أثر لانعكاس صورتي ! …لقد فهمت الآن كل ما حدث قبل قليل و أيقنت أنه كان كابوسا …أنا أيضا قد غادرت هذا العالم منذ ست سنوات …أضغاث جسدي ما تزال تحوم داخل المنزل .! و لكن ما حيرني كيف أجابتني ابنة جارتنا البكر !
هي أيضا ماتت معنا في نفس الحادث …
أوووف

Facebook Comments
Share Button

اضف تعليقا

انقر هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬428 مشترك