مغرب اخر : رسالة الى عبد اللطيف اللعبي

مغرب اخر :

رسالة الى عبد اللطيف اللعبي

أشرف الحساني

عزيزي عبد اللطيف..

عيناك الليليتان، وهما تقران ما أكتب غصن من الزيتون في غربة..

مازلت أتذكر نسيم ذلك الصباح البارد من أيام الصيف بعدما همت العائلة بالرحيل صوب الدارالبيضاء بحثا عن كسرة خبز، انسللت كالريشة بهدوء عبر الدروب الضيقة الزرقاء مخافة من أعين الجيران الجارحة. غصة خانقة كنت أحسها تتصاعد الى الحلق لتزرع في العين دمعا، وأنا أحمل في جسدي هسيس مدينة مستيقظة من العدم و نازحة من أقصى الريح، بوجعها السرمدي وبغنجها الغجري… و بعضا من دواوين لك ولعبد الله زريقة وأمجد ناصر وقاسم حداد وشيء ما خفي في دواخلي يئن… كانت السماء جد زرقاء في ذلك الصباح الرهيب . و الحافلة تمخر عباب الطريق المنهدة و دقات قلبي تسبق يدي الى المحفظة وكأنها تبحث عن كنز. صرت أقرأك في صمت دون أن أحفل بالوجوه البهلوانية التي كانت تحيط بي، ومع كل بيت شعري أقرأه كان طيفك يترائ لي في السماء مبتسما. .

لا شيء يمنعني اليوم صديقي من الحكي اليك وبلغة شفافة مباشرة لا تداهن أحدا ولا تبتغي لنفسها شيئا أو طمعا في شهرة مصطنعة أو ضوء ساطع يكشف عريي في الأقبية، انه مجرد كلام و بوح صادق عن بقايا الخيبة و العهر فينا عن ما ال اليه هذا المغرب اللاثقافي منذ التسعينيات الى اليوم..

لقد أثارني حقيقة بشدة ما كتبته في كتابك المتوهج والصريح ” un autre Maroc ” لقد جعلتني أحلم بعد أن فقدت القدرة على الحلم، كان بامكاني هنا أن أكتب مقالة نقدية عن الكتاب، لكني اثرت ان أكتب لك بلغة البوح والحنين الصادق عن ما يعتصر في قلبي منذ سنوات.. عن ما الت اليه جامعاتنا المغربية اليوم، التي باتت تشي بنوع من القحط الثقافي، اذ أصبحت تعيش اليوم على ماضي أمجادها ممن أتعبهم البحث وأفقدهم المرض القدرة على الكتابة والتنظير فعانوا لوحدهم في صمت رهيب. من يتذكر اليوم محمد عابد الجابري بابتسامته العريضة وعبد الله العروي بنظراته العميقة وعبد الكبير الخطيبي وطه عبد الرحمان وعبد الفتاح كيليطو ومحمد سبيلا وعبد اللطيف اللعبي وعبد الله زريقة  وغيرهم، كل هؤلاء في نظري أسماء لامعة طبعت الثقافة المغربية انطلاقا مما كتبوه من نصوص و بحوث ودراسات نظرية وازنة خرجت من رحم الجامعة لتخترق جسد الثقافة المغربية ومنها الى العربية انتهاء بالعالمية، بل ومازالت تحفر مجراها عميقا في التربة الغربية باحثة لنفسها عن قراء جدد، اضافة الى حجم البحوث والدراسات التي تكتب اليوم عنكم سواء داخل البلاد العربية أو خارجها، وهو الأمر الذي ينم عن نجاعتكم مما خلقتموه من دينامية ثقافية داخل الجامعة المغربية بنقاشاتكم وارائكم المحمومة الى الدرجة التي جعلت النظام المخزني يتدخل دوما لاطفاء الحرائق التي كنتم تنشبونها ببراءة بين الطوائف الأيديولوجية التي لم يكن سببها المال طبعا، بل اختلاف الطروحات الفكرية والايديولوجية، خاصة بين الطوائف اليمينية الرجعية وبين حركات التحرر التي كنتم تتبنونها كيساريين داخل الجامعة تحت لواء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. أين نحن اليوم من هذا الزخم الفكري الذي دشنتموه داخل الجامعة المغربية وما لعبتموه من أدوار طلائعية في تأسيس الثقافة المغربية المعاصرة المنسلة انذاك من ربقة المستعمر لتسقط في أحضان ثقافة تقليدية رجعية مازلنا نعاني من ويلاتها الى اليوم .

عزيزي عبد اللطيف..

لا عيب في أن نحلم، لكن الحلم جميل وعسير..

اليس صحيحا أن المثقف الجامعي بما كان يمثله آنذاك من سلط معرفية / رمزية لم يكن معنيا بالتدريس والتلقين فقط، بل كان همه هو البحث العلمي وخلق نقاشات ساخنة داخل الجامعة واجتراح مشاريع أدبية و فكرية وأنثروبولوجية وسوسيولوجية تبناها جيل السبعينيات بقوة وسوغ لها وكتب عنها وعرف بها مغربا ومشرقا كفريد الزاهي ومحمد بنيس وموليم العروسي ومحمد برادة ونور الدين أفاية ومحمد البكري وعبد الله راجع وغيرهم، لما تبدى فيها من جرأة وتنوع وخلخلة للمألوف الذي طبعته الثقافة التقليدية. ما يحدث اليوم داخل الجامعة المغربية هو اجهاض كلي و عن وعي لما كتبتموه من مشاريع شعرية و فكرية التي دشنتموها بألم، بمجرد أن يموت الشخص حتى تقام عليه الولائم التافهة بما يدعيه أصحابها من ثقافة وفي المساء الحزين من نفس اليوم يصير فلان كأنه لم يكن يوما بتعبير درويش، فيصير مشروعه الفكري محض خرافة و هباء..

عبد الله العروي، عبد الكبير الخطيبي، محمد سبيلا على سبيل المثال لا الحصر، كل هؤلاء مفكرون فطاحل نمت مشاريعهم وترعرعت داخل الجامعة وان اختلفنا معهم في طروحاتهم، بل و تتلمذت على أياديهم كوكبة من الأسماء الطليعية في الثقافة المغربية من جيل السبعينيات والقلائل جدا من جيل الثمانينيات، ناقلين لهم عدوى البحث والاستقصاء والكتابة والابداع، فلم يجعلوا من الجامعة مكانا للتدريس فقط، بل فضاء رحبا لانتاج الأفكار  وابتداع المفاهيم الأدبية والتاريخية والسوسيولوجية ومساءلتها نقدا وتفكيكا داخل جملة من الندوات التاريخية التي أقمتم بالرباط وفاس، والتي وصل صداها الفكري الى الأجيال اللاحقة، بل وحتى اليوم مازالت مداخلاتها تتداول داخل الجامعة المغربية بالكثير  من الرتابة الاستهلاكية سواء تعلق الأمر بالدكاترة أو الطلبة . وفي الوقت الذي أجدك تحاضر مشرقا ومغربا وتكتب وتحاور، أجد فيه رهط من الجامعيين عندنا جعلوا من الجامعة منزلا أبديا لهم ومكانا للراحة و الاستراحة بعد تعب السنين من الدراسة و للاسترزاق لا للبحث العلمي، فصفة الببغاء التي اعطيناه إياها ذات مقال (وهو يستحقها عن جدارة) ليس غايتها التجريح والتذميم بقدر ما هي تشخص عطبه في كيفية اكتساب المعرفة و تبادلها على شكل صور مشوهة في احايين كثيرة، وأيضا عن  وضعه المزري داخل الجامعة لاكتفائه باستهلاك المعرفة عوض انتاجها، بل ان جل ما يجيده فعله هو اجترار معتم للمفاهيم والنظريات، التي دأب على ترديدها منذ تعيينه بالجامعة لأول مرة .

عزيزي عبد اللطيف..

أكتب اليك لأداري بعضا من حزني..

المثقف الجامعي أو ما أسميه بالمثقف الببغاء، هو عبئ اليوم على الثقافة المغربية المعاصرة بتاريخها الجريح، فقد أصبحت الجامعة بسببه اليوم تعيش على ماضي هذه الثقافة، التي ليست هي نفسها الموجود اليوم، اليس دور المثقف الجامعي هو انتاج المعرفة عوض استهلاكها من أفواه و الطلبة وما يقومون به من بحوث ودراسات في نهاية السنة أو فيما يسمونها ببحث التخرج، الذي هو عبارة عن عملية تقطيع وتلصيق من المواقع الالكترونية الباهتة. أضحت الجامعة اليوم تنتج لنا طلبة معاقين ذهنيا ويعانون من فقر دم الخيال. الشعر و التشكيل والسينما وتاريخ الفنون عموما بمفهومها الأرسطي الواسع أشبه بالحلقة المفقودة داخل الجامعات المغربية، مختبرات مشوهة فارغة من الفن والجمال .

فقد نجحت الجامعة المغربية اليوم في انتاج انسان الي لا يحلم، بل هي امتداد عميق لسياسة الاستكلاب والاستحمار التي بات ينهجها المغرب على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، والتي تروم الى خلق انسان هش، الي، لا يفكر ،ولا يرسم، ولا يغني نشدانا للحياة، انسان لا يعرف قيمة الفلسفة والجمال والشعر وما تحدثه هذه المواد من ارتجاج ورعشة تدب في الجسد و ما تمارسه علينا من سحر وتجميل لحياتنا الرتيبة وما تفرض علينا من أسئلة وجودية قلقة عن ذواتنا و أيضا عن الاخر الذي أصبحنا نعيش فيه ويعيش فينا، بل كل ما يعني الجامعة المغربية اليوم هو أن تخلق انسانا شبيها بالفرد الأوربي قبل عصر النهضة، الذي نشأ و ترعرع في الظلمات بين أحضان الكنيسة، و الذي ظل يعيش في كنفها ويقتات من سراديب أفكارها المعتمة، أليست الفلسفة هي من حررت ذلك الكائن الأعمى من جبروت الكنيسة وما كانت تمارس عليه من تضليل، فأخرجته الفلسفة من سراديب التاريخ ليعانق رحابة التفكير أدبيا وفنيا وفلسفيا ابان ما سمي بعصر النهضة ؟

ولم أستغرب قبل شهور من قرار نسف الفلسفة من الباكالوريا الدولية وتعويضها بمادة التربية الإسلامية، فهو قرار  يأتي من ضمن القرارات المفزعة التي بتنا نشهدها يوما بعد يوم ابان حكومة العدالة والتنمية التي يترأسها سعد الدين العثماني، باعتبارها امتدادا مزمنا للحكومة المعطوبة السابقة التي كان يترأسها عبد الاله بنكيران، و التي سيشهد التاريخ لا محالة هذه المهزلة التي ابتدعتها باسم العلم والمعرفة والإصلاح الهدام، تتحمل اليوم جميع المسؤوليات الجسيمة التي ألمت بالتعليم العمومي، بل تعتبر أول حكومة في تاريخ المغرب التي استطاعت أن تتحدى المجتمع والتعليم المغربي وأن تفرض نظاما مجحفا يخضع بموجبه الأساتذة داخل وزارة التربية الوطنية للتعاقد القابل للتمديد مدة سنتين أو الطرد أيضا في ان واحد.. نجحت الدولة في ضرب الجامعة العمومية بكل أطرها وطلبتها، لأنها أحست في لحظة ما بخطرها وما أصبحت هذه الأخيرة تلعبه من دور ثقافي وسياسي، ابان مرحلة تاريخية شهدت غليانا سياسيا وثقافيا، وحتى يتأتى لها النجاح في هذا الهدم كان عليها أولا ضرب الحركات اليسارية المنتشرة والمتربعة على عرش الجامعات المغربية من تجمعات وخلايا وحركات طلابية تقدمية كان التعليم والقضية الفلسطينية في مقدمة برنامجها، إضافة الى مسألة أساسية في نظري ساهمت في تعطيل عجلة التعليم المغربي ورقيه وهو ادخال ذئب الحركات الإسلامية الى الجامعة، والتي كان الهدف منها أولا وأخيرا هو تكسير شوكة اليسار المغربي والتقليص من وهجه..ثم مخزنته فيما بعد..

ان أي دعوة تدعو اليوم الى إعادة احياء اليسار المغربي، هي دعوة صريحة من صاحبها الى مخزنته وتمريغ ما تبقى من كرامة أمجاده على الأرض .

 لا يحزنني واقع الجامعة المغربية اليوم، بقدر ما يحزنني الرفاق الذين رحلوا بعد أن قاسموكم كسرة خبز حافية في مستنقعات باردة وسراديب مظلمة، وهم يحلمون بمغرب ” أفضل ” ( كم ترهبني هذه الكلمة ).. فضلا عن النساء اللواتي فقدن أبنائهن و بعثن برسائل الى سجون ومعقلات مجهولة..

صديقي عبد اللطيف..

لقد تقرح قلبي وأنا في زهرة شبابي بتفاهة وعفن المرحلة و بأسئلة جد قاحلة..

عزيزي..

لم يعد هنالك شيء أجمل من الصمت والحلم..

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.