معاناة المرأة من العنف المنزلي في زمن الحجر الصحي

img

تيسير النصراوي

معاناة المرأة من العنف المنزلي في زمن الحجر الصحي

 

تناضل الدول في شتى انحاء العالم بكل ما تملك من قوى علمية وعملية للقضاء على الفيروس المستجد كورونا وبينما نتحمس جميعا للتغلب على جائحة هذا الفيروس فلا يجب ان ننسى النساء الاتي يحملن على عتقهن جزءا كبير من هذا الحمل. فبينما ينظر الى العزلة (او ما يعرف بـالحجر الصحي) على انها واحد من أكثر الطرق فعلية للتصدي لانتشار الفيروس فهو يعتبر تحديا كبيرا للواتي يعنين من العنف المنزلي، فالتباعد الاجتماعي يعد من الجانب العلمي جيدا لتجنب الخطر في حين انه يسلط الضوء على خطر من نوع اخر يكون ضحاياه النساء المعرضات للعنف في الفضاء الخاص.ففترة الازمة التي نمر بها،والجو المثير للقلق والحبس المنزلي تولد ارضا خصبة للعنف الزوجي داخل الاسرة.

ولكن هذه الظاهرة تجعلنا نسأل ونبحث عن البؤرالمولدة لهذا العنف خاصة في هذه الفترة الحساسة؟

العنف المنزلي هو أولا كظاهرة اجتماعية فهو يتميز بتاريخ حديث من التغيير الاجتماعي السريع في الممارسات الزوجية. وتكمن المشكلة في المقام الأول في عنف الرجال ضد النساء، وتعرض نسبة كبيرة من النساء لهذا النوع من العنف البدني والجنسي. كما غالبًا ما تكون الإصابات الجسدية شديدة وقد تعاني النساء من مشاكل صحية وعاطفية مستمرة. ويجدن صعوبة في ترك علاقة عنيفة بسبب التهديدات، ونقص الدعم. ناهيك وان التفسيرات السوسيولوجية توضح تفاشي هذه الظاهرة بسبب الهيمنة الذكورية وتوغلالنظام الابوي في المجتمعات التي تعاني من هذه الشائعة. فتذهب عالمات وعلماء النسوية الى ان خصائص العنف المنزلي متجذرة في الجنس ومحاولات الرجل النشطة للحفاظ على الهيمنة والسلطةوالسيطرة على النساء.

ولتعزيز فهمنا لأسباب العنف المنزلي خاصة في هذه الفترة فسأعمل على الخصائص الظرفية التي ادت لعزلة الزوجين وما يمكن ان ينجم عنها من تفاقم للعنف ضد المرأة تماشيا مع ميكانيزمات علم الاجتماع حول النظام البطريركي. فمن البديهي ان نفهم الظروف القاهرة التي نعايشها والتي دفعت بنا جميعا للمكوث في المنزل لمدة طويلة والمتمثلة في تجنب التواصل لضمان السلامة من نقل عدوى الفيروس،ولكن يبدو ان البعض غير مقتنع بمكوثه في الفضاء الخاص. فضلا عن ان هذه العزلة اصبحت تعري علاقات القوة بين الجنسين وأصبح للرجل وقت كاف ليلاحظ الامتيازات التي تتفوق فيها المرأة على الرجل وبمأن العنف خاصة العنف المنزلي يعد جزءا من الضوابط الابوية التي تخدم الرجل في الحفاظ على تمركزه ومصالحه فهو اول وسيلة يلجأ اليها الرجل لإبقائه في علاقة هرمية مع المرأة يكون هو في راس الهرم وهي في القاع، فهذا الأخير (العنف) يستخدم لاستعادة الشعور بالقوة وتلذذ طعم السيطرة والاستبداد.زد على ذلك ان هذه العزلة قلصت من قوى الرجل الذي كان يعيش دور المهيمن باعتباره يتردد بين الفضاءين الخاص والعام لكن هذا الحجر قلب الأدوار جعل منه يحس بخسارة موقعه وامتيازاته فالضغوط الابوية تجعل من الذكر يلجأ الى العنف لحظة ملاحظته الخسارة او الضعف امام المرأة. وكأن المرأة كائن محصن ضد الضغوطات النفسية وهنا نجد أنفسنا خارج الصورة النمطية للمرأة كوعاء لإفراغ الجنس فتصبح في زمن الحجر الصحيوعاء لإفراغ الضغوطات والعقد النفسية للرجل. فكأن قدر المرأة ان تحظى دائما بدور الضحية وتحصل على الأدوار الهامشية ليس فقط في المناصب الاجتماعية والسياسيةوالاقتصادية بل حتى في الأوبئة لكيلا تبلغ مكانة الرجل.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: