مسوّدة النَغل الثقافي-محمود عواد

395

*مسوّدة النَغل الثقافي-محمود عواد

 

(الخيال = طا طا )

مضى الوعي منذ مشاربه الأولى  منطوياً تحـــــــــــت مسميات مخـــتلفة في اللــــــون والشكل ,تتفــــق في المـغزى .

ظل في دوامتها الوعي يراوح مكانه حـتى أكلت أَرضَة التوجهات والتـبني عصاه الــتي ادخرها إلى شيخوخته الشابة

بعدم تصديرها أفكار الأُبوة الأيدلوجية = الصنمية لأسماءٍ تسعى إلى الهيــمنةِ الكهنوتية عـلى ذهنية الآخر , على أنّها

تجربة تحمل من الوعي ما يمنحها القداسة والتبجيل.والمراهنة على هذا جَــذّر ضرورة الإيمان بعقلية التصنيم, مُشكّلةً

حواجز  قائمة على اصمات الأسئلة  في ذهابها نحو صناعة آلهة ثقافية لا تعتمد المثاقفة كممارسة أدائية, والأخـيرة في

وجـودها ستضخ زخماً معرفياً ,تكون مراميه مصفاة مــن أطيانِ الهالةِ الحاملة لعدوى التقديس ,وكل من يقـف خارج

الطقس الهلـولي أياً كان يكون قد حُقن وعيه بجرعة المُناغلة ؛ وكلما تضاعف عــدد الجُرع أصبح أفق المناغلة مفتوحاً

باتساعٍ يمنحهُ فـــرصة الحـظوة بِوصمة التنغيل الثقافي , وهذا لايتم بغـــير الانفلات من خيمـــة  الرعاية والتبــــني

وبمجرد انضام المثقف لكنف الأُبوة , سيفقد كينــونته التي لو تحققـت بأعلى مستـــــــــــــــــــــــوياتها التناغلية

لمضى المثقف نحو تأسيس ذاته المنتجة لتنغالات تَجهر بموت الآباء المشــروع الــذي نادى بضـرورته جورج حنــــين

في بياناته عن سرياليّ مصر , ومن يـــكُ بلا أب سيحمل نوط التنغل المعرفي , وثمــة ميزة للنغل المعـرفي أنه ينــتصر

لذاته بتحريرها من أشكال التقديس ويُشابه العاهرة بتعامله مع المحيط الثقافي ,فالعاهــرة ليـس برأسها مـن الـزبـون

مايُقدسه سوى مايَبذل تكريماً لجسدها , وما أن يغادر تنسلخ منه وكأنها لم تــصدفه ولاتعـرف أدنى التفاصـيل عنه.

والنغل الثقافي المعرفي أقصى مايراوده حراسته لذاته المنفلتة من تسلل القالبية نحوها,ويـؤمن بأن اللحظة هي الزمــــن

الحقيقي لتلقي الفكر وماقبلها وبعدها قطعٌ يقيني, يضع التفـــــــــــكير على خط  القداسة الزمنـية,والزمن يـــؤدي

 إلى فرض القالبية بصناعة طوطمه الأيقوني , الذي سيترك مهيمناته على المعاصرة بسلطة قامعة لمشــــــــروع التناغل

وكل هيمنةٍ مهما كانت ستمثّل العدو الموارب للمناغلة . ويبدو أنّ مـن يتبنى عداوتها  يسعــى إلى تخنيث دمــــــاغه

بتنشيطه حضورية الرابط  المرحلي  الذي من دونه لامجال لتأكيد وعيه . أمّا النغل الثقافي المعرفي فيُنتج ذاته بانحراف

النداء التفويضي للآخر المرحلي حتى اللحظي , ولـو تابعنا الآثار الفكرية والفنية سنجد المناغلة بـــــــــــدأت أولاً

بتــــــفعيل البصاق شطباً للسيـاق القَــداسي من الثراث المعرفي , وأكثر من طوع بصاقه بوجه الأسلاف ماجــاءت

به الدادائية ومن ثمَ السريالية متأثرةً بها . فشيركو ودالي وميرو وآرنسـت وهانز وشوترز وبيكابيا ومـــــــــارغريت

….. إلخ , غايروا بفضل إعلان موت تراث التشكيل , ومغايرتهم يمكـن عدّها أوعى مناغلةٍ تشكيلية ,وفي المسرح

لحظنا من ناغلوا على مستوى التنظير والتطبيق , ومنهم آرتو الذي راح ضحـية فرادة عبقريته وآل به المـصـــــــير

نحو المصحة التي شكلت تاريخ عذاباته . ومايرهولد وكريج وبروك , وعلـى مسـتوى الاشتغال الأدبي تحــــــققت

المناغلة الروائية والشعرية بصيحات تجديد الرؤيا في الكتابة , وبيكت الروائي وغـروب غريه وهاندكة وميـــــــللر

يجوز عدّهم مناغلو تحديث , باشـــــهار بصاقهم على التاريخ الكتابي للرواية بدءاً مـن تولستـوي وصــــــولاً إلى

تشيخوف ودستوفسكي وغوركي وهيجو , إذن هذه هي ثمار المناغلة , وأرى أن الشــرط الكوني للرؤيا الكـــــــونية

لايتحقق خارج دائرة التناغل , لأن الكون اليوم يعيش لحظات منفلته بكل ماتحمل هذه الكلمة من تأويلات والانفلات

ذهاب نحو اللاقداسة ,وكل ماهو خالٍ من القداسة يُنعت بعدم احترامه الأصل و فقدانه تالياً .وقد تنوعت المناغلة

بتنوع الوعي,فثمة مناغلةٍ تاريخةٍ وأخرى لاهوتية وفلسفية وأدبية,وتنوعها أتى تماشياً مع تنوع ظاهرة الأُبوة والبنوّة

على سواء ,فدوبري مثلاً يمتلك مناغلة أيدلوجية ,تكللت في انسلاخه من المنظومة الماركسية ويحــــــق عدّ مناغلته

تأريخية أيضاً ,كون الماركسية تحوّلت إلى منظومة أُصولية ,والأصل هو اللافتة الصريحة للتاريخ , والحال مشابه مع

 فوكوالذي مَثّل الممارسة الأصرح لمن ينطبق عليهم التناغل التأريخي,وما كتاب تأريخ الجنون إلاّ شاهــــــدٌ أصيلٌ على

تناغله. أمّا دريدا فأستطيع وصفه بدولاب التناغل الفكري المعاصر ,حــــــيث اللاحسـم = اللاجزم = اللاقــــطع إلاّ

لمواصلة التفكيك فهو المُصرح بأن الكتابة رغبة في اليُتم بحسب ما أشار في أحدى محاضراته أنّ ضرب الهامش بالمـركز

سيولّد منـطقة آخرى وتلك المنـطقة بضربها ستعطي منــطقة وهـكذا نحو بداية النهاية . وفي السينـما برز وجه التناغل

 السينمائي بجهود تجارب أصّلت انفلاتها بـــــرؤى إخـراجية وكتابية , رفــع الوعي لمضامينها قبعته إجلالاً ومحبة

لمنجزاتــها الحراكية فها هو هيتشكوك إلى الآن يعدّ صاحب الرؤيا الجـديدة في أفلام الكابوس ,وطبعاً إنه لم يستطع حفـر

 اسمه في دماغ المستقبل لولا إمتصاصه المناغلة ,لكن مستقبليته لاتعني اختصار الزمن السينمي برؤاه,وهذا يعني تصنيماً

للاخر.إذن غياب المناغلة سيوقع بالوعي وتأكيد ممارستها يأتي بمقام المنشط الماركه لانقلابٍ معرفيٍ على تراثيات النتاج.

وهنا أقول من لايجازف بقــــــتل أسلافه سيُدفن بتعظيمه لهم حينها يكـون قـــد ألقى بدماغه في قبر منزوع المشاهـدة,

على عكس النغل الثقافي المعرفي سيمتد على خرائط الوعي قبوراً فسسفورية , يصل بهاقها الأفق محرضاً على دينامــية

موته الحي , ومقوّضاً الهالة بانشطارات انخسافيةٍ تعري الأشعة مــــــن أزليتها ليعود معاصراً بحدثٍ يفك غــــشاوة

كائن اليوم القابل للتعدد مابعد الكوني .

Facebook Comments



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *