مزيج رائحة القهوة والتاريخ في عندما ياتي المساء لفاطمة المزروعي  

img

مزيج رائحة القهوة والتاريخ

في عندما ياتي المساء [¹] لفاطمة المزروعي

 

أحمد ضحية*

 

في هذا النص الذي تمتزج فيه رائحة القهوة برائحة التاريخ، تقودنا فاطمة المزروعي، بين زقاقات حي شعبي، يعج بالحركة والنشاط، من خلال شخصية راويها، الذي تقنع ”بقناع المذكر“ كيما يحصل على مزيد من الحرية يقتضيها النص،كالجلوس في مقهى شعبي يمور بالحياة، بصحبة رجل غريب.

”إن مفهوم الفضاء في السرد واحد، لكنه يتخذ أشكالا متعددة، فهو الفضاء الجغرافي بلغة بورنوف، وهو الفضاء النَّصي، عند ميشيل بوتور، وهو الفضاء الدلالي كما يسميه جيرار جينيت، ولكنه في التحليل النهائي، رؤية تشكل صورَّة متكاملة نسميها (الفضاء)“[²]

وعلى ضوء هذه الخلفية، لنا أن نتوقف قليلاً عند رصيف دلالتي (الزقاق) و(المقهى)، فالمقهى هو المكان الذي يلتقي فيه  الناس، بمختلف مواقعهم في تراتبية سلم القيم الهرَّمي، يتبادلون الأخبار، وتتخلل رشفات الشاي والقهوة حكاياتهم.

وهو مواز للفضاء الخاص (البيت)، والمقهى كـ(مكان عام) لا يشترط فيه أن يكون رواده من سكان الحي، أو المكان الذي ينهض فيه هذا المقهى.

من خلال المقهى، نطالع وجوه بعض زبائن المقهى. والعابرين من أهل الزقاق، فرواد المقهى وسكان هذا الزقاق –هم من البسطاء، الذين تنهض على عاتقهم صناعة الحياة، فهم وقود التاريخ– ماهم سوى انعكاس ديموغرافي لنمط الحياة في هذه المنطقة الشعبية.

ومن خلال هذه العلاقة التفاعلية بين المقهى كفضاء عام، والزقاق كفضاء أكثر عمومية ورحابة، تتشكل الفسيفساء المبعثرة لحياة ”شعب هذا الزقاق“ وموقعها من موقع ”بنية المراقبة“ من الرجل الغامض، الذي داوم على الجلوس أمام المقهى، يقلب في كومة جرائده القديمة.

فنمضي مع الراوي في زمن تعاقبي، داخل دائرة زمنية دورية، يحاكي زمن الواقع ولا يحاكيه، في رصده لحركة الناس والحياة. لنتعرف على مشارف المساء على، حكاية هذا المقهى القابع في زقاق أحد الأحياء الشعبية المهملة، التي يمر بها التاريخ عفو الخاطر.

أن فاطمة المزروعي باختيارها لهذه التيمة المركبة، في نص قصصي قصير، إنما تصارع من خلال تطوير أسلوبها وآلياتها، كما تجلت في المجموعة –”وجه ارملة فاتنة“– بتوظيف تقنيات السرد الحديثة، لنقل تجربة شعورية عميقة الدلالة.

تجربة مسكونة بالأسئلة، يشعر خلالها القارئ، على النحو ذاته الذي يشعر به الراوي، تجاه وضعه الوجودي، وتجاه رجل المقهى والحياة التي حوله. ليس كشاهد أومراقب للأحداث، من موقع العابر اليومي للزقاق. بل من موقع المشارك في صناعة الحدث السردي، فالراوي في نهاية النص، يحل محل المروي عنه ”رجل المقهى المختفي“.

هذا الرجل بمثابة شخصية مركزية في النص ”رجل المقهى“ يؤسطره الخيال الشعبي، فالمجتمع بطبيعته يتوجس من المجهول والغامض ”في البداية كان أهل الزقاق ينظرون إليه بحذر، يتفحصون ملامحه التي أصبحت مهددة بالخريف، يحاولون التوغل إلى عينيه الحادتين، محاولاتهم تفشل، كثيرون جازفوا بالاقتراب منه، تحدثوا معه، سألوه عن كومة الجرائد التي ينهال عليها بالقراءة كل مساء، فلا يتلقون إلا تحرك شفتيه برنين متصل، بكلام غير مفهوم“

فالراوي يحل محله مالئا فراغ المكان والزمن. ما يحيل إلى القارئ ليحل محل الراوي هو الآخر وهكذا دواليك: (رجل المقهى›الراوي‹›القارئ). فالقارئ غير المسمى، بموقعه غير المحدد في الزمان والمكان يعادل المروي عنه (رجل المقهى=القارئ)، هذه العلاقات الجدلية الخلاقة، التي انطوى عليها نص ”عندما ياتي المساء“ هو ما عنيناه باعتناء فاطمة المزروعي، بتقنياتها السردية في اختيار هذه التيمة الخصبة، الغنية بالاحالات.

ونحن نتوغل في أقبية هذا النص، دافئ اللغة ونتجول في دهاليزه، على ضوء شموع المساء المتراقص، في دلالات العنوان، لا نفتأ نتساءل عن هذا الرجل، الذي يجلس إليه الراوي الطفل، أهو شخصية حقيقية في واقع النص، أم أن الطفل يتوهمه، مثلما توهم  الناس وجوده بينهم.

الراوي المتكلم المذكر، يتلاعب بذلك الخيط الرفيع، الفاصل بين الواقعي واللاواقعي، بين الحقيقة والخيال. ويرمي بنا في لُجة نوع خاص من التخييل، لا يتميز عن الواقع. فمن خلال تفاعل الانسان مع المكان تتدفق الحياة، وتأخذ الأشياء معناها ودلالاتها.

أن دلالة (المساء) تخضع لجدل الآليات السردية، إذ تحيلنا إلى تساؤل: ما الذي سيحدث بمجئ المساء، كدلالة على بداية النهاية للنهار، بكل ما يحيل إليه من الرَّمق الأخير للحركة والنشاط، اللذان يفضيان بنا إلى الغرق في لجاج الليل وأشجانه.

يقدم لنا الراوي الحكاية، عبر رصده لوقائع الحياة في هذا الحي الشعبي، يتتبع خلال ذلك مسار حياته (هو) منذ الطفولة، فينطوي هذا المسار على مسار آخر، يتعلق برجل المقهى، الذي يداوم على الجلوس بين جرائده، لكن الحكاية لا تنتهي هنا.

يسعي هذا الطفل إلى تتبع سيرَّة حياة هذا الرجل الغامض، فلايحصل سوى على اللحظة الحاضرة، فالماضي مجهول تماما، لكن الحاضر يكشف عن امتدادات في الماضي. أي ”تحيين الماضي“ ضمن طراوة الحاضر.

يعمل هذا الرجل الغامض، على تطوير وعي الطفل وادراكه. فهو رغم وجوده الطيفي كفاعل في النص، إلا أنه حاضر بقوة ضمن البناء السردي، لا كـ(قارئ جرائد قديمة، بل كقارئ للنص)، فالنص يمتص (حكايته الغامضة–حكاية القارئ)، ويشيعها في مناخه المسائي، المزيج من رائحة القهوة والتاريخ، والأصوات المنبعثة من المقهى والناس في هذا الزقاق، زقاق حياتنا.

الزمن في هذا النص أشبه بساعة رملية، إذ يبدأ في (طفل جديد آخر) يتخذ المسار نفسه، الذي اتخذه الطفل الذي سبقه، فيكبر ويحل محل ذلك الرجل، الذي تتلمذ على يديه، فينقل معارفه إلى طفل آخر في هذا الزقاق، وهكذا دواليك يستمر رمل الساعة، في امتصاص ماء المعرفة جيلاً بعد جيل، ليمنحها في اللحظة الحاضرة، التي تستشرف المستقبل، لطفل جديد.

ترى ما الذي كان يحسه ذلك الرجل الغامض، من (بنية موقعه المعزول) وسط الناس كجزيرة غامضة في أرخبيل من الشكوك والهواجس والظنون.. حولها جزر الناس والأزقة وهذا الطفل، الذي يحاول مد الجسور، بين هذه الجزر المعزولة في أرخبيلها الرَّملي.

ترى ما هو مقدار الألم، الذي حصل عليه هذا الرجل، ليختار هذا الموقع السردي المعزول، يراقب من خلاله عزلة الناس والمكان، ونصيب كل منهم من الوجع والحياة والمسرات والأحزان.

ترى هل كان هذا الرجل يشعر بما يحسه هؤلاء الناس حوله، بهمومهم العامة والخاصة، أم أنه اكتفى بمراقبة الحاضر، من خلف الأخبار اليومية في جرائده القديمة، تلك الأخبار التي تمتد في لحظته الراهنة، وتشكلها كبديل لزقاق الحاضر.

هل اكتفى حقا بقراءة جرائده القديمة، واختفى فجأة مثلما جاء فجأة، هكذا دون أي أثر! كقارئ لنص، يزول ما يخلفه من انطباع، في السطر الأخير، بعد أن حصل على الاجابة!

ينفتح هذا النص بقوَّة، على فضاء واسع من الدلالات، يمنحها الزقاق كقناع تختبى خلفه الحياة بصناعها وضحاياها. بثرثراتها ونميمتها وأساطيرها وأخبارها القديمة المتجددة، وخيباتها، وانتصاراتها وهزائمها، حيث يتوقف الزَّمن ليكمل دورته في النقطة ذاتها، التي سرى منها، فالبداية هي النهاية نفسها. مصير مرعب ومخيف!

إن رحلة الراوي اليومية عبر الزقاق، من وإلى المدرسة، كعتبة أولى في سلم (العلم)، ثم من وإلى الجامعة (قلعة المعرفة)، فالعمل كمسرح للحياة الواقعية (صناعة المستقبل)..

هذه الرحلة يتم تصوير مشاهدها، بعدسات السرد، وهي تنتقل بطريقة مشابهة لعدسات آلات التصوير في السينما، في حركتها داخل الزقاق..

وحركة الحياة  والناس، وأفعالهم وردود أفعالهم، تجاه ما يحدث حولهم، وغيابهم الفاجع في التاريخ، فهم لم يحسوا بوجود هذا الرجل، عندما جاء للمرة الأولى!

كما لم يحسو بغيابه عندما اختفى!

كما لن يحسوا بحلول الراوي محله، ليملأ مكانه الشاغر! الذي خلفه في هدوء وصمت!

فهل سيحسون بذواتهم وهم يحلون محله، لا من موقع قارئ نص فاطمة المزروعي، ولكن من موقع قارئ نصوص الجرائد القديمة!

فكاميرا الراوي لا تلتقط المظاهر الخارجية السطحية، لحياة أهل هذا الزقاق، وإنما تتعداها إلى الأعماق الداخلية الخفية لسكان هذا الزقاق، فتكشف لا مبالاتهم.

يتكون هذا النص من شخصيتين بمثابة زمنين: الزمن الأول هو ”الماضي المستمر في الحاضر“ ممثلاً في رجل المقهى”هناك على مقعد خشبي تراه جالسا، في أواخر الخمسين من عمره، تقوس ظهره ووهنت ملامحه، تقترب منه تجده وحيداً، كلا، لم يكن وحيداً هناك، كومة كبيرة من الجرائد القديمة، موضوعة على الطاولة، بجوار كوب الشاي، يقرؤها بنهم شديد“.

والزمن الثاني هو ”الحاضرالمستمر“ممثلاً في صيرورة الشاب منذ كان طفلا مهتما بعوالم هذا الرجل، إلى ان حل محله –وهو ما عنيناه سلفا بتحيين الماضي ضمن طراوة الحاضر”طوال السنوات كنت أرمقه في شغف، أتابعه بولع مكبوت، وعيناي تحدوهما الرغبة في النظر إليه والجلوس معه.

أسمع الهمس الذي يدور حولي، فيتفاعل في أعماقي ويتحول إلى ما يشبه الحكايات التي كنت أسمعها من جدتي، مثيرةً في خيالي الفضول والخوف معا.

أتذكر أنني حينها كنت في الثانية عشرة من عمري، كثيرا ما أحاول الاقتراب منه، أتفحصه بعيني، لم يلحظ نظراتي، ولكن تكرار قدومي ووقوفي بجوار المقهى جعله يدعوني للجلوس معه.

ترددت ولكن لهجته كانت أقرب إلى الأمر، دفعني الفضول إلى المجازفة، فجلست. تكررت اللقاءات بعفوية“

تفتح هذه العلاقة بينهما، الصبي الصغير على معرفة لا يستطيع الاستغناء عنها ”عَلِم والدي بالأمر فمنعني من الخروج من المنزل، ولكنني عدت إليه بدافع من الاحتياج الشديد، بسبب الفراغ الذي بدأت أشعر به تجاه نفسي، قبل أن أتعرف عليه.

شعرت بأن هناك شيئاً ما يربط بيننا، ربما في الملامح، أو نبرة الصوت والأفكار، عشقت جرائده العتيقة التي أكل الدهر منها الكثير، ويكاد يأتي على ما تبقى. لم يحتمل والدي عصيانه، فضربني حتى كاد يسبب لي عاهة“

تتسم لغة النص بنوع من الشعرية، وثيق الصلة بالحالة النفسية لهذا الطفل، في تحولات سنوات عمره من الطفولة الى الرجولة.

وهي لغة تتسم بالشفافية المستمدة من فضول المعرفة، وميراث اللامبالاة والتهجس اللذان وسما حياة أهل الزقاق، وموقفهم من هذا الرجل الأسطوري، ومن كل ما هو غامض بالنسبة لهم”يتحدث عن أشياء قد تبدو بالنسبة إليهم خارقة، مجهولة، خفية.

مع الأيام ابتعدوا عنه، نفروا منه، أصبحوا ينظرون إليه بتوجس وخيفة، أحدهم قال إنه ليس من أهل الحي، وآخر أقسم أنه يراه يختفي في الظلام عندما يترك المقهى، ولا يصعد إلى بيته الذي نراه نازلاً منه في الصباح.

ظل هكذا سنوات وسنوات حتى كثرت الشائعات حوله، تناقلتها الأفواه، فاختلطت بعضها ببعض، وجعلت منه شخصية مستعصية“

ويختفي هذا الرجل الغامض الذي لا يعرف أحد هل حقا كان يعيش هنا أم لا ”مرّت السنون، حتى شعرت بأن الزمن، قد تمكن من رأسي. ولم تعد لأفكاري أي فائدة، فاستبد بي الحنين إلى الزقاق، وراحت قدماي تقوداني إليه.

وجدت المقعد خاليا، سألت عنه، فأكدوا أنهم لم يروه منذ مدة طويلة، حتى أنهم شككوا من الأصل في وجوده بيننا“

فيحل الرجل الذي كان طفلا صغيراً قبل سنوات محل رجل المقهى، ليمر به طفل صغير آخر يتأمله في جلوسه بين جرائده القديمة، مثلما كان هو يفعل في طفولته، مدفوعا بالفضول تجاه ذلك الرجل ”شعرت بأن مقعده يناديني، فأصبحت كلما يأتي المساء أحمل كومة جرائد، أشتريها من بائع متجول للأشياء القديمة، وأنكبّ على قراءتها سطرا سطرا.

أهل الحي يرمقونني بنظرة رأيتها من قبل، يسألونني أسئلة ليست غريبة عليّ، حتى إذا كان ذات مساء، رفعت رأسي.

فإذ بي ألمح طفلاً في نحو الثانية عشرة من عمره ينظر إليّ بفضول، فأعود إلى تفحص جرائدي كما كنت أفعل كل مساء“ وهكذا تفتحنا القاصة على زمن دوري، يبدأ من حيث انتهى في حيوات جديدة.

إن قصة “عندما ياتي المساء ” هي تركيب فني خلاق، تتقابل فيه مجموعة من القيم والأفكار والمواقف، بما عكسته فاطمة المزروعي من مقابلات وعلاقات تبادلية في الأدوار.

يمثل الزمان عنصراً أساسياً ومهماً من عناصر البناء القصصي، فالزمن صنو الحيز، وبصمة الشخصية. ونلاحظ على الزمن، الذي تم توظيفه في هذا النص، انه يسري بشكل دوري، قاعدته الحاضر. الذي ينتقل الى المستقبل، لنعود الى الماضي الذي كان حاضرا، وهكذا دواليك، وفي هذا السياق الدوري، تتشكل بؤر زمنية صغيرة في الاسترجاع بتذكر الراوي لبعض وقائع ما مضى، أشبه بالانفجارات المكتومة التي تليق بمساء كهذا المساء.

 

*أحمد ضحية، روائي وناقد سوداني

٥ سبتمبر ٢٠٢٠

Lansing, Michigan

…………

هوامش:

…………

[¹] فاطمة المزروعي، وجه أرملة فاتنة ”مجموعة قصصية“، هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، ٢٠٠٧

[²] ابراهيم عباس، تقنيات البنية السردية في الرواية المغاربية، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، الجزائر، ٢٠٠٣، ص:٣١

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: